تاج السر أحمد: الرائد السوداني الذي أعاد صياغة الحداثة من أروقة الكلية الملكية

تاج السر احمد

بقلم: ألكسندرا جينوفا – الكلية الملكية للفنون (RCA)

تعددت واجهاته الإبداعية بين الرسم، الطباعة، الجرافيك، الهندسة المعمارية، وتصميم الديكور، وصولاً إلى كونه معلماً ملهماً؛ هكذا صاغ الفنان السوداني تاج السر أحمد مسيرة مهنية استثنائية تجاوزت الستة عقود وتخطت حدود القارات. ورغم البزوغ اللافت لاسمه في المشهد اللندني ستينيات القرن الماضي، إلا أن أضواء الشهرة انحسرت عنه نسبياً عقب عودته إلى وطنه، ليقضي عقوده اللاحقة في التدريس بين شرق أفريقيا والشرق الأوسط، بعيداً عن صخب المراكز الفنية العالمية.

اليوم، يسعى معرض جديد تستضيفه مؤسسة ألماس للفنون في لندن إلى تصحيح هذا المسار وإعادة الاعتبار لأحمد كأحد أعمدة الفن الحديث. هذا المشروع، الذي يقوده الباحث الدكتور فتحي عثمان، يمثل عملية تنقيب معرفي تجمع بين الكشوفات الأرشيفية، اللوحات الفنية، والوثائق النادرة التي تزيح الستار عن فلسفة أحمد العميقة وحياته الحافلة.

تاج السر أحمد المولد 1960، طباعة حجرية على ورق منسوج.

 

تاج السر أحمد، صورة ذاتية، 1960-1961، بإذن من الدكتور فتحي عثمان.

رحلة عثمان البحثية كانت بمثابة تتبع لأثر فنان عابر للحدود؛ بدأت من شيكاغو حيث تعيش ابنة الفنان، ومرت بالأردن التي شهدت الفصل الأخير من مسيرته التعليمية، وصولاً إلى فرنسا، حيث عثر على مراسلات شخصية مع صديق سوداني قديم، وهي رسائل منحت الباحث مفاتيح جديدة لفهم فكر أحمد الفني. وفي نهاية المطاف، استقر البحث في الكلية الملكية للفنون، حيث نضجت موهبة أحمد بين عامي 1959 و1962. هناك، لعبت مقتنيات الكلية دوراً جوهرياً في ترميم الذاكرة الفنية لمرحلته المبكرة. ويعلق عثمان بامتنان: “ما قدمته الكلية مذهل؛ فالحفاظ على أعماله لأكثر من ستة عقود يعد إنجازاً استثنائياً، خاصة وأنني فشلت في العثور على إنتاجه من السبعينيات والثمانينيات داخل السودان نفسه”.

دخل أحمد لندن وهي في أوج غليانها الثقافي؛ حيث كانت ملامح “فن البوب” البريطاني تتشكل، وزامل في قاعات الدراسة أسماءً وازنة مثل ديفيد هوكني وفرانك بولينغ. ورغم التحاقه أولاً بقسم التصميم الجرافيكي، إلا أن نصيحة رئيس القسم ريتشارد غايات دفعته نحو فن الطباعة، وهو التحول الذي جعله يوصف لاحقاً بـ “نجم القسم” وفق سجلات الكلية التاريخية.

خلال تلك الفترة، حقق أحمد حضوراً طاغياً، محصداً الجوائز الأولى في معارض مرموقة مثل “الفنانين الشباب المعاصرين” و”الصور المنقوشة” بين عامي 1961 و1962. وفي عام 1963، توج نجاحه بمعرض فردي في “تايمز غاليري” بوندسور، حظي بتغطية نقدية مشيدة في صحيفتي الغارديان وتشيلسي بوست. عكست أعماله في تلك المرحلة نزعة “ذاتية” مفرطة؛ فبدلاً من الالتفات للخارج، كانت مطبوعاته توثق فضاءاته الخاصة: مرسمه في الكلية، غرفته في إيرلز كورت، وتفاصيل حياته اليومية الهادئة. يحلل عثمان هذا التوجه قائلاً: “كان يميل للاسترجاع من الذاكرة لأنها عملية حميمية، تمنحه القدرة على صياغة تجاربه وقصصه الشخصية في قوالب بصرية”.

تاج السر أحمد في الاستوديو الخاص به

 

تاج السر أحمد، مسؤول التصميم الداخلي في إيرلز كورت.

ظلت “الذاكرة” هي المحرك الأساسي لإبداعه، خاصة ذكريات الخرطوم التي لم تفارقه رغم الاغتراب. فقد دأب على رسم جغرافيا السودان وبيئاته من وحي خياله المتقد، إذ كانت مدينته الأم تسكن في وجدانه الفني بوضوح تام.

هذا الانكفاء على الذات جعل أحمد يغرد خارج سرب “الرواد” من جيله في السودان. فبينما كان معاصروه العائدون من أوروبا في الخمسينيات منشغلين بتأسيس هوية بصرية وطنية تدمج الرموز الأفريقية والإسلامية عقب الاستقلال، اختار تاج السر مساراً مستقلاً. يوضح عثمان: “كان تاج السر يرفض تلك القوالب؛ كان يؤمن أن الإلهام ينبع من الداخل لا من الخارج، وأن الفنان ليس بوقاً لقضايا عامة بل هو ذات تعبر عن رؤاها المستقلة”. وفي إحدى رسائله، أكد أن جوهر الفنان يظل ثابتاً مهما تغير موقعه الجغرافي، مما يرسخ مفهوم الاستقلالية الإبداعية لديه.

تاج السر أحمد، الصراع في ميتيما 1961، طباعة حجرية على ورق منسوج

تعد المجموعات الخاصة بالكلية الملكية للفنون اليوم مستودعاً لكنوز أحمد، حيث تضم 29 مطبوعة نادرة، وهو عدد غير مألوف لأعمال طالب واحد. وقد شكلت 15 منها العمود الفقري لمعرض مؤسسة ألماس الحالي.

ويشير نيل باركنسون، رئيس المجموعات الخاصة، إلى أن قيمة هذه الأعمال تتبدى حين تخرج من الأدراج لتصافح عيون الجمهور، مؤكداً أن الحفظ الدقيق والتوثيق عبر السنين هو ما سمح اليوم بإجراء هذا البحث المعمق. وتبرز هذه المطبوعات تنوعاً مدهشاً في التقنيات، من الليثوغراف إلى الحفر، ومن التجريد إلى البورتريه، مما يعكس رغبة أحمد الجامحة في التجريب والانتقال من التوضيح الوظيفي إلى التعبير الذاتي الخالص.

تاج السر أحمد، المحتفلون في حالة صراع، طباعة حجرية على ورق منسوج.

 

تاج السر أحمد، بدون عنوان، 1962، طباعة خشبية على ورق مقوى، 45 × 33 سم

رغم هذا الألق المبكر، تراجع الحضور العالمي لأحمد بعد عودته للسودان وتنقله التدريسي بين أوغندا، كينيا، السعودية، والأردن. ويأسف عثمان لأن رحيله المبكر عن لندن أدى لتجاهل إسهاماته كفنان معاصر رائد في المنطقة العربية وأفريقيا.

لكن “إعادة الاكتشاف” التي تحدث الآن تبدو ضرورة ملحة؛ فأعمال أحمد، بصدقها وعفويتها، تجد صدىً لدى الأجيال الجديدة، لاسيما السودانيين في الشتات الذين يعانون من الانفصال عن جذورهم. لقد قدم أحمد نموذجاً للفنان الذي يعيش بعيداً عن وطنه جسداً، لكنه يحمله في ذاكرته وإبداعه كوطن لا يغيب.

تاج السر أحمد، صورة مها كوار، 2010. أكريليك على قماش.

 

طباعة حجرية على ورق منسوج، تاج السر أحمد، خيال قبطي، 1961.

يختتم عثمان برؤية طموحة، متمنياً أن يفتح هذا المشروع الباب لدراسة تاريخ فنانين سودانيين آخرين مروا عبر الكلية الملكية في تلك العقود الذهبية، معتبراً أن استعادة هذه القصص تمثل إضافة جوهرية لتاريخ الفن السوداني والعالمي على حد سواء. وهكذا، وبعد ستة عقود، تعود أعمال تاج السر أحمد لتؤكد أن الرؤية الفنية الصادقة لا يطويها النسيان، بل تنتظر فقط من يعيد اكتشاف ضوئها.

Exit mobile version