تتويج للنقابة بجائزة اليونسكو .. الأقلام في السودان تنزف دمأ

أفق جديد 

حين يصدر تقرير مراسلون بلا حدود لعام 2026 لا يكون مجرد ترتيب رقمي عابر بل خريطة كثيفة الدلالات تكشف موقع كل دولة في علاقتها بالحقيقة وبالحق في المعرفة وبقدرة المجتمع على أن يرى نفسه دون مرايا مكسورة. في هذه الخريطة يبدو السودان واقفًا عند تخوم الظل في المرتبة المئة والحادية والستين من أصل مئة وثمانين دولة ليس بوصفه حالة استثنائية بل باعتباره مثالًا صارخًا على كيف يمكن أن تتقاطع السياسة بالحرب لتصنع بيئة معادية للصحافة ومعادية لما تمثله الصحافة من معنى

في المقابل تتوزع الدول على طيف واسع من الحرية والانغلاق تتصدر النرويج المشهد العالمي محافظة على مركزها الأول لعقد كامل تليها هولندا وإستونيا ثم الدنمارك والسويد وفنلندا وهي دول لا ينظر فيها إلى الصحافة كترف بل كأحد أعمدة العقد الاجتماعي وفي مفارقة لافتة تتقدم موريتانيا عربيًا إلى المرتبة الحادية والستين متجاوزة حتى الولايات المتحدة التي تراجعت إلى الرابعة والستين في مؤشر لا يخلو من دلالة على أن التراجع ليس حكرًا على الجنوب بل ظاهرة عالمية معقدة

غير أن ما يهم هنا ليس فقط ترتيب الدول بل المعنى الكامن خلف الأرقام خصوصًا عندما نقترب من السودان حيث لا يمكن فصل الصحافة عن الحرب ولا الإعلام عن السياسة ولا الحقيقة عن الخطر حيث تصبح الكلمة نفسها مجال اشتباك لا يقل خطورة عن ساحات القتال

سياق مضطرب

العالم اليوم لا يتحرك في اتجاه واحد بينما تعزز بعض الدول بيئاتها القانونية لحماية الصحفيين تنزلق أخرى نحو تضييق متزايد إما عبر القوانين أو عبر السيطرة الناعمة أو عبر الفوضى التي تجعل العمل الصحفي مغامرة محفوفة بالمخاطر في أوروبا ورغم التراجع النسبي لبعض الدول مثل ألمانيا إلى المرتبة الرابعة عشرة والمملكة المتحدة إلى الثامنة عشرة وفرنسا إلى الخامسة والعشرين إلا أن البنية العامة لا تزال صلبة هناك مؤسسات وقضاء ومساحات نقد حتى وإن تقلصت أحيانًا

أما في العالم العربي فالصورة أكثر اضطرابًا تتقدم موريتانيا وتتوسط دول مثل قطر والمغرب ولبنان بينما تنزلق دول أخرى نحو القاع مثل مصر في المرتبة المئة والتاسعة والستين لتجاور دولًا مثل السعودية وإيران والصين في مشهد يعكس ليس فقط قيودًا قانونية بل بيئات سياسية مغلقة بطبيعتها

وسط هذا كله يبدو السودان وكأنه يسقط في الفراغ لا هو ضمن الدول ذات القبضة المحكمة التي تسيطر على الإعلام ولا هو ضمن الدول التي تتيح مساحة حرية بل في منطقة رمادية خطرة حيث تغيب الدولة أحيانًا وتحضر القوة المسلحة بدلًا عنها وحيث تتعدد الروايات دون أن تجد مرجعية تحسمها

موقع السودان

المرتبة المئة والحادية والستون ليست رقمًا فحسب بل خلاصة مسار طويل من التدهور المتقطع إذا عدنا إلى السنوات التي أعقبت 2019 سنجد أن هناك لحظة أمل عابرة حيث تحسنت المؤشرات قليلًا وارتفعت التوقعات بأن السودان قد يخرج من دائرة القمع الإعلامي المزمن لكن هذه اللحظة لم تصمد طويلًا

الانقلاب العسكري في 2021 أعاد ضبط المشهد على إيقاع قديم حيث أصبحت الصحافة مرة أخرى تحت ضغط مباشر ليس فقط عبر الرقابة بل عبر المناخ العام الذي لا يحتمل النقد ثم جاءت الحرب في 2023 لتقضي على ما تبقى من بنية إعلامية هشة أصلًا

في ظل الحرب لا تعود الصحافة مهنة بل تصبح مخاطرة يومية المؤسسات الإعلامية تغلق أو تقصف أو تنهب الصحفيون يهجرون أو يهددون والمعلومات تتحول إلى سلاح لا إلى وسيلة معرفة وهنا يتغير تعريف حرية الصحافة من كونه حقًا قانونيًا إلى كونه مسألة بقاء حيث يصبح السؤال الأول هل يمكن النجاة قبل أن يكون ماذا يمكن أن يكتب

الكلفة البشرية

في قلب هذا المشهد تقف أرقام نقابة الصحفيين السودانيين كشهادة دامغة على أن التراجع لم يعد معنويًا فقط بل صار جسديًا ملموسًا منذ اندلاع الحرب في 2023 قُتل أربعة وثلاثون صحفيًا وعاملًا في المجال الإعلامي رقم يتجاوز كونه إحصاء إلى كونه سردية جماعية لفقدان متكرر لا ينتهي وفي عام واحد فقط هو 2025 سقط أربعة عشر منهم بينما اختفى ستة قسريًا في ظروف تعكس أقصى درجات الهشاشة الأمنية

هذه الأرقام لا تعني فقط من رحلوا بل تعني أيضًا من بقوا يعملون تحت ضغط دائم حيث تتسع دائرة الانتهاكات لتشمل الاعتقال والتهديد والملاحقة وتدمير المؤسسات الإعلامية ونهبها وهو ما يحول البيئة الصحفية إلى مساحة طاردة لكل محاولة مهنية

استهداف ممتد

ما تكشفه هذه الوقائع ليس فوضى عابرة بل نمطًا ممتدًا يقوم على إسكات الشهود فالصحفي في السودان لم يعد مجرد ناقل للخبر بل أصبح شاهدًا على واقع تحاول أطراف متعددة إعادة صياغته وفق مصالحها وهذا ما يجعل وجوده مزعجًا وخطرًا في آن واحد

في مثل هذا السياق تتراجع الحقيقة إلى الخلف وتتصدر الروايات المتضاربة المشهد ويتحول الفضاء العام إلى ساحة مفتوحة للدعاية حيث يصعب التمييز بين ما هو خبر وما هو موقف وبين ما هو واقع وما هو ادعاء وهكذا لا تخسر الصحافة وحدها بل يخسر المجتمع قدرته على الفهم

مفارقة لافتة

وسط هذا السواد تبرز مفارقة ذات دلالة عميقة حيث حازت نقابة الصحفيين السودانيين على جائزة اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة لعام  2026 وهو تكريم لا يمكن فصله عن السياق الذي جاء فيه فهو ليس احتفاء بواقع مريح بل اعتراف بشجاعة تمارس في ظروف قاسية

هذا الاعتراف الدولي يسلط الضوء على أن الصحافة السودانية رغم كل ما تواجهه لا تزال حاضرة لا تزال تحاول أن تقوم بدورها في نقل المعلومات وفي توثيق ما يحدث حتى وإن كان الثمن باهظًا وهنا تتجلى المفارقة بين الداخل الذي يضيق والخارج الذي يقدر بين واقع يضغط نحو الصمت وصوت يصر على الاستمرار

المقارنة العربية

حين نقارن السودان بدول عربية أخرى تتضح خصوصيته أكثر دول مثل الإمارات والعراق واليمن تقع في نطاق قريب من الترتيب لكنها تختلف في طبيعة البيئة فبعضها يعاني من قيود سياسية وبعضها من صراعات لكن السودان يجمع بين الاثنين في آن واحد

في المقابل نجد دولًا مثل تونس والجزائر والأردن تقدم نموذجًا أقل حدة حيث توجد قيود لكنها لا تصل إلى مستوى الانهيار الكامل كما في السودان

واللافت أن السودان ليس في قاع الترتيب المطلق بل فوقه بقليل ما قد يوحي بتحسن نسبي لكنه في الحقيقة تحسن خادع لأن المؤشر نسبي بطبيعته فإذا تدهورت دول أخرى بوتيرة أسرع قد يبدو السودان وكأنه يتحسن بينما هو في الواقع يواصل التراجع

عوامل التراجع

لا يمكن فهم وضع السودان دون تفكيك العوامل التي قادته إلى هذا الموقع أول هذه العوامل هو غياب الاستقرار السياسي فالصحافة لا تزدهر في بيئة انتقالية مضطربة فكيف إذا كانت هذه البيئة تنزلق إلى حرب مفتوحة

العامل الثاني هو تعدد مراكز القوة حيث لا توجد جهة واحدة تتحكم في المجال العام بل عدة قوى لكل منها روايتها ولكل منها حساسيتها تجاه الإعلام وهذا التعدد لا ينتج تعددية صحفية بل فوضى تجعل الصحفي مهددًا من أكثر من جهة في الوقت نفسه

العامل الثالث هو الانهيار الاقتصادي فالمؤسسات الإعلامية تحتاج إلى تمويل وإلى سوق إعلاني وإلى جمهور قادر على الاستهلاك وفي ظل الأزمة الاقتصادية تصبح هذه الشروط شبه معدومة ما يدفع الإعلام إما إلى التبعية أو إلى التلاشي

ثم يأتي العامل الأكثر تأثيرًا وهو الحرب التي لا تقتل الصحافة فقط بل تقتل الحقيقة نفسها ففي زمن الحرب تنتشر الدعاية وتختفي الوقائع ويصبح الصحفي إما طرفًا في الصراع أو ضحية له

الصحفي الفرد

وراء كل رقم في هذا المؤشر هناك إنسان في السودان الصحفي ليس مجرد ناقل خبر بل شاهد على العنف وعلى الانهيار وعلى التحولات القاسية يعمل في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان دون حماية قانونية حقيقية ودون مؤسسات قوية تدعمه

كثير من الصحفيين اضطروا إلى مغادرة البلاد لا بحثًا عن فرص أفضل بل هربًا من الخطر بينما بقي آخرون يعملون في ظروف شبه سرية أو عبر منصات رقمية يحاولون الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مهنية في بيئة معادية

هذا النزيف البشري لا يقل خطورة عن أي تراجع في الترتيب لأنه يعني فقدان الخبرة وفقدان الذاكرة المهنية وفقدان القدرة على إعادة البناء لاحقًا

المعنى الأعمق

حرية الصحافة ليست هدفًا في حد ذاتها بل وسيلة لشيء أكبر الشفافية والمساءلة والمشاركة حين تتراجع حرية الصحافة في السودان لا يتضرر الصحفيون فقط بل المجتمع كله لأن غياب المعلومات الدقيقة يفتح الباب أمام الشائعات وأمام الاستقطاب وأمام اتخاذ قرارات على أساس خاطئ

في هذا السياق يصبح السؤال ليس فقط لماذا تراجع السودان بل ماذا يعني هذا التراجع لمستقبله لأن أي عملية انتقال سياسي أو إعادة بناء تحتاج إلى إعلام حر قادر على مراقبة السلطة وعلى نقل صوت الناس

أفق ممكن

رغم قتامة الصورة لا يمكن القول إن الوضع ميؤوس منه فالتجارب العالمية تظهر أن حرية الصحافة يمكن أن تتحسن حتى بعد فترات طويلة من التراجع لكن ذلك يتطلب شروطًا أساسية استقرار سياسي وإرادة إصلاح ومؤسسات قوية

في السودان هذه الشروط لم تتوفر بعد لكن وجود صحفيين يواصلون العمل رغم كل شيء ووجود جمهور يبحث عن الحقيقة يشير إلى أن الأساس لم يختف بالكامل وأن الإمكانية لا تزال قائمة ولو كانت بعيدة

في النهاية يبدو السودان في تقرير حرية الصحافة كأنه قصة مفتوحة على احتمالات متعددة قصة تتداخل فيها الخسارة مع الصمود والألم مع الإصرار الأرقام التي تسجل القتلى والمخفيين قسريًا تمنح هذه القصة بعدًا إنسانيًا حادًا بينما الجائزة التي منحتها اليونسكو تضيف بعدًا رمزيًا يعترف بالشجاعة الكامنة في الاستمرار

بين هذين البعدين يتحرك المشهد السوداني بين واقع يضغط نحو الصمت وإرادة تصر على الكلام وربما في هذه المسافة الضيقة يتشكل المعنى الحقيقي للصحافة في بلد لا تزال الحقيقة فيه تُنتزع بصعوبة من قلب العتمة حيث لا يكون نقل الخبر مجرد مهنة بل فعل بقاء وضرورة وجود

Exit mobile version