الطيران المُسيّر يفتك بالمدنيين في الأبيض

أفق جديد

في صباح لم يختلف كثيرًا عن أيام الحرب السابقة، استيقظت مدينة الأبيض على صوت بات مألوفًا ومخيفًا في آن واحد؛ أزيز طائرات مسيرة تحلق في السماء قبل أن يتحول إلى انفجارات عنيفة داخل أحياء سكنية مكتظة، دقائق قليلة كانت كفيلة بتحويل المشهد إلى فوضى من الدماء والغبار والصراخ.

بعد ثلاث سنوات من الحرب، يعاني السودان الآن أكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج 34 مليون شخص إلى المساعدة، ويعاني 21 مليون شخص نقص الخدمات الصحية، والهجمات المتكررة قد شلت النظام الطبي الذي أنهكه بالفعل الجوع والمرض.

أبلغت مصادر طبية “أفق جديد” أن الهجوم الذي وقع قبل أيام أسفر عن مقتل سبعة مدنيين وإصابة 22 آخرين بجروح متفاوتة، في استهداف وصفته بأنه متعمد لمناطق لا تضم أي أهداف عسكرية في ظل نقص المستشفيات والمراكز العلاجية.

وعلى مستوى الولايات السودانية الثماني عشرة، لا يزال 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة، فقد تعرضت المرافق الصحية وسيارات الإسعاف والمرضى والعاملون الصحيون لهجمات متكررة، الأمر الذي قلص بدرجة كبيرة من فرص الحصول على الرعاية الصحية، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزاع، حيث أغلقت المستشفيات أبوابها أو صارت تعمل بشكل جزئي فقط بسبب تدمير المرافق والمعدات.

أطفال يصرخون

وفي 14 أبريل الماضي قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم: “إن الحرب في السودان تودي بالأرواح وتحرم الناس من أبسط حقوقهم، ولا سيما الحق في الصحة والمياه والغذاء والأمان. وقد أُصيب النظامُ الصحي بالشلل، تاركًا ملايين الأشخاص من دون رعاية صحية أساسية. وفي حين أن الأطباء والعاملين الصحيين بوسعهم إنقاذ الأرواح، فإنهم في المقام الأول يحتاجون إلى أماكن آمنة للعمل وإلى توفر ما يحتاجونه من الأدوية والإمدادات وفي نهاية المطاف يظل السلام أفضل دواء”.

في أحد أحياء المدينة المتضررة، عيسى عبد الله، وهو معلم في الأربعين من عمره، أمام منزله المتصدع جزئيًا يقول بصوت متقطع لـ”أفق جديد: “كنا نظن أن الأبيض بعيدة عن خطوط النار، لكن الحرب لحقت بنا، سمعنا صوت الطائرة، ثم انفجار قريب جدًا، لم نعد نفرق بين الليل والنهار الخوف واحد في كل وقت”.

يشير عبد الله إلى منزل مجاور تهدم جزء كبير منه، حيث كانت تقيم أسرة من خمسة أفراد خرجوا مصابين والأطفال كانوا يصرخون بطريقة لا يمكن وصفها.

فقدان الأمل

داخل أحد المرافق الصحية في المدينة، تتزاحم الأسرة بالمصابين بعضهم يفترش الأرض فيما يحاول الطاقم الطبي التعامل مع الأعداد المتزايدة وسط نقص حاد في الإمدادات.

تقول ممرضة تعمل في قسم الطوارئ لـ”أفق جديد”: “نستقبل حالات إصابات خطيرة يوميًا تقريبًا، لكن الإمكانيات محدودة جدًا، اليوم كان صعبًا، الإصابات كثيرة وبعضها يحتاج لتدخل عاجل لا نملكه”. وتضيف: “أصعب ما في الأمر ليس فقط الجراح بل نظرات الناس الخوف والصدمة وفقدان الأمل”.

في زاوية قريبة من موقع الاستهداف، تجلس آمنة الزين على الأرض، تحيط بها نساء الحي، فقدت أحد أقاربها في الهجوم، وأصيب طفلها بجروح في ساقه.  تقول لـ”أفق جديد” وهي تمسك بيد طفلها: “أطفالي كانوا يلعبون أمام البيت، فجأة سمعنا صوتًا قويًا، لم أفهم ماذا حدث، عندما فتحت عيني كان الغبار في كل مكان وطفلي ينزف” تتوقف لحظة قبل أن تكمل: “نحن مدنيون ولا علاقة لنا بأي قتال لماذا يحدث لنا هذا؟”.

انهيار النظام الصحي

المصادر الطبية أدانت الهجوم بشدة، معتبرة أن استهداف الأحياء السكنية يمثل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ويعكس استهتارًا واضحًا بحياة المدنيين، وأكدت أن استخدام الطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة يضاعف من خطورة الوضع، خاصة في ظل الانهيار شبه الكامل للنظام الصحي في العديد من المناطق بما فيها الأبيض.

مدينة الأبيض التي كانت تُعد مركزًا تجاريًا حيويًا في غرب السودان أصبحت اليوم مدينة تعيش على إيقاع الخوف ونقص الخدمات، شبكات المياه والكهرباء متقطعة والمرافق الصحية تعاني ضغطًا غير مسبوق فيما يواجه السكان صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ما حدث في مدينة الأبيض ليس مجرد رقم جديد يُضاف إلى حصيلة الضحايا، بل هو امتداد لحرب لم تعد تفرق بين جبهة قتال ومنزل مدني؛ في هذه المدينة المنهكة باتت السماء مصدر تهديد دائم وأصبحت النجاة نفسها إنجازًا يوميًا.

وفي ظل غياب أفق قريب للحل يبقى المدنيون وحدهم في مواجهة حرب لا يملكون فيها سوى الصبر وانتظار أن يتوقف هذا النزيف.

وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب في السودان، بما يجنب البلاد كارثة إنسانية بدأت تدفع الملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال.

Exit mobile version