
صدمة الطاقة العالمية تعيد هندسة القتال والتمويل واللوجستيات في السودان
بقلم : محمد الهادي
هل أعاد اضطراب الطاقة العالمي، خصوصاً بعد صدمة مضيق هرمز، تشكيل اقتصاد الحرب في السودان عبر قنوات الإمداد غير الرسمية، بما يحوّل الوقود من سلعة طاقة إلى أداة نفوذ تحدد مسار الحرب نفسها؟
لا يُقاس صمت السماء في مدن السودان بغياب الطائرات، ولكن بندرة الوقود. فمنذ مطلع 2026، لم يعد تطور الحرب نتاجاً مباشراً لتحولات عسكرية داخلية فحسب، ولكن نتيجة إعادة تسعير عالمية للموارد الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط، وفق ما تظهره تقارير International Energy Agency (IEA, 2025-2026) حول تقلبات أسواق الطاقة بعد اضطراب مضيق هرمز. ولم يقتصر أثر هذا الاضطراب على الأسواق الدولية، ولكن امتد إلى هوامش الصراعات المحلية، حيث أعاد هندسة اقتصاد الحرب السوداني، كما توثقه تحليلات International Crisis Group (ICG, 2024-2025) حول اقتصادات النزاع في السودان عبر قنوات مترابطة تشمل الوقود، واللوجستيات، والتمويل غير الرسمي.
في هذا الإطار، يتشكل ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الندرة”، وهو نمط اقتصادي في بيئات النزاع لا تُحدد فيه قيمة الموارد بمدى توفرها، بل بمدى القدرة على الوصول إليها وتأمين تدفقها. في مثل هذا الاقتصاد، تصبح السيطرة على مسارات اللوجستية، لا امتلاك الموارد نفسها، هي العامل الحاسم في إعادة إنتاج القوة على الأرض.
في هذا السياق، تتراجع الحرب تدريجياً من منطق السيطرة على الأرض إلى منطق إدارة الندرة، فلم تعد القدرة على التمركز العسكري وحدها كافية لتفسير مسار الصراع، فالقدرة على تأمين اللوجستيات -وخاصة الوقود- أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في ميزان القوة على الأرض. وبينما تتغير تكاليف الشحن والتأمين وتتعطل سلاسل التوريد التقليدية، تتسع المساحات التي تتحرك فيها الشبكات غير الرسمية، لتصبح جزءاً بنيوياً من بنية الحرب نفسها، ويظهر هذا التحول بشكل مباشر في طبيعة الأدوات المستخدمة في القتال.
من صدمة هرمز إلى اقتصاد حرب مشدود بالوقود
أصبحت المسيّرات منخفضة الكلفة والعالية المرونة هي الأداة الأكثر حضوراً في الحرب الدائرة في السودان. وهذا التحول الذي برز منذ مطلع 2026 في مناطق الصراع لا يمكن فهمه كتطور تكتيكي، إنما نتيجة مباشرة لضغوط لوجستية متزايدة على الوقود والإمداد.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن أنماط العمليات الميدانية مؤخراً تشير إلى أن تقلص القدرة على تشغيل الوسائط الثقيلة، خاصة الطيران الحربي والتحركات البرية واسعة النطاق، ارتبط بتراجع التدفق اللوجستي منذ أواخر 2025. ومع كلفة تشغيل قد تصل إلى آلاف الدولارات في الساعة للطائرات التقليدية وفق تقديراتInternational Institute for Strategic Studies (IISS, Military Balance 2025) ليصبح الانتقال إلى المسيّرات استجابة عقلانية لبيئة ندرة.
يرى خبير عسكري -فضل حجب إسمه- أن هذا التحول ناتج عن ضغط لوجستي متزايد، موضحاً أن “الاعتماد الكبير على الطائرات المسيّرة والعمليات المحدودة هو في جوهره استجابة لنقص الوقود وتعقّد الإمداد. وما نراه يعد تكتيكاً مفروضاً باللوجستيات.”
إلا أن هذا التحول في الأدوات ليس سوى انعكاس لطبقة أعمق تتعلق بالبنية اللوجستية نفسها.
اللوجستيات كجبهة قتال خفية داخل الحرب السودانية
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت خطوط الإمداد تدريجياً إلى جزء من الصراع نفسه، وهو ما تؤكد عليه عقيدة اللوجستيات العسكرية لدى NATO (Allied Joint Doctrine for Logistics، 2018/2022 update)، وفي البداية كان التركيز على السيطرة على المدن والمراكز الحيوية، لكن مع الوقت أصبح استهداف الوقود والمخازن وطرق التدفق اللوجستي كما توثق تقارير International Committee of the Red Cross (ICRC, 2023-2025) حول استهداف سلاسل الإمداد في النزاعات عنصراً ثابتاً في مسار الحرب.
يتجسد هذا التحول بوضوح في مصفاة الجيلي، أكبر منشأة تكرير في البلاد بطاقة تقارب 100 ألف برميل يومياً، والتي تحولت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 من بنية إنتاجية إلى موقع صراع مباشر. فبعد السيطرة عليها واستخدامها كموقع عسكري، أصبحت المصفاة جزءاً من المعادلة العملياتية، قبل أن تتعرض لسلسلة من الضربات والحرائق خلال عام 2024 أدت إلى تعطيل بنيتها التشغيلية ومخزوناتها. وعند استعادتها مطلع 2025، لم تعد قادرة على أداء دورها كمصدر مستقر للإمداد، ما يعكس انتقال الاستهداف من الأطراف إلى قلب البنية اللوجستية نفسها.
وفي هذا السياق، المصفاة فوق كونها هدف عسكري تقليدي، فهي نقطة اختناق داخل شبكة التدفقات اللوجستية. إذ أن تعطيلها لا يقتصر على فقدان منشأة تكرير، بل يمتد إلى تفكيك العلاقة بين الاستيراد والتوزيع والاستهلاك، ما يخلق فجوة مركبة في سوق الوقود. وبذلك، تتحول البنية التحتية من وسيط اقتصادي إلى ساحة قتال، حيث يصبح تدمير القدرة على المعالجة والتخزين وسيلة لإعادة توزيع توازن القوة، وليس أثر جانبي للعمليات العسكرية.
في هذا الإطار، يُفهم تعطيل مصفاة الجيلي كجزء من منطق أوسع يحكم اقتصاد الندرة، حيث لا تُستهدف الموارد بسبب قيمتها الإنتاجية فحسب، وإنما بسبب موقعها داخل شبكة التدفق. فالمصفاة، بوصفها عقدة تحويل بين الاستيراد والاستهلاك، تمثل نقطة تحكم في الوصول، لا مجرد منشأة صناعية. وبذلك، فإن تعطيلها يعيد توزيع القدرة على الوصول إلى الوقود، وهو ما ينعكس مباشرة على ميزان القوة الميداني.
ومع توسع القتال، أصبح التعطيل اللوجستي، خصوصاً الوقود، قادراً على تغيير ميزان الحركة على الأرض، وإعادة توزيع قدرة الأطراف المختلفة على القتال أو الانتشار. ومع تراجع الإمدادات الرسمية، بدأت قنوات بديلة في الظهور لملء هذا الفراغ، وفي هذا السياق، لعبت شبكات الوقود غير الرسمية القادمة من ليبيا وتشاد ومصر دوراً مهماً في سد الفجوات التي خلفها تراجع الإمداد الرسمي. وهذه الشبكات أصبحت جزءاً من آليات استمرارها، خصوصاً في المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى الإمداد النظامي.
في هذا الجانب، يشير الخبير العسكري إلى أن “السيطرة على الأرض لم تعد كافية لضمان التفوق. فالقوة اليوم تُقاس بالقدرة على التأمين اللوجستي، خاصة الوقود. ويمكن لأي طرف أن يسيطر على مساحة واسعة، لكنه يفقد قيمتها سريعاً إذا لم يستطع الحفاظ على تدفق الموارد إليها.”
خرائط التهريب عبر الصحراء
تتبع هذه القنوات البديلة، يكشف عن مسارات على الأرض. حيث تشير تقارير وتحقيقات متقاطعة إلى تشكّل شبكة تهريب وقود معقدة كما تشير إليه تقارير Small Arms Survey (SAS, 2022-2024) حول الاقتصاديات غير الرسمية في المنطقة، تربط ليبيا وتشاد ومصر بالسودان، ضمن ما بات يُعرف بـ”اقتصاد الحرب غير الرسمي”.
وتبدأ المسارات الأكثر نشاطاً من شرق وجنوب ليبيا، خصوصاً من مناطق الهلال النفطي والكفرة وفق تقارير فريق الخبراء التابع لـUnited Nations Security Council (UNSC, Panel of Experts on Libya، 2023–2024)، وكذلك تحليلات United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC، 2023) حول شبكات التهريب العابرة للصحراء بشأن تهريب الوقود في ليبيا، حيث تُعاد توجيه شحنات الوقود عبر طرق صحراوية غير رسمية باتجاه المثلث الحدودي الليبي – السوداني – التشادي، قبل أن تمتد إلى دارفور وشمال كردفان. كما توجد مسارات موازية أقل كثافة تنطلق من مصر عبر الصحراء الشرقية نحو شمال السودان، بينما تُستخدم الأراضي التشادية كممر لإعادة توزيع الوقود باتجاه غرب البلاد.
داخل هذه الشبكات، لا يتحرك الوقود كسلعة مستقرة، إنما كحمولة تتغير قيمتها مع كل مرحلة من الرحلة. إذ يُشترى في نقاط المنشأ بأسعار منخفضة نسبياً، لكنه يصل إلى دارفور وكردفان والشمالية بأسعار قد تتراوح بين ضعفين إلى خمسة أضعاف، تبعاً لمسافة النقل، والرسوم غير الرسمية، ومستوى المخاطر الأمنية على الطريق.
ويقول أحد العاملين في نقل الوقود عبر المسار الليبي-السوداني، في شهادة ميدانية غير منشورة:
“نشتري الجالون في الجنوب الليبي بسعر منخفض جداً مقارنة بالسودان، لكن عند وصوله إلى دارفور يرتفع السعر أحياناً إلى أربعة أو خمسة أضعاف. الطريق هو المشكلة الأساسية، لأننا نمر بصحراء مفتوحة بلا حماية، ونواجه نقاط تفتيش متعددة تفرض رسوماً غير ثابتة. والخطر الأكبر الآن هو الطائرات المسيّرة، لأنها لا تميز بين شاحنة وقود أو أي هدف آخر، ما يجعل كل رحلة مخاطرة كاملة قد تنتهي بخسارة الشحنة أو الحياة.”
غير أن هذه الشبكات تعمل داخل بيئة شديدة الهشاشة، حيث تتداخل الطبيعة الصحراوية القاسية مع انعدام البنية اللوجستية، وتعدد نقاط التفتيش متغيرة الولاءات، ووجود رسوم غير رسمية تفرض على طول الطريق. ومع دخول الطائرات المسيّرة إلى معادلة الصراع، أصبح الخطر لا يرتبط فقط بالأرض، بل أيضاً بالجو، ما أضاف طبقة جديدة من عدم الأمان إلى حركة الموارد.
في هذا السياق، لا يمكن فهم هذه الشبكات بوصفها مسارات تهريب فحسب، فقد أضحت بنية اقتصادية موازية يعاد من خلالها توزيع الموارد خارج الدولة. فالوقود لا ينتقل من نقطة إلى أخرى، إنما يُعاد تسعيره وإعادة إدخاله في الدورة الاقتصادية وفق منطق يقوم على المخاطرة، والندرة، وتفاوت السيطرة على الطرق.
هذا النمط من إعادة التسعير يجسد أحد أبرز تجليات اقتصاد الندرة، حيث تتحول القيمة من مصدر الوقود إلى مسار حركته. فكلما تعقدت طرق الوصول وتعددت نقاط السيطرة، ارتفعت القيمة النهائية، ليس بسبب ندرة المورد في ذاته، بل بسبب ندرة القدرة على تأمينه. وبهذا، يصبح الطريق نفسه مورداً اقتصادياً، وتتحول الجغرافيا إلى عنصر إنتاج للقيمة داخل اقتصاد الحرب.
في هذه السلسلة، لا يتغير الوقود كمصدر طاقة، بل كسعر ونفوذ: إذ يقفز من نحو 70–90 دولاراً للبرميل عند نقاط الدخول إلى ما يصل إلى 180–220 دولاراً داخل دارفور، في وقت تراجعت فيه واردات السودان الرسمية من الديزل من 993 مليون دولار في 2022 إلى نحو 120 مليوناً فقط في 2025. وهي أنماط تسعير تتسق مع تحليلات World Bank (WB, Fragility, Conflict and Violence Reports، 2023–2025)) حول تشوهات الأسواق في اقتصاديات النزاع.
وبهذا المعنى، تتحول الصحراء إلى سوق حرب مفتوح، لا يخضع لمنطق الدولة أو السوق التقليدي، بل لمنطق الشبكات غير الرسمية التي تعيد توزيع الإمداد بوصفه أداة في استمرار النزاع.
غير أن هذه الشبكات لا تعمل بمعزل عن ممرات إقليمية أوسع تنقل الوقود من الأسواق العالمية إلى أطراف النزاع.
سلسلة إمداد: الممر الشرقي
على امتداد أوسع من هذه المسارات الصحراوية، تبدأ هذه السلسلة من موانئ شرق أفريقيا، خصوصاً في كينيا، حيث تصل شحنات الوقود المستورد من الأسواق العالمية إلى مرافئ مثل ميناء مومباسا وذلك بحسب تقارير WB, Eastern Africa Transport) Corridors، 2022–2024)، حول ممرات النقل في شرق أفريقيا، قبل أن تدخل شبكة توزيع برية واسعة تمتد نحو الداخل.
ووفق بيانات (WB) حول ممرات النقل في شرق أفريقيا، يُعد ممر مومباسا–كمبالا أحد أهم ممرات نقل المشتقات النفطية في المنطقة، وهو ما تصنفه African Development Bank (ADB) ضمن الممرات الحيوية للطاقة، حيث تعتمد عليه دول حبيسة لتأمين احتياجاتها من الوقود.
في هذه المرحلة، يتحول الوقود من سلعة مستوردة إلى مورد إقليمي، حيث يُنقل عبر صهاريج إلى أوغندا، التي تعمل كمركز تخزين وإعادة توزيع بحكم موقعها الجغرافي وبنيتها اللوجستية. وتشير تقارير (ADB) إلى أن أوغندا، رغم امتلاكها احتياطيات نفطية، لا تزال تعتمد على استيراد المنتجات المكررة، ما يعزز دورها كعقدة عبور إقليمية ضمن شبكة توزيع الوقود.
من هناك، تتجه الشحنات شمالاً نحو جنوب السودان كما توثق تقارير United Nations Panel of Experts on South Sudan (UNPE، 2023–2025) عبر طرق برية نشطة تجارياً، أن هذه المسارات تُستخدم في نقل سلع استراتيجية، بما في ذلك الوقود، ضمن شبكات رسمية وغير رسمية على حد سواء.
ويشير مسؤول حكومي في دولة جنوب السودان إلى أن “الوقود المنقول عبر الأراضي الجنوبية لا يبقى دائماً داخل السوق المحلي، إذ تتحرك كميات منه شمالاً عبر شبكات تجارية وغير رسمية، مستفيدة من ضعف الرقابة في بعض المناطق الحدودية.
وعند هذه النقطة، تنفصل السلسلة تدريجياً عن الاقتصاد الرسمي، لتدخل في شبكات توزيع غير رسمية، وتشير معطيات أممية إلى أن جزءاً من هذه التدفقات يُعاد توجيهه من مدن مثل جوبا وواو نحو مناطق النزاع داخل السودان، خاصة في دارفور. حيث يُعاد تسعير الوقود وفق منطق المخاطر وتعدد الوسطاء، وليس وفق الأسعار العالمية أو المحلية الرسمية.
استهداف القوافل: حرب على الإمداد تحت غطاء العمليات العسكرية
إذا كانت اللوجستيات قد أصبحت جزءاً من بنية الحرب، فإن استهداف القوافل يكشف الطريقة التي يُدار بها هذا الصراع على الأرض.
تشير تقارير United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (UNOCHA، Humanitarian Updates 2026) وتقارير World Food Programme (WFP، Situation Reports 2026) إلى نمط متكرر من الهجمات على القوافل وطرق الإمداد اللوجستي في دارفور وكردفان والنيل الأبيض خلال عام 2026. ففي إحاطة لمجلس الأمن في فبراير 2026، تم توثيق هجوم على قافلة تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال كردفان. كما أفادت تقارير ميدانية بتاريخ 9 فبراير باستهداف شاحنات مساعدات عبر طائرات مسيّرة في المنطقة نفسها. وفي مارس 2026، قُتل ثلاثة من العاملين الإنسانيين خلال هجوم على قافلة كانت متجهة إلى كادوقلي والدلنج. ويشير تحليل الوصول الإنساني وفق بيانات ReliefWeb الصادر في 22 مارس إلى أن طرق الإمداد في جنوب وغرب كردفان تتعرض لهجمات متكررة تؤدي إلى تعطيل الحركة وإجبار القوافل على تغيير مساراتها باستمرار.
لكن ما يبرز في هذا النمط يتجاوز استهداف القوافل، إلى استهداف البنية التي تتحرك عبرها. فوفق إحاطة إنسانية صادرة من جنيف في أبريل 2026، تعمل المنظمات في بيئة غير مستقرة تتسم بخطوط قتال متحركة، حيث تصبح حركة القوافل نفسها عنصر خطر. كما أشار نداء إنساني مطلع 2026 إلى أن الهجمات لم تعد تقتصر على القوافل، وامتدت إلى الأسواق والمرافق الطبية، ما يعكس توسع نطاق الاستهداف ليشمل منظومة الإمداد المدنية ككل.
ما تكشفه هذه الوقائع يتجاوز الطابع العرضي للهجمات. وهذه المعطيات تشير إلى أن استهداف الإمداد أصبح نمطاً متكرراً يهدف إلى تعطيل تدفق الغذاء والدواء والوقود. وفي هذا السياق، يصبح التحكم في حركة الإمداد أداة ضغط لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض، حيث تُستخدم الندرة كوسيلة لإعادة تشكيل ميزان القوة.
انكماش الإمداد العسكري وإعادة تشكيل منطق القتال
لا يقتصر أثر هذا الضغط على القوافل المدنية، فقد امتد إلى الإمداد العسكري نفسه. ومع توسع الاضطراب في البحر الأحمر، كما تشير تقارير International Maritime Organization (IMO، 2025) وUNCTAD (Review of Maritime Transport 2024/2025) وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، دخلت الإمدادات العسكرية مرحلة ضغط مزدوج، ارتفاع الكلفة وتقلص المعروض، إلى جانب إعادة توجيه سلاسل التوريد نحو أسواق أكثر استقراراً نسبياً. وهذا الوضع انعكس مباشرة على طبيعة العمليات داخل السودان، حيث تراجعت القدرة على تنفيذ عمليات واسعة النطاق لصالح ضربات محدودة وسريعة تعتمد على كلفة لوجستية أقل.
تعمّق هذا الضغط مع انتقال القتال إلى مواقع الإنتاج، حيث أدت السيطرة على حقل هجليج في ديسمبر 2025 -بإنتاج يقارب 20 ألف برميل يومياً وكونه نقطة عبور رئيسية لنفط جنوب السودان- إلى توقف الإنتاج وخطوط النقل معاً. لكن أثر هذا التحول يتجاوز فقدان الخام، إذ مثّل انقطاعاً في أحد أهم مصادر التغذية الأولية لسلسلة الوقود، ما قيّد تدفقات التكرير والإمداد معاً.
ضمن هذا السياق، لا يؤدي تعطيل الإنتاج في هجليج إلى تقليص المعروض فحسب، بل يعمّق منطق اقتصاد الندرة عبر قطع إحدى حلقات الوصول إلى الموارد الأولية. فغياب الخام لا يُقاس فقط بحجمه، وإنما بتأثيره على كامل السلسلة اللوجستية، من التكرير إلى التوزيع. ومع تزامن هذا التعطيل مع فقدان القدرة على المعالجة في الجيلي، تتشكل بيئة ندرة مركبة، يصبح فيها الوصول إلى الوقود أكثر كلفة وتعقيداً من إنتاجه نفسه، وهو ما ينعكس مباشرة على وتيرة العمليات العسكرية وحدودها.
وفي هذا الإطار يصبح تعطيل هجليج مكمّلاً لتعطيل مصفاة الجيلي، حيث تتشكل صدمة مزدوجة تضرب طرفي السلسلة: الإنتاج من جهة، والمعالجة من جهة أخرى. وهذا الترابط يعمّق اختناق الإمداد العسكري، ويغير توازن وتيرة العمليات وفق قيود لوجستية صارمة، لا وفق القدرات القتالية المجردة.
في جانب آخر، ارتفعت أسعار بعض أنواع الذخيرة الخفيفة خلال الربع الأول من 2026 بنحو 100% إلى 150% مقارنة بمستويات 2024 وفق تقديرات Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI، Arms & Military Expenditure Trends 2025–2026)، مع تسجيل انقطاعات متكررة في سلاسل التوريد، خصوصاً عبر القنوات غير الرسمية.
هذا الارتفاع في الكلفة أعاد هندسة نمط القتال، بحيث أصبحت العمليات العسكرية أكثر تقطعاً وأقل استمرارية، وأقرب إلى إدارة استنزاف طويل بدلاً من مواجهات واسعة. ويتعزز هذا الضغط بعوامل خارجية تتجاوز حدود ساحة القتال.
وفي موازاة ذلك، فقد أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز إلى ارتفاع غير مباشر في كلفة الطاقة عالمياً، وهو ما انعكس على أسواق البحر الأحمر التي تعتمد عليها دول مثل السودان بشكل شبه كامل لاستيراد الوقود. وتشير بيانات تجارية منشورة إلى أن واردات السودان من الديزل تراجعت من نحو 993 مليون دولار في 2022 إلى حوالي 546 مليون دولار في 2024، ثم إلى قرابة 120 مليون دولار في 2025، أي بانخفاض يتجاوز 70% خلال ثلاث سنوات. ويعكس هذا التراجع تداخل عاملين، تدهور القدرة التمويلية، واضطراب سلاسل الإمداد المرتبطة بالتوترات الإقليمية وارتفاع كلفة الشحن والتأمين.
لا يعمل اضطراب مضيق هرمز كصدمة بعيدة عن السودان، بل كنقطة بداية لسلسلة تأثير تمتد عبر أسواق الطاقة العالمية حتى تصل إلى بورتسودان. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وفق تقديرات International Energy Agency، يشكّل عقدة حرجة في تسعير النفط ونقله. وعند اضطرابه، لا ترتفع الأسعار فحسب، بل تتغير أيضاً مسارات الشحن وتكاليف التأمين، حيث تعيد شركات النقل البحري توزيع أساطيلها نحو مسارات أقل خطراً، ما يخلق اختناقات في الإمداد على خطوط ثانوية مثل البحر الأحمر.
في هذه البيئة، تنتقل الصدمة من مستوى السعر إلى مستوى الوصول. فالسفن المتجهة إلى موانئ مثل بورتسودان لا تواجه فقط ارتفاع تكلفة الوقود، بل أيضاً زيادة في أقساط التأمين، وتأخيراً في الجداول، وتفضيلاً لشحنات أكبر وأكثر استقراراً نحو أسواق ذات مخاطر أقل. ووفق تقديرات United Nations Conference on Trade and Development وInternational Maritime Organization (2024–2025)، فإن اضطرابات الممرات الحيوية تؤدي إلى إعادة توجيه سلاسل الإمداد، بما يقلص حصة الموانئ الهشة من التدفقات المنتظمة.
بالنسبة للسودان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على بورتسودان كنقطة دخول رئيسية للوقود، فإن هذا التحول لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل تراجع انتظام الإمداد نفسه. وهنا تتحول بورتسودان من بوابة استيراد إلى نقطة اختناق لوجستي، حيث تتكدس الضغوط القادمة من السوق العالمية مع قيود الحرب الداخلية. وبهذا المعنى، لا يكون أثر هرمز صدمة سعرية منفصلة، بل إعادة تشكيل لشروط الوصول إلى الوقود، وهو ما يغذي مباشرة اقتصاد الندرة داخل السودان.
لكن أثر اضطراب هرمز لم يمثل صدمة مباشرة بقدر ما هو تضخيماً لاختلال قائم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. إذ أصبحت بورتسودان المنفذ البحري شبه الوحيد لاستيراد الوقود، مع دخول ما بين 10 إلى 20 ناقلة وقود في بعض أشهر الذروة خلال 2025–2026 وفق تقديرات قطاعية. هذا التمركز في نقطة دخول واحدة جعل الوقود سلعة شديدة الحساسية، تُدار خارج منطق السوق التقليدي، ضمن تقاطع بين سلطات الدولة، وشبكات توزيع موازية داخل مناطق النزاع، وشركات استيراد خاصة تعتمد على شحنات قصيرة الأجل تتأثر مباشرة بتقلبات السوق العالمية.
وبذلك، لم يكن أثر هرمز على السودان صدمة منفصلة، إنما عامل تضخيم لاقتصاد حرب قائم على الندرة. فقد ترافق مع ارتفاع كلفة الشحن والتأمين، وتراجع انتظام التوريد من مستويات تقارب 60 إلى 100 ألف طن شهرياً قبل الحرب إلى تدفقات غير مستقرة ومتقطعة. وفي هذا السياق، يتحول الوقود من سلعة طاقة إلى أداة نفوذ، ومن مدخل اقتصادي إلى مورد سياسي تتقاطع حوله الفاعليات العسكرية وشبكات التجارة العابرة للحدود. وفي ظل هذا التعقيد، لم يعد السؤال متعلقاً بتوفر الموارد بقدر ما أصبح متعلقاً بإمكانية الوصول إليها.
اقتصاد الندرة: من الذهب إلى الوقود في دورة تمويل مغلقة
في موازاة تصاعد أزمة الوقود والإمداد، لم يعد المال وحده كافياً لضمان الوصول إلى الموارد الأساسية داخل اقتصاد الحرب. ففي السنوات الأولى للنزاع، كان الذهب والتحويلات غير الرسمية يشكلان مصدراً رئيسياً للسيولة وتمويل الإمداد كما توضح بيانات World Gold Council (WGC، 2023–2025)، لكن مع تفاقم أزمة الطاقة، تراجعت القدرة على تحويل هذه السيولة إلى موارد تشغيلية فعلية، خصوصاً الوقود.
هذا التسلسل -تعطيل التكرير في مصفاة الجيلي ثم فقدان الإنتاج في هجليج- لا يمثل تراجع في المعروض فقط، ولكن يعكس انقطاعاً متزامناً في طرفي سلسلة القيمة النفطية. ونتيجة لذلك، تشكلت فجوة مزدوجة في سوق الوقود: تراجع في المعروض المحلي المكرر، وانقطاع في أحد أهم مصادر الخام ومساراته، ما دفع الاقتصاد الحربي نحو الاعتماد المتزايد على شبكات الإمداد غير الرسمية كبديل وظيفي، لا كخيار ثانوي.
تدريجياً ظهرت فجوة واضحة بين القيمة المالية والقدرة التشغيلية، حيث لم يعد امتلاك النقد أو الذهب كافياً لضمان الوصول إلى الوقود أو المعدات. ونتيجة لذلك، أصبح الاقتصاد الحربي يعتمد بشكل متزايد على الجغرافيا ومسارات الإمداد، أكثر من اعتماده على السيولة النقدية، فيما تحولت عملية التمويل إلى سلسلة طويلة من الوسطاء والتأخير.
هذا التحول انعكس بشكل مباشر على قطاع التعدين الأهلي، الذي كان أحد أهم مصادر تمويل الحرب. فبينما كان إنتاج الذهب قبل 2023 وفق تقديرات United Nations Environment Programme (UNEP، 2022–2024)، يُقدَّر بين 80 و100 طن سنوياً، شهدت مناطق الإنتاج تراجعاً كبيراً في القدرة التشغيلية مع تفاقم نقص الوقود، حيث انخفض الإنتاج بنسبة تُقدَّر بين 40% و60% في بعض المناطق خلال فترات ذروة أزمة 2026.
ورغم هذا التراجع، فقد أصبح الذهب جزءاً من معادلة الحرب، إذ يعتمد إنتاجه على الوقود لتشغيل المعدات، وعلى الطرق لنقل الإنتاج، وعلى الأسواق لتصريفه. وبهذا المعنى، أصبح الذهب نفسه محكوماً بمنظومة الندرة التي يمولها. وهذه التحولات تعمل على إعادة هندسة الاقتصاد كما تعيد تعريف طبيعة الحرب نفسها.
الإمداد كحد نهائي للحرب
ويشير ضابط سابق إلى أن استمرار أزمة الطاقة واضطراب الإمداد قد يدفع الحرب في السودان نحو ثلاثة مسارات محتملة: “إما استمرار حرب استنزاف منخفضة الكثافة تعتمد على عمليات محدودة، أو تراجع عملياتي يفرض تهدئة نسبية نتيجة العجز اللوجستي، أو تفكك تدريجي للصراع إلى مراكز قوة محلية تتحكم فيها شبكات التدفقات. في كل الحالات، يبقى الإمداد هو العامل الحاسم، وليس التفوق العسكري التقليدي.”
لا يمكن قراءة التحولات الجارية في السودان بوصفها امتداداً مباشراً للمعارك العسكرية التقليدية، ولكن كتغير تدريجي في نمط صراع تُعاد فيه هندسة القوة عبر التحكم في سلاسل الإمداد أكثر من السيطرة على الجغرافيا. فمن اضطراب أسواق الطاقة العالمية، إلى تذبذب تدفقات الوقود عبر الموانئ، وصولاً إلى الشبكات غير الرسمية العابرة للحدود، تتراكم طبقات متداخلة من الضغط تعيد تعريف ما تعنيه “القدرة على القتال” نفسها.
في هذا السياق، فقد أصبح الوقود عنصراً حاكماً في الاقتصاد الحربي، يحدد نطاق الحركة، وإيقاع العمليات، وحدود الاستمرارية. كما أن تداخل القنوات الرسمية وغير الرسمية للإمداد خلق اقتصاداً مزدوجاً، وهو نمط يتسق مع تحليلات United Nations Development Programme (UNDP، Governance in Fragile Settings Reports، 2023–2025) حول الحوكمة في البيئات الهشة تتقاطع فيه الدولة مع شبكات موازية تعمل وفق منطق المخاطرة والندرة، لا منطق السوق المستقر.
ومع تصاعد استهداف القوافل واتساع دائرة تعطيل الإمداد، يتضح أن مركز الثقل في الحرب يتحرك تدريجياً بعيداً عن خطوط الاشتباك المباشر نحو البنية التي تُغذي تلك الاشتباكات. لم تعد السيطرة تُقاس فقط بالمواقع، بل بقدرة الفاعلين على التحكم في تدفق الوقود والغذاء والسلع الحيوية.
في المحصلة، لا يقدم هذا المسار نهاية واضحة بقدر ما يكشف عن إعادة هندسة طويلة الأمد لطبيعة الحرب نفسها، حيث تصبح الندرة أداة إدارة للصراع، ويغدو الإمداد ساحة المواجهة الأكثر حساسية واستمرارية. وهكذا يتحول الوقود من سلعة إلى سلطة، ومن إمداد إلى حدٍّ نهائي للحرب.