
بقلم : حيدر المكاشفي
في الأنباء أن القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، جدّد يوم الاربعاء الماضي موقفه الرافض لأي تفاوض مع ما وصفها بـ (الميليشيا المتمردة) الدعم السريع، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية حتى تطهير كامل البلاد وفقاُ لحديثه. جاء ذلك خلال مخاطبته احتفال تكريم رئيس وأعضاء هيئة الأركان السابقين، وقال البرهان (لا تفاوض مع المتمردين ومن يساندهم)، مشدداً على أن القوات المسلحة مستمرة في تنفيذ ما وصفه بتطلعات الشعب السوداني لإنهاء الحرب..في كل مرة تلوح فيها بارقة أمل، عبر منبر أو مؤتمر أو مبادرة ، عن هدنة إنسانية ووقف الحرب وابتدار عملية سياسية، يخرج عبد الفتاح البرهان ليشطب الحروف كلها. لا تفاوض، لا تسوية، لا حتى استراحة لالتقاط أنفاس المدنيين. والرسالة أن الحرب مستمرة وكأنها قدر لا فكاك منه، فتبدو وكأنها خيار مقصود. وهذا التصريح الأخير ليس استثناءً، بل هو امتداد لخطاب متكرر يرفض أي تفاوض ويؤكد استمرار العمليات العسكرية.المفارقة الساخرة والقاتلة أن هذا الخطاب يأتي دائما في توقيت تبذل فيه جهود دولية وإقليمية لوقف الكارثة الإنسانية التي لم يعد بالإمكان تجميلها أو إنكارها. ملايين النازحين، اقتصاد منهار، بنية تحتية تُمحى، ومجتمع يتآكل من الداخل. ومع ذلك، يبدو أن القيادة العسكرية قررت أن الحل هو المزيد من الحرب. كأنما الخراب لم يبلغ الحد الكافي بعد..
في ذاكرة السياسة السودانية، لم يكن لقب (مستر نو) مجرد توصيف عابر، بل كان اختزالاً لموقف كامل من العملية السياسية، الرفض بوصفه استراتيجية، والتعطيل كبديل للفعل. أُطلق هذا اللقب من قبل على عبد الواحد محمد أحمد النور رئيس حركة تحرير السودان ولكن في سياق تاريخي مختلف، والمعروف أن عبد الواحد كان من أكثر قيادات العمل المسلح إثارة للجدل، منذ تأسيس حركتة 2002 م، حيث تبنى مواقف سياسية مصادمة وأحياناً مجافية للوقائع على الأرض، حتى أنه لم يسبق له أن انخرط فعلياً في مسارات للتسوية السياسية أو جلس إلى طاولة للتفاوض منذ توقيع اتفاقية (أبوجا عام 2006)، وعلى اختلاف الجولات التي جرت بعدها مع الحركات الدارفورية المسلحة، حتى بات يطلق عليه في كل المحافل المحلية والدولية لقب مستر (نو)، لكن لقب مستر (نو) يعود اليوم مع البرهان بثقل أكبر ودلالة أشد قتامة، حين يصبح الرفض لا مجرد موقف تفاوضي، بل سياسة دولة تُدار على أنقاض وطن ينزف. عبد الفتاح البرهان القائد العام ورئيس مجلس السيادة، يبدو وكأنه تبنّى هذا اللقب عن جدارة، لا لأنه يفاوض بشروط قاسية، بل لأنه يرفض أصلاً فكرة التفاوض كلما لاحت فرصة حقيقية لوقف الحرب أو تخفيف معاناة المدنيين. كلما اقتربت مبادرة إنسانية من شق طريقها، خرج بتصريح حاد، أو موقف متصلب يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، المفارقة أن هذا الرفض لا يقدم للشعب بوصفه عجزا، بل يُسوَّق كقوة. تُرفع شعارات السيادة والكرامة، بينما الواقع يشهد انهيار الدولة، وتمزق النسيج الاجتماعي، وانزلاق الملايين إلى هاوية الفقر والنزوح. أي سيادة هذه التي تُبنى على أنقاض المدن وأي كرامة تصان بينما المواطن يبحث عن مأوى أو لقمة أو دواء.. مستر (نو) في نسخته الجديدة لا يقول (لا) لمطالب مجحفة أو تسويات ناقصة، بل يقول (لا) حتى للمسارات الإنسانية، لوقف إطلاق النار، لفتح الممرات، لبدء حوار سياسي يُنهي هذا الكابوس. الرفض هنا لم يعد أداة تفاوض، بل صار عقيدة حكم، الأخطر من ذلك أن هذا النهج يخلق فراغا سياسيا وأخلاقيا. حين تغيب (نعم) تماما، لا يبقى في الأفق سوى صوت السلاح. وحين تغلق كل أبواب السياسة، تتسع أبواب الفوضى. وهنا لا يعود السؤال لماذا تستمر الحرب، بل من المستفيد من استمرارها. إن التاريخ لا يرحم قادة (اللا) حين تتحول مواقفهم إلى كوارث عامة. فالسياسة في جوهرها فن الممكن لا فن المستحيل. والقيادة تقاس بقدرتها على إيجاد المخارج، لا بتكديس المآزق. قد يظن البرهان أن قول (لا) يمنحه صلابة وهيبة، لكنه في واقع الأمر يرسخ صورة قائد عاجز عن التقاط لحظة التحول، أو غير راغب في ذلك. وفي الحالتين يدفع السودان الثمن. في زمن يحتاج فيه الوطن إلى (نعم) شجاعة، نعم للسلام، نعم للحياة، نعم لوقف النزيف، يعلو صوت (مستر نو) من جديد. لكن ليس في قاعة مفاوضات بل فوق ركام بلد يبحث عن فرصة أخيرة للنجاة. إن هذا الموقف يغلق الباب أمام أي حل سياسي شامل، ويبقي السودان رهينة منطق الحسم العسكري، وهو منطق أثبت فشله في تجارب لا تحصى، من أفغانستان إلى اليمن إلى ليبيا. الحروب الأهلية لا تحسم بسهولة، وغالبا ما تنتهي بعد سنوات من الدم إلى ما كان يمكن الوصول إليه عبر التفاوض في وقت أبكر. والسؤال الذي يفرض نفسه ما البديل وإذا كان التفاوض مرفوضا، فما الخطة، هل هناك تصور واضح لنهاية الحرب، أم أن استمرارها بحد ذاته أصبح هدفاً، لأن الحقيقة التي لا يمكن للبرهان قولها صراحةً هي أن الحرب في بعض الأحيان تتحول إلى (نظام قائم بذاته)، يستفيد منه من يستفيد، ويدار بمنطق مختلف عن منطق الدولة. أما البديل الحقيقي فليس لغزا. هو ببساطة وقف إطلاق نار شامل، ولو مؤقت، يفتح الباب لممرات إنسانية آمنة، ثم عملية سياسية جادة برعاية إقليمية ودولية، مع ضمانات حقيقية للتنفيذ. نعم هذا الطريق معقد ومليء بالتنازلات، لكنه أقل كلفة بكثير من طريق (التطهير الكامل) الذي قد لا ينتهي إلا على أنقاض الوطن. أما الاستمرار في رفع شعار (لا تفاوض)، فهو أقرب إلى إعلان عجز مغلف بلغة الحسم. لأن القائد الذي لا يملك إلا خيار الحرب، لا يقود نحو النصر بل نحو إطالة المأساة. في النهاية يبدو أن المشكلة ليست في غياب الحلول بل في غياب الإرادة للبحث عن الحلول. وبينما في كل مرة ينتظر السودانيون نهاية لهذا الكابوس يأتيهم الرد فاجعاً (لا تفاوض(. وكأن المطلوب منهم أن يعتادوا على الحرب ويتعايشوا معها وليس أمامهم إلا أن يتابعوا هذا العرض المفتوح، دولة تتآكل وقيادة تصر على أن الحل الوحيد هو المزيد من التآكل.