أستخدم الملك تشارلز “القوة الناعمة والسرية” للعائلة المالكة في واشنطن

◼️ هبط الملك تشارلز على واشنطن وهو مثقل بالهموم والجراح الشخصية والعائلية قبل هم بلاده وأوروبا.

◼️ دعمت الكنيسة الإنجليزية بابا الفاتيكان في موقفه المناهض لحرب إيران.

◼️ استغربت وسائل الإعلام في أمريكا وبريطانيا من الصداقة المفاجئة التي نشأت بين الأرستقراطي الإنجليزي الخجول وسمسار العقارات النيويوركي الجامح.

◼️ ملك بريطانيا لا يرغب في منح ترامب شرعية أخلاقية موازية للبابا.

◼️ أغلب زعماء العالم، بما في ذلك ترامب، يشعرون بالفخر والزهو لاعتبارهم نظراء لملك بريطانيا.

◼️ تساءلت الصحافة البريطانية عند تنصيب تشارلز ملكًا عن علاقته بالماسونية.

◼️ عُرف عن العائلة المالكة في بريطانيا ارتباطها التاريخي بالمنظمات والجمعيات السرية صاحبة النفوذ القوي في العالم.

◼️ وصف ترامب تشارلز بأنه “أعظم ملك”، وقال إن محبته له قد تحسن علاقته السيئة برئيس الوزراء ستارمر.

◼️ في خضم أسوأ انقسام حزبي في تاريخ أمريكا استطاع الملك توحيد الكونغرس.

‫=======‬

بقلم : علاء الدين بشير

◼️ اقترب الأخ والصديق العزيز، قصي مجدي سليم، في مقاله الموسوم: (ما وراء البروتوكول: تشارلز في واشنطن.. طقوس الإمبراطورية وتكريس “الشرعية البديلة” في وجه روما) من الزيارة الملكية البريطانية إلى أمريكا بزاوية نظر مبتكرة جداً، وربما غير مسبوقة في أي مقاربة تحليلية بحثت خلفيات ونتائج الزيارة. ومع ذلك، فإنني أرى أن مقاربته جمحت في الخيال كثيراً، والسبب في تقديري لهذا الجموح أنها لم تستصحب معها وقائع تاريخية مهمة وأخرى معاصرة جرت ما بين ضفتي الأطلسي.

◼️ أول ما تجب الإشارة إليه أن الكنيسة الإنجليزية التي يرأسها الملك تشارلز الثالث لا تمثل المظلة الروحية الرسمية “للإمبراطورية الأمريكية” كما تذهب عبارة الأخ قصي، ولا حتى هي مظلة الرئيس ترامب أو نائبه المحافظ جداً، جي دي فانس. لم تعتنق الدولة الأمريكية مذهباً معيناً في المسيحية، وإن كان للمسيحية حضور طاغٍ في الحياة السياسية هناك، رغم الضبط الدستوري الصارم الذي نأى بالدولة عن الانحياز إلى دين أو مذهب بعينه. لكن ظلت الانتماءات الدينية والمذهبية الشخصية للرؤساء والمسؤولين الأمريكيين تسم الحياة السياسية الأمريكية بسماتها. وظلت البروتستانتية وكنيستها اللوثرية هي المذهب الطاغي على الحياة الدينية في أمريكا.

الرئيس ترامب كان ينتمي إلى الكنيسة المشيخية (المذهب المشيخي يتبع الطائفة البروتستانتية) قبل أن يعلن في العام 2020 أنه تركها، ولم يُعرف عنه انتماء بعدها، بينما ينتمي نائبه فانس إلى الكنيسة الكاثوليكية.

◼️ تاريخياً، كانت الملكية في إنجلترا من أقوى المعارضين لحركة الإصلاح الديني التي قامت كرد فعل على النفوذ الطاغي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية على أوروبا وما رافقه من استبداد، والتي قادها الإصلاحي الألماني مارتن لوثر في القرن الخامس عشر. وحتى بعد أن قام الملك البريطاني هنري الثامن بفصل الكنيسة الإنجليزية عن روما لأسباب ذاتية في القرن السادس عشر، وتنصيب نفسه حاكماً عليها – وهو التقليد الذي ظل متبعاً حتى اليوم – وقيادته شخصياً تغييرات فكرية أساسية، فإن ذلك لم يجعله يتقارب مفاهيمياً مع حركة الإصلاح الديني وأتباع مارتن لوثر أو جان كالفن، لا هو ولا سلفه من الملوك، حتى بعد أن صارت الملكية في بريطانيا بلا سلطات تنفيذية. بينما وجد أتباع حركة الإصلاح الديني في أمريكا أرضاً بكرًا وخصبة لنشر مذهبهم هناك وطبع الحياة الدينية بطابعهم الدعوي الجديد.

◼️ منذ سنوات، انتهج الملك تشارلز الثالث، ضمن نشاطه في تجسير الهوة بين الأديان، خطاً تصالحياً تجاه روما، وتوّج مساعيه تلك بزيارة إلى الفاتيكان في أكتوبر من العام الماضي، في خطوة وصفها المراقبون بالتاريخية، حيث أنهت أكثر من خمسة قرون من القطيعة بين الكنيستين الكاثوليكية والإنجليزية. وقام خلال تلك الزيارة بأداء صلاة مشتركة مع البابا ليو الرابع في كنيسة سيستينا العريقة داخل الفاتيكان، وتحت سقفها المزين برسومات فنان عصر النهضة مايكل أنجلو.

وقد جرت تلك الزيارة التاريخية إنابةً عن الحكومة البريطانية، وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية في ذلك الوقت: “الكنيسة الكاثوليكية هي أكبر طائفة في أكبر ديانة في العالم”، وأضافت أن زيارة الملك والملكة “ستعزز علاقة المملكة المتحدة مع هذا الشريك المهم والمؤثر”. هذا الإقرار ينفي أي تطلع للكنيسة الإنجليزية لتكريس شرعية روحية جديدة للعالم المسيحي، ويؤكد معرفتها قدر نفسها، إذ لا يتجاوز عدد أتباعها الموزعين على 65 دولة في العالم 86 مليوناً، بحسب تقرير وكالة (رويترز) الذي غطى ترسيم سارة مولالي، كبيرة أساقفة كانتربري، في يناير الماضي كأول امرأة تتولى هذا المنصب الديني الرفيع.

◼️ دعمت الكنيسة الإنجليزية بوضوح، لا مواربة فيه، بابا الفاتيكان في موقفه المناهض دينياً للحرب ضد إيران وفي هجوم ترامب عليه. وتمثل ذلك في مواقف وتصريحات كبيرة أساقفة كانتربري الحالية، سارة مولالي، ورئيس الأساقفة السابق روان ويليامز. والملك تشارلز نفسه ليس بدعاً في ذلك؛ فرغم أن مناهضته للحرب لم تأخذ الطابع الديني، فإنه صاغ موقفه بلباقة في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي خلال الزيارة، حين أشار إلى أنها تتسبب في أذى الشعوب، وأيضاً حين تحدث عن القيود الدستورية الصارمة التي تضبط جموح السلطة التنفيذية، في موقف فُهم على نطاق واسع بأنه تحفيز للكونغرس لتفعيل سلطاته الرقابية لكبح سلطات الرئيس وتقييد صلاحياته، خاصة في إعلان الحرب.

◼️ اتفق مع قصي أن ترامب يبحث حثيثاً عن شرعية أخلاقية لاهوتية يدثر بها نزعاته المادية الاستبدادية، وقد تغذى عقله بتصوير حلفائه من القوميين المسيحيين له بأنه رئيس مختار من الله لتنفيذ إرادته. غير أن ترامب، الممتلئ بإنجيله الذاتي، أبدى اتجاهاً واضحاً لمنازعة بابا الفاتيكان في سلطته الروحية. وقد حذرت هيئة تحرير “فاينانشيال تايمز” من أن هذه المنازعة ستكلفه ثمناً غالياً، لكنه لم يبدِ اكتراثاً.

◼️ ومع التأكيد على نزاع ترامب والبابا حول الشرعية، فإنني أختلف مع استنتاج قصي بأن الملك البريطاني قادر على منح هذه الشرعية؛ إذ إن تشارلز لا يملك الكاريزما الروحية التي يتمتع بها بابا الفاتيكان، كما أن منصبه وراثي وليس نتيجة تكريس ديني.

◼️ خفّض قصي من دافع تحسين العلاقات بين واشنطن ولندن، لكن الوقائع تشير إلى أن هذا كان الهدف الرئيسي للزيارة، خاصة في ظل تدهور العلاقات خلال السنوات الأخيرة.

◼️ جاء الملك تشارلز إلى واشنطن مثقلاً بتحديات شخصية وسياسية، في وقت تواجه فيه بريطانيا وأوروبا تحديات كبرى، من بينها التوتر مع روسيا وتراجع الدعم الأمريكي.

◼️ ورغم حساسية الزيارة، نجح الملك في إدارتها بمهارة، مستفيداً من رمزية التاج البريطاني وما يحمله من قوة ناعمة وتأثير معنوي كبير، وهو ما انعكس في تجاوب ترامب وخطابه الإيجابي تجاهه.

◼️ في المحصلة، لم يأتِ تشارلز إلى واشنطن بصفته رئيساً للكنيسة الإنجليزية فحسب، بل ممثلاً لإرث ملكي طويل، استخدم فيه أدوات القوة الناعمة للعائلة المالكة، وهو ما أسهم في تليين مواقف الإدارة الأمريكية، ولو جزئياً.

علاء الدين بشير – الشارقة

Exit mobile version