مجزرة ” آل كيكل” من الفاعل؟ ” الكاهلي زيدان” تدفن قتلاها وتفتح قمم الاسئلة

أفق جديد

تحوّل المنزل الذي كان بالأمس مأوىً عادياً، سقفه من القش وجدرانه من الطين، إلى نقطةٍ معتمة في جسد القرية، كأنما انغرست فيها شوكة لا تُرى ولكن يُحَسُّ وجعها في كل بيت. لم يعد مجرد منزل؛ صار علامةً على اختلال الميزان، ومركزاً لصوتٍ خافت يتضخم في صدور الناس ولا يجد طريقه إلى العلن.

هناك، عند ذلك الباب الذي لم يكن يُغلق يوماً، صارت الحراسة مشددة، والوجوه غريبة، والنظرات حادة كالسكاكين. سيارات الدفع الرباعي تأتي وتغادر، تثير الغبار وتترك خلفها صمتاً أثقل من الغبار نفسه، كل حركة فيها تحمل معنى، وكل صمتٍ فيها يُخفي ما هو أخطر من الكلام.

الكبار في القرية يشيحون بوجوههم، لا لأنهم لا يرون، بل لأن الرؤية نفسها أصبحت عبئاً، يعرفون أن تلك الحركة غير الطبيعية ليست عابرة، وأن شيئاً ما سيحدث في العتمة، الخوف صار سيد المجالس، والصمت صار لغة النجاة الوحيدة، أما الصبية الذين أُغروا بالمال والسلطة، فقد تبدلت ملامحهم سريعاً؛ لم يعودوا أولئك الذين يركضون حفاة خلف قطعان الإبل، بل صاروا ظلاً ثقيلاً يحمل السلاح، يتكلم بلغة القوة وحدها، ويعيد رسم حدود الهيبة والخوف في كل أرجاء المكان

في “الكاهلي زيدان”، لم يتغير شيء… هكذا يبدو من بعيد، الشمس تشرق كما هي، والأذان يُرفع في مواعيده، والأطفال يضحكون في الطرقات. لكن تحت هذا الإيقاع المألوف، كان شيءٌ آخر يتكوّن ببطء، شيء يشبه العاصفة حين تبدأ همساً قبل أن تصير هديراً لا يُحتمل.

اختلفت الروايات حول تسمية القرية بـ”الكاهلي زيدان”، كما تختلف الحكايات حين تُروى على ضوء السمر أو في ظلال الخوف. فثمة من يرد الاسم إلى راعٍ غريب استقر في تخومها، عاش بين أهلها حتى صار منهم، ثم واروه التراب في أرضها فحملت اسمه كنوع من الوفاء الصامت. وآخرون يقولون إن التسمية تعود إلى رجلٍ كان صديقاً لجد كيكيل، أحد المؤسسين الأوائل، فالتصق الاسم بالمكان كما تلتصق الذاكرة بالتفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد. لكن، غضّ النظر عن أصل الحكاية، فإن القرية التي ظلت لسنوات بعيدة عن ضجيج العالم، خرجت فجأة من هامش الجغرافيا إلى صدارة المشهد، لأنها أنجبت وترعرع فيها أبو عاقلة كيكل؛ الرجل الذي كُتب على يديه أن تنقلب سكينة المكان إلى توترٍ دائم، وأن تتحول تلك البقعة الوادعة من إيقاعها البطيء إلى قلب حدثٍ متسارع لا يشبهها. لم تعد “الكاهلي زيدان” مجرد قريةٍ تُذكر في سياق الحنين أو البساطة، بل صارت اسماً يُتداول في نشرات الأخبار، محمّلاً بثقل الأسئلة وقلق المصير.

يوم دام

الوضع في القرية بلغ حدّاً لا يُحتمل من التوتر؛ كل الوجوه مألوفة، وكل الأسماء معروفة، لكن الشك تسلل إلى القلوب حتى صار كأنه فردٌ جديد في كل بيت. لم يعد الناس يسلّمون كما كانوا، ولا يطمئنون كما اعتادوا، بل صارت النظرات مُحمّلة بأسئلةٍ لا تُقال، وترقّبٍ يثقل الهواء نفسه. في تلك الأجواء المشدودة، تتكاثر الحكايات، وتتشعب الروايات، ويغدو كل همسٍ قابلاً لأن يتحول إلى يقينٍ مؤلم.

يقول أحد أبناء القرية—وقد آثر أن يبقى اسمه بعيداً عن الضوء—إن عزام كيكل كان دائماً يحيط تحركاته بهالةٍ من الغموض؛ لا أحد يعرف على وجه الدقة متى يأتي ولا من أين، ولا إلى أين يمضي بعد أن يختفي. على خلاف شقيقه ابوعاقلة   الذي كان كان حضوره أقل انتظاماً، فعزام لايغيب عن القرية كثيرا.

ويضيف مساء السبت لم يكن مختلفاً في ظاهره عن غيره. وصل  عزام بحسب معلوماتي إلى “الكاهلي زيدان” قرابة الرابعة عصراً، وكان برفقته شقيقه حيدر، وعدد من رجال القرية، جلسوا في الديوان، حديثٌ عادي، ضحكات متقطعة، وأخبارٌ تتداول كما في أي يومٍ آخر، ويضيف لم اكن حاضرا لتلك الجلسة فانا قليل الاختلاط بهم  استمروا حتى العاشرة مساءً، لم يكن في المشهد ما يوحي بأن الليل يخبئ شيئاً.

ثم تفرّق الجمع، وعادت السكينة لتبسط جناحها على المكان… سكونٌ قصير، كأنه استراحة ما قبل العاصفة

لم يمضِ وقتٌ طويل حتى انشقّ الليل على أصوات انفجاراتٍ عنيفة، لم تترك للدهشة متسعاً لتكتمل. لم يسمع أحد أزيز طائرةٍ مسيّرة، ولا مقدماتٍ تنذر بما سيأتي؛ فقط دويٌّ متلاحق يهزّ الأرض ويخلخل القلوب. يقول الرجل إن الصواريخ سقطت كأنها تعرف طريقها جيداً، كأن من أطلقها يملك خريطةً دقيقة لكل زاوية في المنزل. لم تُترك بقعةٌ إلا وطالها القصف؛ حوش الديوان، وحوش الحريم، الغرف، الممرات… كأن الهدف لم يكن إصابة موقع، بل محو المكان بكل ما فيه.

في لحظات، تحوّل البيت إلى ركام، وتحولت الجلسة التي كانت عامرة قبل قليل إلى ذكرى مبتورة. يقدّر الرجل عدد القتلى بنحو اثني عشر فرداً من العائلة، سقطوا جميعاً تحت ذلك القصف الكثيف. ويضيف، بصوتٍ يختلط فيه اليقين بالمرارة، أن العنف الذي طُبّق في الضربة يوحي بأن المقصود لم يكن مجرد إصابة هدف، بل ضمان ألا ينجو أحد. ويرجّح أن المستهدف الحقيقي لم يكن عزام، بل أبو عاقلة كيكل؛ فطريقة التنفيذ، وكثافة النيران، تشي بعملية تصفية محسوبة، لا تترك للصدفة موطئ قدم.

وهكذا، في ليلةٍ واحدة، انقلبت القرية من حكايةٍ تُروى عن البساطة والسكينة، إلى مأتمٍ مفتوح، تُحصي فيه الأسماء كما تُحصى الخسارات، وتبقى الأسئلة معلّقة في الهواء: من أطلق؟ ولماذا؟ وكيف صار بيتٌ واحد هدفاً لكل هذا الخراب؟.

من الفاعل:

في تلك الليلة التي لم تكتمل، حين كان السكون لا يزال يمدّ خيوطه فوق القرية، كان الهدف—كما يبدو الآن—أكبر من بيت، وأثقل من حكايةٍ عابرة. نجا أبو عاقلة كيكل من الهجوم، كأن القدر أرجأ مواجهته مرةً أخرى، لكن النجاة لم تكن خلاصاً كاملاً؛ فقد تركت وراءها فجوةً دامية في قلب العائلة. سقط شقيقه عزام، ومعه عشرة من أفراد الأسرة، بينهم أطفالٌ لم يعرفوا من الدنيا سوى بداياتها، وامرأتان كانتا تمسكان بطرف الحياة في بيتٍ لم يعد قائماً.

لم تُعلن جهةٌ مسؤوليتها، لكن أصابع الاتهام تتجه في أكثر من اتجاه، كأن الحرب نفسها صارت بلا وجهٍ واحد. ثمة من يرى في الهجوم امتداداً لخصومةٍ قديمة مع «قوات الدعم السريع»، التي انشق عنها كيكل، وثمة من يهمس باحتمالاتٍ أخرى، أكثر تعقيداً، تنبع من داخل المشهد نفسه، حيث تختلط الولاءات وتتشابك المصالح حتى يغدو العدو غامضاً كالدخان.

عزام، الذي كان يُنظر إليه بوصفه الرجل الثاني في «قوات درع السودان»، لم يكن مجرد اسمٍ في قائمة القتلى، بل كان ركناً في بنيةٍ عسكريةٍ تتشكل وسط هذا الركام. رحل ومعه زوجته وأبناؤه الأربعة، بينهم رضيعٌ لم يكد يفتح عينيه على العالم، كما لحقت به زوجة شقيقه أبو عبيدة وأطفالها، واثنان من أبناء أشقائه. أسماءٌ كثيرة، لكن المصير واحد: أن تتحول الحياة إلى رقمٍ في بيانٍ ناقص، أو خبرٍ عاجل لا يتسع لكل الحكاية.

من بلدة تمبول المجاورة، قال شهود إنهم رأوا أجساماً طائرة تعبر السماء قبل دقائق من الانفجار، كأنها ومضاتٌ سريعة لا تترك أثراً سوى ما يحدث بعدها. وفي مقاطع الفيديو التي انتشرت، بدا المنزل كأنه تعرّض لقصفٍ لا يهدف إلى إصابة، بل إلى محوٍ كامل، إلى إعادة تشكيل المكان من جديد… ولكن كركام.

يرجّح كثيرون أن الهدف الحقيقي كان أبو عاقلة نفسه، الرجل الذي نجا من محاولاتٍ سابقة، آخرها في شمال كردفان، حين استهدفت مسيّرة موكبه وخرج منها بجراحٍ طفيفة. منذ انشقاقه في أكتوبر 2024، لم تتوقف تلك المحاولات، وكأن خروجه من صفٍ إلى آخر جعله هدفاً مفتوحاً في حربٍ لا تنسى خصومها.

وفي بيانٍ تحدث «مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان» عن اثني عشر قتيلاً، وأكثر من عشرة جرحى، مستنكراً استهداف المدنيين، وداعياً إلى تحقيقٍ يكشف ما جرى. لكن في بلدٍ مثقلٍ بالحرب، تبدو الحقيقة نفسها هدفاً يصعب الوصول إليه.

ولم تكن “الكاهلي زيدان” وحدها في تلك الليلة. في الفاو، شوهدت المسيّرات تحلّق، وفي أم درمان سُمعت الانفجارات تتردد في الفجر كأنها صدى بعيد لما حدث هنا. قال البعض إن المضادات الأرضية أسقطت عدداً منها، وقال آخرون إن الحرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.

 

هكذا، تتسع الدائرة. من بيتٍ في قريةٍ صغيرة، إلى سماء مدنٍ بعيدة، يتكرر المشهد ذاته: ضوءٌ خاطف، صوتٌ ممزق، ثم صمتٌ ثقيل يخلّف وراءه الأسئلة… ويترك الناس يحدقون في السماء، لا بحثاً عن نجوم، بل خوفاً مما قد يأتي منها.

سيناريوهات متوقعة:

في هذا المشهد الذي تتداخل فيه الخيوط حتى يكاد يصعب فكّها، لا تبدو الواقعة مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل لحظة كاشفة لعمق التصدعات التي لم تعد خافية على أحد. فالحرب هنا لم تعد تُخاض فقط في خطوط التماس، بل تسللت إلى الدوائر الأضيق، إلى البيوت، إلى العلاقات، إلى المساحات التي كان يُفترض أن تبقى خارج الحسابات.

ما حدث في “الكاهلي زيدان” لا يشي فقط بقدرة على الاستهداف، بل بقدرة على المعرفة… معرفة دقيقة بتفاصيل لا تتوفر عادة إلا لمن هم أقرب مما نتصور. فالمسيّرة، أيًّا كان مصدرها، لم تكن وحدها الأداة الحاسمة؛ الأهم كان ما سبقها: المعلومة، التوقيت، اليقين بأن الهدف في مكانه، وأن الضربة ستصيب حيث يجب أن تصيب.

وهنا، يتسع الشك ليبتلع كل الاحتمالات. ليس لأن كل الأطراف متساوية، بل لأن ساحة الصراع نفسها لم تعد نقية بما يكفي لتبرئة أحد بسهولة. في بيئة كهذه، يصبح الحليف احتمالاً، والخصم احتمالاً، والطرف الثالث احتمالاً أكثر دهاءً من الجميع. كل سيناريو يحمل جزءاً من الحقيقة، وربما جزءاً من التضليل أيضاً.

أبو عاقلة كيكل لم يعد مجرد قائد ميداني في معادلة عسكرية، بل أصبح نقطة تقاطع لمصالح متعارضة، وضغطٍ متزايد من أكثر من اتجاه. استهدافه – أو استهداف دائرته الأقرب – لا يمكن فصله عن هذا السياق؛ فهو ليس فقط خصماً سابقاً، ولا حليفاً طارئاً، بل لاعباً أصبح وجوده نفسه عاملاً مقلقاً في توازن هش.

ومع تصاعد التوتر بين مكونات المعسكر الواحد، وتآكل الثقة إلى حدها الأدنى، لم يعد مستبعداً أن تتحول الرسائل إلى أفعال، ولا الأفعال إلى ضربات بهذا العنف. حين تصل العلاقات إلى مرحلة “الترقب المسلح”، لا تحتاج الشرارة إلى كثيرٍ من الوقود.

في لحظةٍ كهذه، حيث تتقاطع الدماء مع الأسئلة، لا يبدو الجواب بسيطاً بقدر ما يبدو مُغرياً. من استهدف كيكل؟

الإجابة السهلة جاهزة، تتقدم بسرعة وتعرض نفسها كحقيقة مكتملة، لكن هذا النوع من الإجابات غالباً ما يكون أقرب إلى الراحة منه إلى الدقة.

فالضربة، كما تكشّف من سياقها، لم تكن فعلاً عشوائياً، ولا مجرد ردّ فعلٍ غاضب. كانت عمليةً مشغولة على مهل: معرفةٌ دقيقة، توقيت محسوب، وقدرة على الوصول إلى هدفٍ في لحظةٍ محددة. وهذا وحده كافٍ لنقل السؤال من “من يملك المسيّرة؟” إلى “من يملك المفاتيح الخفية للمشهد؟”.

أبو عاقلة كيكل لم يكن هدفاً سهلاً، ولا اسماً هامشياً يمكن ضربه دون حساب. استهداف دائرته العائلية، بهذا الشكل الكاسح، يوحي بأن الرسالة لم تكن ميدانية فقط، بل نفسية وسياسية في آنٍ واحد؛ رسالة تقول إن الوصول ممكن، وإن الحماية مهما بدت متماسكة فهي قابلة للاختراق.

السيناريو الذي يضع «الدعم السريع» في الواجهة يظل قائماً، لكنه—كما يبدو—يفتقر إلى قطعةٍ أساسية في هذا اللغز: من قدّم المعلومة؟ لأن الضربة من هذا النوع لا تُبنى على الرصد العام، بل على اختراقٍ دقيق، على عينٍ كانت ترى من الداخل أو قريباً منه.

وفي الجهة الأخرى، لا تبدو فرضية الصراع الداخلي أقل ثقلاً. فالمشهد في معسكر بورتسودان لم يعد متماسكاً كما يُقدَّم، والاصطفافات التي تبدو صلبة من الخارج، تخفي تحتها توتراتٍ حقيقية. في بيئةٍ كهذه، قد تتحول الضربة إلى أداة ضبط، أو رسالة ردع، أو حتى محاولة لإعادة ترتيب موازين القوة قبل أن تنفلت بالكامل.

أما السيناريو الثالث—ذلك الذي يعمل في الظل—فهو الأكثر إرباكاً: طرفٌ ثالث لا يعنيه من قُتل بقدر ما يعنيه ما سيحدث بعد القتل. هنا، تصبح الضربة وسيلة لإعادة توجيه الغضب، لإشعال جبهةٍ جديدة، أو لتعميق شقوقٍ موجودة أصلاً حتى تتحول إلى كسورٍ مفتوحة.

لذلك، حين يُطرح السؤال: من استهدف كيكل؟

ربما يكون الأدق أن يُقال: من كان يحتاج لهذه الضربة… الآن؟

لأن في الحروب المعقّدة، الفاعل لا يُعرَف دائماً من خلال السلاح الذي استخدمه، بل من خلال الأثر الذي تركه

والأثر هنا واضح: توترٌ يتصاعد، ثقةٌ تتآكل، ودوائرُ شكٍّ تتسع حتى تكاد تبتلع الجميع.

هكذا، لا ينتهي السؤال عند اسم جهة، بل يبدأ من بنية مشهدٍ كامل، حيث لم يعد أحد خارج دائرة الاتهام، ولم يعد أحد بمنأى عن أن يكون الهدف القادم… حين يحلّ الظلام من جديد.

الضربة من اين؟

في محاولةٍ لفهم ما جرى خارج ضجيج الروايات المتعجلة، استنطقت «أفق جديد» خبيراً عسكرياً فضّل حجب اسمه، فجاء حديثه أقرب إلى تفكيكٍ بارد لحدثٍ ساخن، منه إلى تبنّي روايةٍ بعينها. يقول الرجل إن ما حدث في “الكاهلي زيدان” لا يمكن قراءته فقط بوصفه ضربةً بطائرة مسيّرة، بل كعمليةٍ مركّبة تبدأ من المعلومة قبل أن تنتهي عند الانفجار.

يشرح الخبير أن الجغرافيا تلعب دوراً حاسماً في ترجيح السيناريوهات. فالقرية، بحكم موقعها في شرق الجزيرة واتصالها بمسارات ترابية مفتوحة نحو رفاعة وود مدني والفاو، ليست معزولة كما قد يبدو، بل تقع ضمن نطاق يمكن الوصول إليه بوسائط خفيفة دون لفت الانتباه. “هذا النوع من البيئات”، يقول، “يُسهّل عمل المنصات المتحركة أكثر مما يخدم العمليات بعيدة المدى”.

وعند سؤاله عن فرضية أن تكون الضربة قد انطلقت من عمق بعيد—كشمال كردفان أو النيل الأزرق—يقرّ بإمكانية ذلك من الناحية التقنية، لكنه يضعها في مرتبةٍ أقل ترجيحاً. “المسيّرات بعيدة المدى موجودة، نعم، لكنها تعتمد غالباً على إحداثيات ثابتة، وتُستخدم ضد أهداف أكبر أو أوضح. ضرب منزل محدد في توقيتٍ دقيق يتطلب مستوىً أعلى من التحديث اللحظي للمعلومة، وهذا يفتح باباً آخر”.

ذلك “الباب الآخر”، بحسب الخبير، هو فرضية الإطلاق القريب. يوضح أن المسيّرات التكتيكية قصيرة المدى—سواء من نوع FPV أو المعدّلة لإسقاط مقذوفات—أكثر استخداماً في هذا النوع من العمليات، لأنها تعتمد على رؤية مباشرة وتوجيه حي، ما يمنحها دقةً أعلى في إصابة أهداف صغيرة. “نحن نتحدث عن مدى قد لا يتجاوز 10 إلى 15 كيلومتراً”، يضيف، “وهذا يعني أن المنفذ كان قريباً… قريباً بما يكفي ليرى”.

لكن القرب، في تقديره، لا يعني شيئاً دون الإجابة على السؤال الأهم: من قدّم المعلومة؟

“الضربة، بهذا الشكل، تفترض وجود اختراق”، يقولها بوضوح. “سواء كان الاختراق بشرياً أو تقنياً، لكنه موجود. لأن تحديد لحظة اجتماع أفراد الأسرة داخل المنزل ليس أمراً يمكن رصده بالصدفة أو عبر مسيّرة تحلّق عشوائياً”.

وعند الانتقال إلى مسألة الجهة المنفذة، يتحفّظ الخبير عن الجزم، لكنه يرسم ثلاث دوائر محتملة. الأولى، هي «قوات الدعم السريع»، بدافع الانتقام أو إرسال رسالة بعد انشقاق أبو عاقلة كيكل. “الدافع موجود”، يقول، “لكن التنفيذ يتطلب تفسيراً لكيفية الحصول على المعلومة الدقيقة، وهذا يظل فجوة في هذه الرواية إن لم تُملأ”.

الدائرة الثانية، وهي الأكثر حساسية، تتعلق بصراعٍ داخلي داخل المعسكر الحليف للجيش. يوضح أن كيكل “أصبح رقماً صعباً في معادلة الوسط”، وأن تنامي نفوذه قد يثير قلق أطراف أخرى. “في هذه الحالة، الضربة لا تكون عسكرية فقط، بل رسالة سياسية قاسية… إعادة ضبط بالقوة”.

أما الدائرة الثالثة، فهي ما يسميه “الفاعل الخفي”—طرف ثالث يسعى لإعادة تشكيل مسارات الصراع عبر ضرباتٍ غامضة. “في الحروب المعقدة، أحياناً لا يكون الهدف من الضربة هو القتل فقط، بل توجيه الاتهام”، يقول، مضيفاً أن المستفيد من النتيجة قد يكون مفتاح الفهم، لا المنفذ الظاهر.

ويخلص الخبير إلى أن السيناريو الأرجح، وفق المعطيات المتاحة، هو “عملية نُفذت من مسافة قريبة باستخدام مسيّرة تكتيكية، استندت إلى معلومة دقيقة من داخل أو محيط الهدف”. لكنه يستدرك سريعاً: “هذا ترجيح، لا حكم نهائي. لأن الصورة لا تزال ناقصة، وما لم تتوفر بيانات تقنية—بقايا المقذوف، مسار الطيران، نوع المنظومة—سيظل الباب مفتوحاً لكل الاحتمالات”.

ثم يصمت قليلاً، قبل أن يضيف بجملةٍ تختصر كل شيء:

“في هذه الحرب، السلاح ليس هو أخطر ما فيها… المعلومة هي.”

Exit mobile version