
بقلم : مؤيد الأمين
في السودان، لم تعد الحرب حدثًا طارئًا، بل تحولت بفعل فاعل إلى نظام حكم غير مكتوب. فكلما اقتربت البلاد من لحظة هدوء، خرجت أصوات مألوفة تعيد إشعال الحرائق، وتعيد معها ذات الرواية القديمة: عدو خارجي، مؤامرة دولية، وخطر وجودي يستدعي استمرار الحرب إلى أجل غير معلوم.
خروج الفريق عبد الفتاح البرهان مؤخرًا باتهامات مباشرة لإثيوبيا، واتهامها بأنها وسيط لتمويل الدعم السريع وتسهيل استخدام أراضيها ومطاراتها، لم يكن مجرد تصريح سياسي عابر. بل جاء ضمن سياق إعلامي معروف، سرعان ما تلقفته منصات الإسلامويين بحماس لافت، وكأن المطلوب ليس تفسير الحرب بل توسيعها.
فالسؤال الحقيقي هنا ليس: هل هذه الاتهامات صحيحة أم لا؟
السؤال الأهم: لماذا يظهر دائمًا خطاب فتح جبهات جديدة كلما ضاقت خيارات الحرب داخليًا؟
الإسلامويون في السودان لا يتعاملون مع الحرب كأزمة يجب إنهاؤها، بل كبيئة طبيعية لبقائهم السياسي. منذ انقلاب 1989، ارتبط وجودهم بالمعركة الدائمة. الحرب بالنسبة لهم لم تكن فشلًا سياسيًا، بل كانت أداة حكم.
في الجنوب، استمرت الحرب حتى انتهت بانفصال البلاد.
وفي دارفور، جرى تسليح القبائل وتحويل النزاعات المحلية إلى حروب مفتوحة.
وفي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ظلت البنادق أعلى صوتًا من السياسة.
لم يكن ذلك صدفة تاريخية، بل نمطًا متكررًا: كلما ضعفت الشرعية السياسية، جرى استبدالها بشرعية البندقية.
الحرب تمنحهم ثلاثة أشياء لا يستطيعون الحصول عليها في زمن السلام:
أولًا: تعطيل السياسة المدنية.
فلا انتخابات تُجرى تحت القصف، ولا مساءلة تُطرح وسط الطوارئ.
ثانيًا: السيطرة الأمنية.
إذ يصبح الاعتراض خيانة، والنقد تآمرًا، والمعارضة خطرًا على “المعركة الوطنية”.
ثالثًا: إعادة إنتاج النفوذ.
حيث تُعاد صياغة التحالفات داخل الجيش والأجهزة عبر منطق التعبئة والاستنفار لا عبر المؤسسات.
ولهذا تبدو فكرة فتح جبهات خارجية — حتى لو كانت مخاطرة إستراتيجية خيارًا مغريًا لبعض دوائر الإسلامويين. فالحرب الواسعة تُعيد تعريف الأزمة، وتصرف الأنظار عن السؤال الأخطر: من أوصل السودان إلى هنا أصلًا؟
بعد ثلاث سنوات من القتال، لم يعد للسودان جار مطمئن ولا صديق ثابت. علاقات البلاد الإقليمية تآكلت، والدولة التي كانت يومًا مركز توازن في الإقليم أصبحت عبئًا دبلوماسيًا. الدول التي طالبت بوقف الحرب أو حاولت تخفيف معاناة المدنيين أصبحت تُتهم بالتآمر، وكأن المشكلة ليست في استمرار النزيف بل في من يطالب بإيقافه.
المفارقة الساخرة أن الخطاب الإسلاموي يهاجم الجميع: الأحزاب، المدنيين، المجتمع الدولي، وحتى بعض مكونات الدولة نفسها. الجميع متهم، باستثناء التيار الذي حكم ثلاثين عامًا وانتهت تجربته بانهيار الدولة نفسها.
إنها معادلة معروفة:
عندما تفشل السلطة، يُصنع عدو.
وعندما ينهار الداخل، يُستدعى الخارج.
وعندما يقترب السلام… تصبح الحرب ضرورة سياسية.
حرب الخامس عشر من أبريل لم تكن مجرد صراع عسكري بين قوتين مسلحتين؛ بل تحولت إلى الوتد الذي يعيد تثبيت نفوذ الإسلامويين داخل بنية السلطة. فاستمرار القتال يعني استمرار الحاجة إلى خطاب التعبئة، واستمرار التعبئة يعني استمرار النفوذ.
لا الشعب أولوية في هذه المعادلة، ولا الجيش نفسه. فالجنود يُستهلكون كما يُستهلك المدنيون، بينما يعيش منظرو الحرب بعيدًا عن الجبهات، في رفاهية الخطاب لا قسوة الميدان.
ولهذا، كلما أُغلق باب للحرب، يُفتح باب جديد: أزمة حدود، توتر إقليمي، اتهام خارجي، أو دعوة للاستنفار. فالحرب ليست نتيجة عجزهم السياسي فقط، بل شرط بقائهم.
التاريخ السوداني الحديث يقدم خلاصة قاسية: أينما ترسخت سلطة الإسلامويين، تمددت الفوضى. وحيثما ارتفع خطاب التعبئة، تراجعت الدولة.
إن الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط استمرار الحرب الحالية، بل تحويل السودان إلى دولة تعيش على حافة صراعات دائمة، تُدار فيها السياسة بالرصاص بدل البرامج، وبالعداء بدل المصالح الوطنية.
ولهذا، فإن التحدي الأكبر أمام القوى المدنية ليس مجرد الدعوة لوقف الحرب، بل فهم طبيعة الخصم السياسي الذي لا يرى في السلام انتصارًا، بل تهديدًا وجوديًا.
فالوحدة المدنية لم تعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة تاريخية. لأن السودان لن يخرج من دائرة الدم ما دام هناك تيار سياسي لا يستطيع العيش إلا داخلها.
فالسلام بالنسبة للسودانيين هو الحياة.
أما بالنسبة للإسلامويين… فقد كان دائمًا نهاية المشروع.