جولات ماكوكية وحرب عبثية 

في وقتٍ يغرق فيه السودان في حرب مدمرة وانهيار إقتصادي وإنساني غير مسبوق، تبدو السلطة الحاكمة وكأنها إختارت إدارة الأزمة عبر المطارات وصالات الاستقبال الرسمية أكثر من إدارتها داخل البلاد نفسها. فمنذ مايو 2025 وحتى مايو 2026، تحولت تحركات كبار المسؤولين السودانيين إلى ما يشبه الدبلوماسية المتنقلة، حيث تجاوز مجموع الرحلات الخارجية للمسؤولين الأربعة الأبرز في السلطة ـ عبد الفتاح البرهان ومالك عقار وكامل إدريس ومحيي الدين سالم ـ أكثر من ثلاثين رحلة خارجية خلال عام واحد فقط.

هذا الرقم وحده كافٍ لإثارة الأسئلة، ليس حول تكلفة هذه الجولات في بلد يواجه مجاعة وانهيار خدمات ونزوح ملايين المواطنين، بل حول جدواها السياسية الفعلية والعائد الحقيقي منها على السودان والسودانيين.

البرهان قاد النصيب الأكبر من هذه التحركات. ما يقارب خمس عشرة رحلة خارجية قادته إلى القاهرة والرياض وأنقرة والدوحة وأسمرا وجوبا وعواصم أخرى، في مسعى واضح لتثبيت شرعيته السياسية، وحشد الدعم العسكري والدبلوماسي، وكسر العزلة التي فرضتها الحرب وتعقيدات المشهد السوداني. تحركات البرهان لم تكن مجرد زيارات بروتوكولية، بل محاولة لإعادة تقديم نفسه باعتباره ممثل الدولة السودانية والقادر على الإمساك بمستقبل البلاد.

في المقابل، تحرك مالك عقار في المسار الإفريقي والإقليمي، متنقلاً بين جيبوتي وإثيوبيا وكمبالا وعدد من المنصات السياسية المرتبطة بملف الوساطات الإفريقية. وكان واضحاً أن عقار يحاول تسويق خطاب “الحل السياسي” وإعادة إحياء دور الإتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية في إدارة الأزمة السودانية، لكن دون أن ينجح ذلك في إحداث إختراق حقيقي على الأرض.

أما رئيس الوزراء كامل إدريس، فقد بدا الأكثر نشاطاً من الناحية الرمزية منذ توليه المنصب. ثلاث زيارات إلى مصر، وزيارات أخرى إلى السعودية وإرتريا وونيويورك ثم الفاتيكان، في محاولة لتقديم صورة جديدة لحكومة مدنية تسعى إلى إعادة السودان إلى المجتمع الدولي. لكن المفارقة أن هذه الجولات الواسعة جاءت بينما ظل الداخل السوداني غارقاً في الحرب والانقسام، دون أي مؤشرات حقيقية على قدرة الحكومة على التأثير في مسار الأحداث.

بدوره، واصل وزير الخارجية محيي الدين سالم جولات سياسية ودبلوماسية متعددة شملت الولايات المتحدة ومصر ومنابر إقليمية ودولية عديدة، دفاعاً عن خطاب السلطة الرسمي ومحاولة لتخفيف الضغوط الدولية المتزايدة المتعلقة بالحرب والانتهاكات والأزمة الإنسانية.

لكن السؤال الجوهري يظل قائماً: ماذا حققت كل هذه الرحلات؟

إذا كان معيار النجاح هو وقف الحرب، فإن النتيجة صفر تقريباً.

وإذا كان المعيار هو تحسين الوضع الإنساني، فإن ملايين السودانيين ما يزالون بين النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية.

وإذا كان الهدف هو إعادة بناء الدولة أو إطلاق عملية سياسية جادة، فإن البلاد اليوم تبدو أبعد من أي وقت مضى عن الاستقرار.

الحقيقة المؤلمة أن الأزمة السودانية لم تعد أزمة علاقات خارجية حتى تُحل عبر الجولات الدبلوماسية. هي أزمة داخلية عميقة تتعلق بطبيعة السلطة نفسها، وبالعلاقة المختلة بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية، وباستمرار هيمنة التنظيم الإسلامي المصنف ارهابي على مفاصل القرار السياسي والأمني، رغم كل التحولات والانهيارات التي شهدتها البلاد.

ولهذا فإن معظم هذه الرحلات انتهت إلى بيانات دعم عامة، وصور بروتوكولية، وتصريحات فضفاضة عن “أهمية استقرار السودان”،والحفاظ على مؤسسات الدولة دون أي نتائج ملموسة على الأرض. العالم نفسه بات يدرك أن جوهر الأزمة ليس نقص الوساطات، بل غياب القرار الداخلي الشجاع القادر على إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة.

لا واشنطن تملك مفتاح السلام السوداني، ولا باريس، ولا الرياض، ولا القاهرة، ولا حتى الفاتيكان. هذه العواصم تستطيع المساعدة أو الضغط أو الوساطة، لكنها لا تستطيع صناعة السلام بدلاً عن السودانيين أنفسهم.

ولهذا فإن أي حديث جاد عن إنقاذ السودان يجب أن يبدأ من الداخل، لا من الخارج.

البداية الحقيقية تكمن في فك الارتباط الكامل بين الجيش والحركة الإسلامية، لأن استمرار هذا التداخل هو أحد أهم أسباب فقدان الثقة داخلياً وخارجياً. فلا يمكن بناء دولة وطنية حديثة بينما تتحكم شبكات أيديولوجية في القرار العسكري والسياسي، وتدفع البلاد باستمرار نحو الصراع والاستقطاب والعزلة.

ثم يأتي الاستحقاق الأهم: إطلاق حوار سوداني ـ سوداني حقيقي، لا يقوم على منطق الغلبة العسكرية، ولا على إعادة إنتاج الصفقات القديمة، بل على الاعتراف بحجم الكارثة الوطنية التي أوصلت البلاد إلى حافة التفكك.

كما أن وقف الحرب فوراً يجب أن يكون أولوية مطلقة، لا ملفاً مؤجلاً أو ورقة تفاوضية تستخدمها الأطراف لتحسين شروطها السياسية والعسكرية. فلا اقتصاد يمكن إنقاذه، ولا دولة يمكن بناؤها، ولا مجتمع يمكن ترميمه، بينما تستمر الحرب في التهام ما تبقى من السودان.

خارج هذه المعادلة، ستظل الطائرات تقلع وتهبط، وستظل الوفود تتحرك بين العواصم، لكن السودان نفسه سيبقى عالقاً في المكان ذاته؛ بلد ينزف في الداخل، بينما تبحث سلطته عن الحل في الخارج.

 

Exit mobile version