التطرف العنيف وتجربة المعالجات الفكرية

السر السيد

بقلم : السر السيد 

اشير بداية إلى أن هذا المقال مأخوذ بتصرف من الفصل الخامس، مبحث (حوارات السجن) من مخطوطتي الموسومة ب(الشباب والتطرف في السودان 1990 -2018..خلية الدندر نموذجا) والتي فرغت من إنجازها في العام 2018.

يجئ استدعاء المقال بهدف قراءته في سياق الحملة التي تنشط الآن من أجل تصنيف الحركة الاسلامية السودانية تنظيما إرهابياً عالمياً، او قراءة الحملة على خلفيته، خاصة وان المقال يكشف عن بعض طرائق الاسلاميين او للدقة جهاز الامن والمخابرات الذي بنوه في مكافحة التطرف العنيف، وهي طرائق وبأساليبها المختلفة، -اللين منها والفظ- وجدت ترحيباً ودعماً من المخابرات المركزية الامريكية والكثير من اجهزة الاستخبارات العربية والافريقية.

في هذا المبحث سأبني مقاربتي بشكل أساسي على ما جاء في الحوار الذى اجراه الاستاذ عبدالله البشير مع العميد معاوية مدني نائب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الارهاب والمنشور في صفحة المركز السوداني للخدمات الصحفية smc بالشبكة العنكبوتية بتاريخ 15 أكتوبر 2017 وعلى التقرير الذى كتبه الصحفي الهادي محمد الامين بعنوان: شباب خلية الدندر…خطوات لتسوية ملف السلفية الجهادية.. المنشور في الشبكة العنكبوتية بتاريخ 25 مايو2014 وعلى الاشارات الضمنية في كتابَىّ “حوار مع شاب” للشيخ عبدالحي يوسف و “هداية المستنير لاهم الضوابط في الحكم بالتكفير” للدكتور ابراهيم الكاروري اللذَيْن سبق التعليق عليهما في المخطوطة، وفيما يخص التقرير فقد اشار الصحفي الهادي محمد الامين الى ان “الخيار الذى رست عليه السلطات الحكومية هو الدخول في حوار مباشر مع المعتقلين وفتح مشروع المراجعات والمعالجات الفكرية وانتداب علماء وفقهاء ومفكرين لاقناع الشباب لعدولهم عن الافكار المتطرفة التى تتخذ من العمل المسلح وسيلة للتغيير وكلفت الحكومة رئيس مجمع الفقه الإسلامي وامام وخطيب مجمع النور الاسلامي دكتور عصام احمد البشير لتدشين مشروع الحوار الفكري مع شباب السلفية الجهادية حيث انطلقت عملية الحوار بعنابر سجن الهدى بامدرمان حيث بدأ في نوفمبر 2013 واستمر إلى ابريل 2014 ليتم رفع تقرير مجمع الفقه الاسلامى بنسختين الأولى لرئاسة الجمهورية بحكم وضعية مجمع الفقه واستشارية التأصيل وتبعيتها لمؤسسة الرئاسة ومسودة أخرى لوزارة العدل بحكم انها الجهة القانونية المختصة والمشرفة على هذا الملف” وفيما يخص الكتابين فقد أشار الدكتور عبد الحى يوسف ضمنيا إلى أن كتابه بالاساس موجه إلى الشباب المتطرف فقد قال في صفحة 9:” (..وهذا البلاغ قد يكون شفاهة او كتابة او بغير ذلك من الوسائل التي ييسرها الله عز وجل، والمقصود ان يحصل البلاغ المبين الذى تقوم به الحجة، وقاية للشباب وغيرهم من الذلل، ودلالة لهم على خير العلم والعمل، وهذا هو ما نسعى إليه إن شاء الله من خلال هذا الكتيب الذي يجيب على جملة من الاسئلة التى طرحها بعض إخواننا الشباب من خلال حوارات امتدت معهم شهورا، وكانت ثمرتها هذه الكلمات)، أما الدكتور ابراهيم الكاروري فيقول في صفحة 4: (…وهذا ما دفع بعض الشباب المتدين والقادة الغاضبين إلى البحث عن مداخل التغيير والصلاح وما وجدوا مدخلاً أسرع وانجع من مدخل التكفير…. إلى أن يقول: وهذه الرسالة تهتم ببيان بعض القواعد التى تعين الناظر في أمر هذه الفتنة والتعامل معها والتحصن ضدها “المسارعة الى التكفير” وان كان ثمة اشارة هنا فهى من وجهة نظري أن الكتابين يصبان في مبادرة جهاز الامن والمخابرات الوطني أى ما عرف بالمعالجات الفكرية مصادفة او قصديا، أما ما جاء في حوار العميد معاوية فيمكن تلخيصه في الآتي:

1-انها بدأت في العام 2008 بدراسة واستبيان بالتعاون مع ” UNDP” برنامج الامم المتحدة الانمائي وبمشاركة جهات مختصة وذلك لمعرفة الاسباب التى تدفع هؤلاء الشباب للانضمام لهذه التنظيمات وقد تمت الاستعانة في هذه الدراسة بخبراء من امريكا وبريطانيا وروسيا.

2-ان تجربة برنامج المعالجات الفكرية قد نجحت بنسبة 80% وان الامين العام للامم المتحدة أشاد بها ووصفها بأنها عمل غير مسبوق.

3-انها تمت على اربعة مراحل تتداخل وتتكامل فيما بينها:

الأولى:مرحلة التحليل النفسى للموقوف ويقوم بها خبراء في علم النفس وفى الطب النفسى لمعرفة الوضع النفسى للموقوف وتحديد أفكاره ومعتقداته التي ينظر من خلالها الى نفسه وللآخرين وللعالم.

الثانية: مرحلة اختبار أفكار الموقوف حول مختلف القضايا وهذه المرحلة يقوم بها مختصون في العلوم الشرعية بتخصصاتها المختلفة، وهذه المرحلة قد تأخذ فترة طويلة وهناك من يصل لقناعات في وقت مبكر وهناك من يتمسك برأيه على حد قول العميد.

الثالثة:مرحلة اطلاق سراح الموقوف بعد اقراره بأنه كان على خطأ وانه الان لم يعد يقتنع بأفكاره السابقة وبعد كتابته تعهدا يلتزم فيه بعدم المضي في هذا الطريق.

الرابعة:مرحلة الدمج في المجتمع وتأتي بعد عملية اعادة التأهيل بكل ما تحمل كلمة تأهيل من دلالة وتحتاج هذه المرحلة بالذات إلى تعاون العديد من الجهات والتي منها على سبيل المثال:

-وزارة التعليم العالى والبحث العلمى وذلك لتمكين الذين تركوا الدراسة من العودة اليها ومواصلتها.

-الجهات المعنية بالتمويل الاصغر لتمكين من يريد أن يبدأ عملاً يعتاش منه.

-صندوق العفاف ودعم الزواج ، وذلك للذين يرغبون فى الزواج والاستقرار الأسري.

-مراكز ومنتديات الفكر الإسلامى الوسطى وضرورة أن تتواصل معهم رغبة في استمرار عملية الحوار والتعليم والتعلم.
مما سبق يمكن القول أن تجربة برنامج المعالجات الفكرية كواحدة من جهود السودان او بالأحرى جهود جهاز الامن والمخابرات الوطني في مواجهة التطرف بشكل عام والتطرف العنيف تحديداً والتي بدأت في العام 2008، قد تحركت في اتجاهين يآزر كل منهما الاخر، الإتجاه الأول نفسي ويُعنى بالمتطرف نفسه من تحديد لوضعه النفسي ومن ثم اعادة تأهيله ودمجه في المجتمع و الثاني فكري ويعنى بتحديد اسئلة التطرف ومنطلقاته الفكرية ومرجعياته ومن ثم العمل على مناقشتها وفق مرجعيات تشكل ارضية مشتركة بين المتطرف ومحاوريه، هذا اضافة لما يتم من اسناد لهذه التجربة داخل المجتمع كتفعيل الكيانات الشبابية والطلابية والقيادات الدينية والمجتمعية والمبدعين في مختلف مجالات الفنون وأجهزة الإعلام والصحافة والمراكز الفكرية والمساجد للقيام بدورها في التنوير وخلق حساسية عالية مضادة للفكر المتطرف، إلا أن ما يجب أن اشير اليه هنا هو ان هناك تجارب عالمية خاصة فيما يتصل بالأبعاد النفسية والإجتماعية للمتطرف ولا استبعد أن تكون التجربة السودانية قد استفادت منها سيما وأن العميد معاوية قد ذكر أنهم استعانوا بخبرات من امريكا وبريطانيا وروسيا، فقد اشار الاستاذ الحاج وراق في دراسته الموسومة ب (نحو رؤية سودانية انسانية لقضايا التطرف العنيف)، إلى العديد من الدراسات التي تناولت المتطرف ووضعيته النفسية والاجتماعية فقد كشفت دراسة ( أن كثيراً من المتطرفين العنيفين لديهم تاريخ من العنف داخل العائلة واوضحت دراسة لعينة من “819” ارهابيا “70 انتحارياً و749 مقاتلا” ان للانتحاريين روابط اسرية اقل من باقي المقاتلين في الجماعات الارهابية وشن غالبية الهجمات الارهابية اشخاص عمرهم ما بين “16-40”.

*عملية الحوار الفكرى*:

بحسب احصائيات الهيئة الوطنية لمكافحة الارهاب، (فقد التحق 260 شابا وشابة بتنظيمات متطرفة مثل تنظيم داعش وبوكو حرام و انصار الدين بمالي وحركة الشباب الصومالية). أنظر موقع العربية نت الالكتروني.. عبدالعزيز ابراهيم. يونيو2017، وقد تم الحوار وفقاً للمعلومات إلى توفرت عليها مما نشر في الصحف او المواقع الالكترونية أو من صديقي العائد من مالى أو من محدثي عنصر خلية الدندر الذين تمت الإشارة اليهما في ثنايا هذه المخطوطة وهما من الذين تم الحوار معهم أو مما افادني به المسئول الامنى واحد المعنيين بملف الإرهاب والذي كان منسقاً لجلسات الحوار هذه.

تم الحوار مع منسوبي خلية الدندر والبالغ عددهم “31 عنصرا” في الفترة من نوفمبر 2013 الى أبريل 2014 ومع المجموعة العائدة عبر دولة تشاد والبالغ عددهم “11” عنصراً في يناير 2016 وفقاً لإفادة صديقي العائد من مالي فقد كان ضمن هذه المجموعة… أشير هنا إلى انه قد يكون هناك آخرين أفرادا أو مجموعات قد تمت معهم عملية الحوار الفكري خاصة وان هذه العملية قد بدأت منذ العام 2008 أي بعد حادثة السلمة 2007 ومتزامنة مع حادثة اغتيال الدبلوماسي الامريكي في الخرطوم 2008، كما أشير إلى أنه لم يتوفر لي مطلقا معرفة اسماء الخبراء النفسيين الذين شاركوا في عملية المعالجات الفكرية وإن كان صديقي العائد من مالي قد أكد لي أن خبيراً نفسياً قد جلس معه وسأله أسئلة كثيرة إلا أنه لم يستطع تذكر إسمه بالدقة المطلوبة، أما الخبراء في مجالات العلوم الشرعية فقد توفرتُ على معرفة بعض الذين شاركوا منهم في عملية الحوار مما نشر متناثراً هنا وهناك وتمت الإشارة إليه في ثنايا هذه المخطوطة ومما ذكره لي محدٍّثَي، العائد من مالى وعنصر خلية الدندر فمما نشر أن عملية الحوار قد تمت بالتنسيق مع مجمع الفقه الإسلامي ومع هيئة علماء السودان وشارك فيها من العلماء والفقهاء الدكتور عصام احمد البشير والبروفيسور سليمان عثمان سليمان والدكتور ابراهيم نورين ومعهم الدكتور ابراهيم الكاروري والدكتور علاء الدين الزاكي والفقيد الشيخ محمد سيد وربما يكون هناك آخرين لم اتوفر على معرفتهم، اما الاسئلة والقضايا التى تم الحوار حولها والتى هى أيضا لم أجد لها حضوراً واضحاً فيما نشر من حوارات وإفادات فسأعتمد على ما أفادني به المسئول الأمني وعلى ما هو مبذول من فكر التنظيمات المتطرفة محلياً وعالمياً اضافة إلى ما جاء في كتابَي ” حوار مع شاب” و “هداية المستنير لأهم الضوابط في الحكم بالتكفير” وذلك استناداً على ما جاء في الكتابين من إشارات تؤكد أن الكتابين أُلفا خصيصاً للرد على اسئلة الشباب السوداني المتطرف مع استصحاب أن الدكتور الكاروري كان واحدا من الذين شاركوا في عملية الحوار الفكري كما أشرنا.

*موضوعات الحوار*

يمكن إجمالها في الآتي:

أولاً: محور الدستور والتشريعات وفيه:
-إسلامية الدستور
-مصدرية الشريعة
-المواطنة
-التعددية الحزبية
-الديمقراطية
-شروط الحاكم ومن يتولى الولايات الكبرى
-تطبيق الاحكام الشرعية ” هل الشريعة الآن مطبقة بالشكل الصحيح”؟
‘الخروج على الحاكم
-تمكين الحركة الشعبية عبر اتفاقية السلام 2005 من الانفراد بحكم الجنوب مع وجود مسلمين هناك. -عملية الاستفتاء على الانفصال”.
هذا المحور بالضرورة سيتعرض لأسئلة وموضوعات من نوع، مسألة الولاء والبراء.. مساواة الكافر بالمسلم والمرأة بالرجل خاصة فيما يعرف بالولايات الكبرى كالرئاسة والقضاء والأمن والدفاع.. وضعية العلمانيين وهل لهم الحق في تكوين الأحزاب والتبشير بأفكارهم تمشيا مع ما يتيحه النظام الديمقراطى…حدود العلاقة بين الدين والدولة وهل يصح أن نقول إن الشريعة مصدر من مصادر التشريع؟؟.

ثانياً: محور الجهاد والقتال والانضمام للمؤسسات الدولية والالتزام بمواثيقها واتفاقياتها وفيه:

-استئذان الوالدين في الجهاد.
-استئذان ولى الامر “الحاكم” في الجهاد الخارجى
-من له تقدير المفسدة والمصلحة في الجهاد الخارجى؟
-قتال القوات الاممية والمنظمات الدولية الموجودة في السودان او استهدافها بأي شكل كان.
يشتمل هذا المحور على اسئلة وموضوعات من نوع:
-الدولة لا تساعد من يرغبون في الجهاد مع مستضعفي المسلمين في مختلف بقاع الارض، بل تمنعهم ان ارادوا الخروج.
-اذا تعين الجهاد لا يجب اخذ موافقة الحاكم او رضا الوالدين.
-تقدير المفسدة والمصلحة تحدده شروط الجهاد ووضعيته وليس الحاكم خاصة في زماننا هذا.
-ماالذى يضير الدولة اذا خرج الناس للجهاد افرادا وبرغبتهم.
-نقاتل القوات الاممية لانها كافرة وما جاءت إلا لحماية مصالح النصارى الصليبيين والصهاينة.
-الدولة ترتبط بمواثيق ومعاهدات فيها ما يجعل الدولة مساهمة في الحد من عمل المجاهدين كتعاونها في ما يسمى “بمكافحة الإرهاب”.
-أنواع الكفار وفقه التعامل مع كل نوع منهم؟.

ثالثا: محور التكفير والدولة ومشروعية الخروج عليها وفيه:

-الحكم على الدولة السودانية: هل هى دولة اسلامية ام لا؟
-هل هى خاضعة وتابعة للدول الغربية؟
-هل تساوم في تطبيق الشريعة الاسلامية؟
في داخل هذا المحور يمكن أن تطرح اسئلة وموضوعات من نوع كيف نحكم على هذا الشخص بأنه كافر أو على هذه الممارسة بانها ممارسة كفرية؟
-ما المقصود بالشريعة الاسلامية ؟ هل هى الحدود فقط؟
-هل الارتباط مع المؤسسات الدولية بمواثيق واتفاقيات يعد خضوعاً وتبعية للدول الغربية؟ وهل هناك امكانية لأي دولة في هذا العصر الا يكون لها ارتباط بهذه المؤسسات وليكن مثالنا الامم المتحدة؟.

هذه هى المحاور والقضايا والاسئلة بشكل عام، التي دار الحوار حولها، أما ” الحوار” نفسه والذي دار داخل السجن وخارجه والذى كان يتم مع المسجونين كل على حدة كما افادني المسئول الأمني، فسنفرد له مقالاً خاصاً متى ما كان هذا ممكناً

Exit mobile version