بين الرصاص والخوف.. نزوح متزايد في كردفان

أفق جديد

تتفاقم الأزمة الإنسانية في إقليم كردفان غربي السودان مع استمرار موجات النزوح الجماعي الناتجة عن تصاعد التدهور الأمني واتساع رقعة الاشتباكات والهجمات على القرى، في وقت تحذر فيه منظمات أممية من أوضاع إنسانية خطيرة تهدد آلاف المدنيين الذين أجبرتهم الحرب على الفرار من منازلهم.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 3,500 شخص نزحوا خلال الأيام الماضية من مناطق متفرقة في ولايتي شمال كردفان وجنوب كردفان بسبب انعدام الأمن والهجمات المسلحة التي طالت عددًا من القرى، ما دفع السكان إلى البحث عن مناطق أكثر أمانًا داخل الإقليم.

وبحسب المنظمة، فقد نزح حوالي 2,600 شخص من قريتي أبو حراز وكازقيل بمحلية شيكان في شمال كردفان، بعد تدهور الأوضاع الأمنية وتصاعد المخاوف من الهجمات المسلحة وعمليات النهب التي تستهدف القرى الريفية.

كما أجبر تدهور الوضع الأمني نحو 950 شخصًا على الفرار من قرية دبيكر التابعة لمحلية القوز في جنوب كردفان، حيث توجه عدد من الأسر إلى محلية شيكان التي أصبحت تستقبل أعدادًا متزايدة من النازحين القادمين من مناطق النزاع.

وتشهد منطقة كردفان الكبرى منذ أشهر مواجهات متقطعة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى جانب حالة انفلات أمني متزايدة، حيث تتعرض قرى عديدة لهجمات مفاجئة تترافق مع أعمال نهب واسعة للممتلكات واختطاف مدنيين مقابل طلب فدية مالية من أسرهم، بحسب إفادات سكان محليين.

حالة من الذعر

يقول جماع آدم، وهو مزارع نزح من قرية أبو حراز مع أسرته، إن الهجوم على القرية وقع خلال ساعات الليل وأثار حالة من الذعر وسط السكان. ويضيف في حديثه لـ”أفق جديد”: “استيقظنا على أصوات الرصاص والصراخ، ولم يكن أمامنا وقت لحمل أي شيء. أخذنا الأطفال وخرجنا من القرية سيرًا على الأقدام. تركنا المنزل والمحصول وكل ما نملك خلفنا”.

ويشير آدم إلى أن كثيرًا من الأسر وصلت إلى مناطق النزوح وهي لا تحمل سوى الملابس التي كانت ترتديها، في ظل غياب وسائل النقل وارتفاع تكلفة التنقل بين المناطق.

أما فاطمة الفاضل، وهي أم لخمسة أطفال نزحت من قرية دبيكر، فتقول إن رحلة النزوح كانت شاقة وخطيرة، خاصة مع وجود أطفال وكبار سن بين الفارين. وتضيف في حديثها لـ”أفق جديد”: “مشينا لساعات طويلة وسط الخوف والعطش. الأطفال كانوا يبكون طوال الطريق، وبعض الأسر فقدت أفرادًا أثناء الهروب بسبب الفوضى. لم نجد عند وصولنا سوى قطعة أرض خالية نصبنا عليها أغطية بلاستيكية لنحتمي بها”.

نقص الخدمات

وتعيش آلاف الأسر النازحة أوضاعًا إنسانية قاسية في مراكز الإيواء المؤقتة، حيث تعاني من نقص الغذاء ومياه الشرب والخدمات الصحية، إلى جانب غياب الاحتياجات الأساسية مثل الأغطية والأدوية ومواد الإيواء.

وفي أحد مراكز النزوح بمحلية شيكان، يقول المتطوع الإنساني حمودة الطيب إن أعداد النازحين تتزايد بصورة يومية بينما تتراجع قدرة المجتمعات المحلية والمنظمات على الاستجابة. ويضيف في حديثه لـ”أفق جديد”: “الأسر تصل في ظروف مأساوية، بعضهم لم يتناول الطعام منذ يومين أو ثلاثة. المراكز مكتظة ولا توجد إمكانيات كافية لتوفير الاحتياجات الأساسية، خاصة مع تراجع الدعم الإنساني”.

وأشار إلى أن الأطفال والنساء هم الأكثر تضررًا من ظروف النزوح، حيث تنتشر حالات سوء التغذية والإجهاد النفسي نتيجة الصدمات التي تعرضت لها الأسر خلال الهروب من مناطق القتال.

وحذرت الأمم المتحدة من أن نقص التمويل الإنساني يهدد بتفاقم أوضاع النازحين في السودان، خاصة في ظل اتساع رقعة الحرب واستمرار النزوح من مناطق متعددة.

مخاطر متزايدة

وقالت مجموعة تنسيق وإدارة المخيمات التابعة للأمم المتحدة، المعنية بدعم النازحين، إنها لم تتلق أي تمويل خلال العام الجاري، الأمر الذي يعرّض ملايين النازحين لمخاطر متزايدة، من بينها العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والانتهاكات الجنسية، خصوصًا في مواقع النزوح العشوائية التي تفتقر إلى الحماية والخدمات الأساسية.

ويخشى العاملون في المجال الإنساني من أن يؤدي اقتراب موسم الأمطار إلى كارثة إضافية تهدد حياة آلاف الأسر التي تعيش في مساكن مؤقتة مصنوعة من القماش والبلاستيك أو من مواد محلية هشة مثل القش.

يقول النازح حماد جبارة، الذي يقيم مع أسرته في مأوى مؤقت قرب شيكان: “إذا جاءت الأمطار فلن تصمد هذه المساكن. نحن بالكاد نحتمي من الشمس الآن، فكيف سنواجه السيول والخريف؟”. ويضيف أن كثيرًا من النازحين فقدوا مصادر دخلهم بالكامل بعد مغادرة قراهم، حيث تعتمد معظم الأسر على الزراعة والرعي، وهي أنشطة توقفت بسبب انعدام الأمن واتساع رقعة القتال.

ويرى مراقبون أن استمرار النزاع في كردفان يهدد بتحويل الأزمة الإنسانية إلى كارثة واسعة النطاق، في ظل غياب حلول سياسية عاجلة وضعف الاستجابة الإنسانية مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة.

ومع استمرار تدفق النازحين إلى المناطق الأكثر أمانًا، تبدو معاناة المدنيين مرشحة للتفاقم خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار الغذاء ونقص الخدمات الأساسية.

وبين الخوف من الهجمات، والجوع، والأمطار القادمة، يجد آلاف المدنيين في كردفان أنفسهم أمام واقع قاسٍ، حيث تحولت رحلة البحث عن الأمان إلى معركة يومية من أجل البقاء.

 

Exit mobile version