السودان بين نار الحرب ووهم الحسم… ماذا تخفي الأيام القادمة؟

حاتم أيوب أبو الحسن

بقلم :   حاتم أيوب أبو الحسن 

لم تعد الحرب في السودان مجرد معركة على السلطة، ولا صراعاً عسكرياً تقليدياً يمكن قياسه بخريطة السيطرة على المدن أو عدد الجبهات المفتوحة. ما يجري اليوم أعمق من ذلك بكثير؛ إنه إعادة تشكيل بطيئة لمستقبل الدولة نفسها، وسط إقليم يموج بالتحولات، وعالم لم يعد ينظر إلى السودان باعتباره أزمة محلية معزولة، بل عقدة جيوسياسية تقع في قلب البحر الأحمر والقرن الإفريقي وممرات النفوذ الجديدة.

الهجمات الأخيرة، وتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، والتحركات السياسية والأمنية المرتبطة بالخليج، كلها ليست أحداثاً منفصلة، بل إشارات إلى انتقال الحرب من مرحلتها الأولى إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة. ففي البداية كانت المعركة تدور حول من يسيطر على الخرطوم، أما الآن فالسؤال الحقيقي أصبح: من يملك القدرة على تشكيل السودان القادم؟

الحرب تغيّرت. لم تعد فقط مواجهة بين قوتين عسكريتين، بل تحولت إلى حرب استنزاف طويلة تستهدف الاقتصاد، والبنية الاجتماعية، والقدرة النفسية للمجتمع على الصمود. ومع كل شهر يمر، تتراجع فكرة “الحسم السريع” لتحل محلها معادلة أكثر قسوة: لا أحد قادر على الانتصار الكامل، لكن الجميع قادر على منع الآخر من الانتصار.

وهنا تبدأ أخطر مراحل الصراع.

لأن الحروب حين تفشل في إنتاج الحسم، تبدأ في إنتاج التشظي. تتآكل مؤسسات الدولة تدريجياً، وتتمدد سلطات الأمر الواقع، ويصبح المجتمع نفسه جزءاً من اقتصاد الحرب، بينما تتحول السياسة إلى مجرد ظل يتحرك خلف السلاح.

وفي خضم ذلك، يدخل العامل الإقليمي بثقله الكامل. فالخليج اليوم ليس بعيداً عن السودان كما قد يبدو جغرافياً. البحر الأحمر أصبح أحد أكثر الممرات حساسية في العالم، والتوترات الممتدة من غزة إلى اليمن والقرن الإفريقي جعلت كل دولة مطلة على هذا الحزام جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي. لذلك لم يعد السودان يُقرأ فقط من داخل حدوده، بل من خلال موقعه في خرائط النفوذ والطاقة والموانئ والتحالفات العسكرية.

لهذا تبدو التحركات السياسية الأخيرة وكأنها تحمل رسائل أكبر من مجرد وساطات للسلام. فالقوى الإقليمية لا تتحرك بدافع إنساني فقط، بل بدافع الخوف من انفجار شامل قد يحول السودان إلى فراغ مفتوح على الفوضى والهجرة والسلاح والانهيار الاقتصادي في منطقة شديدة الهشاشة أصلاً.

لكن المعضلة أن كل الأطراف ما زالت تتعامل مع التفاوض باعتباره امتداداً للحرب، لا بديلاً عنها. كل طرف يريد الذهاب إلى الطاولة من موقع قوة، وكل تقدم ميداني يتحول إلى رسالة سياسية، لا إلى خطوة نحو السلام. ولهذا تبدو البلاد وكأنها تدور داخل دائرة مغلقة: تصعيد يعقبه حديث عن تسوية، ثم انهيار التهدئة، ثم عودة القتال بصورة أعنف.

ووسط هذه الدوامة، يدفع المدنيون الثمن الأكبر.

فالمدن التي كانت تمثل قلب الحياة السودانية أصبحت تعيش تحولات قاسية. الخرطوم لم تعد كما كانت، وأم درمان تتحول تدريجياً إلى مدينة مثقلة بآثار الحرب، بينما يعيش ملايين السودانيين بين النزوح والانهيار الاقتصادي وفقدان الخدمات الأساسية. الأخطر من ذلك أن الحرب لا تدمر الحجر فقط، بل تعيد تشكيل الوعي الجمعي نفسه، وتزرع داخل المجتمع خوفاً وانقسامات قد تبقى حتى بعد توقف إطلاق النار.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في المشهد ليس استمرار الحرب وحده، بل احتمال اعتيادها. حين تصبح الحرب جزءاً من الحياة اليومية، يفقد المجتمع حساسيته تجاه الخسائر، وتتحول الدولة إلى كيان منهك يعيش على إدارة الأزمات لا حلها.

لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد متى تنتهي الحرب؟ بل: ماذا سيبقى من السودان عندما تنتهي؟

هل يخرج البلد موحداً بدولة جديدة أكثر توازناً؟ أم يخرج منهكاً بسلطات متعددة ونفوذ متنازع عليه؟ وهل تكون التسوية القادمة بداية لاستقرار حقيقي، أم مجرد هدنة مؤقتة تؤجل انفجاراً أكبر؟

ما تخفيه الأيام القادمة ربما ليس نصراً حاسماً لأي طرف، بل لحظة إنهاك جماعي تفرض على الجميع العودة إلى السياسة بعد أن يكتشفوا أن السلاح وحده لا يبني دولة. فالتاريخ السوداني، مهما طال نزيفه، أثبت أن الحروب تنتهي دائماً إلى تفاوض، لكن المأساة أن البلاد تصل إلى تلك اللحظة دائما بعد أن تكون قد دفعت ثمناً أكبر بكثير مما كان يجب أن تدفعه .

 

Exit mobile version