
عماد الخليفة
في السودان الذي تلتهمه الحرب وتتشوه فيه الحدود الفاصلة بين العدالة والسياسة، بدا المشهد صادمًا إلى حد يصعب استيعابه؛ الفريق أول عبد الفتاح البرهان يستقبل بالأحضان النور قبة، الرجل الثالث في قوات الدعم السريع، والمتهم بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب في الفاشر، في الوقت الذي كانت فيه محكمة سودانية تصدر حكمًا بالإعدام على شيخ سبعيني من الإدارات الأهلية، هو الناظر مأمون إدريس هباني، بتهمة “التعاون” مع الدعم السريع.
المفارقة هنا ليست سياسية فقط، بل أخلاقية وإنسانية أيضًا. فبينما يُفتح الباب ويُفرش الترحيب لقيادي عسكري ارتبط اسمه بواحدة من أكثر جبهات الحرب دموية، يُقاد رجل تجاوز السبعين إلى حبل المشنقة، رغم أن روايات أهله وسكان منطقته تقول إنه بقي وسط قريته حين فر الجميع، محاولًا حماية المدنيين ومنع الصدامات وإنقاذ الأرواح من فوضى السلاح والمتفلتين.
الناظر مأمون لم يظهر في تسجيلات قتالية، ولم يقُد قوة مسلحة، ولم يكن قائدًا ميدانيًا في الحرب، بل شيخ إدارة أهلية وجد نفسه فجأة بين فوهات البنادق، فاختار البقاء مع أهله بدل الهرب. لكنه انتهى متهمًا بالخيانة، بعد حملة تخوين وتحريض تحولت فيها الخصومات الشخصية والسياسية إلى قضية رأي عام، ثم إلى حكم بالإعدام هزّ النيل الأبيض بأكمله.
في المقابل، كان السودانيون يشاهدون صورة أخرى على الطرف النقيض تمامًا؛ صورة تعيد طرح السؤال المرير: كيف تُدار معايير العدالة في زمن الحرب؟ وكيف يمكن إقناع الناس بأن القضاء لا يخضع لموازين السياسة، بينما يُستقبل متهم بجرائم حرب بالأحضان، ويُحكم على شيخ قبلي بالموت لأنه بقي بين أهله في لحظة انهيار الدولة؟
جذور قديمة
في غرب النيل الأبيض، حيث تمتد القرى على ضفاف الأرض الزراعية المفتوحة، ظل إسم الناظر مأمون إدريس هباني حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للناس؛ في الصلح بين المتخاصمين، وفي مواسم الزراعة، وفي مؤتمرات الصلح التي تُطفأ بها نيران الدم قبل أن تتسع. هناك، بين شبشة جنوبًا وجبل أولياء شمالًا، تشكلت سيرة رجل نشأ في بيت الإدارة الأهلية، وتعلم منذ طفولته أن سلطة الناظر ليست وجاهةً بقدر ما هي مسؤولية ثقيلة تجاه الناس وأمنهم وتماسكهم الاجتماعي
وُلد مأمون إدريس هباني عام 1952 بقرية نعيمة، وتلقى تعليمه الأولي هناك قبل أن يواصل دراسته في مدارس الأحفاد وكمبوني. كبر وهو يراقب والده، الناظر إدريس هباني، يدير النزاعات بحكمة، ويتنقل بين القبائل حاملًا لغة التهدئة لا التصعيد.
وعندما رحل والده عام 1986، وجد نفسه أمام الإرث الكبير ذاته؛ إرث الأرض والناس والصلح الأهلي. وبعد مؤتمر الإدارات الأهلية بنعيمة عام 1992، تسلم وكالة النظارة من الناظر عمر إدريس، وبدأ رحلة طويلة في الإدارة والقضاء الأهلي.
لم يكن مجرد مسؤول قبلي، بل واحدًا من القلائل الذين يحتفظون بالخرائط الجلدية والحديدية الكاملة لأراضي النظارة وحدودها، ويعرف تفاصيل الأرض كما يعرف أسماء أهلها.
زمن الحرب
عندما اندلعت الحرب، كان الناظر مأمون وسط أهله في ود نمر، عاصمة محلية أم رمته، على بعد نحو 120 كيلومترًا من أم درمان.
وفي الأيام الأولى لدخول قوات الدعم السريع إلى المنطقة، كانت القرية تعيش ارتباكًا ثقيلًا. سيارات التاتشر المسلحة دخلت فجأة، وسألت عن المسؤول في المنطقة. بعض المواطنين أرشدوا القوة إلى منزل الناظر.
في لحظات قليلة، امتلأ المكان بالمسلحين، وارتبكت الأسرة، خاصة الأطفال الذين لم يفهموا ما يحدث. لكن الناظر السبعيني تماسك بهدوء الإدارات الأهلية القديمة، وجلس يتحدث معهم بعقلانية.
شرح لهم أن المنطقة قرية زراعية لا وجود فيها لمعسكرات أو مظاهر عسكرية، وأن أغلب أهلها يعملون في الزراعة والرعي، بعيدًا عن السياسة والحرب.
لحظة حرجة
كانت بحوزة القوة كشوفات بأسماء مستنفرين، وبدأوا يسألون عنهم.
قال لهم إنه لا يملك معلومات، لكنه ظل يلح عليهم بعدم الدخول في مواجهة مع المواطنين.
كان يعرف أن أي رصاصة يمكن أن تحول القرية الهادئة إلى ساحة دم.
نجح، إلى حد كبير، في منع وقوع صدامات، خاصة بعد هروب بعض من قادوا الاستنفار. وحتى من وُجد بحوزته سلاح، جرى تسليمه دون اشتباكات.
في تلك الفترة، غادرت عائلات كثيرة المنطقة، وكان بإمكان الناظر، بما يملكه من إمكانيات وعلاقات، أن يغادر هو الآخر.
لكن أسرته لم تفلح في إقناعه.
قال لهم ببساطة إنه لا يستطيع أن يترك أهله وحدهم في ظل الخوف والفوضى.
بين الناس
خلال وجود قوات الدعم السريع في المنطقة، تحول الناظر مأمون إلى ما يشبه خط الدفاع الاجتماعي الأخير.
كان يتنقل بين القرى راجلًا أحيانًا، وبأي وسيلة متاحة أحيانًا أخرى، يستجيب لاستغاثات الأهالي، ويتدخل لدى المسلحين لحماية الناس من تجاوزات المتفلتين.
يتذكر الأهالي عشرات الوقائع التي تدخل فيها لمنع اعتداءات أو إطلاق سراح أشخاص أو حماية ممتلكات.
ومع الوقت، بدأت مكانته داخل المجتمع تثير غضب بعض أصحاب المصالح والمتفلتين، خاصة أولئك الذين وجدوا في الحرب فرصة للنفوذ والابتزاز.
اختطاف قاسٍ
في إحدى الليالي، اختفى الناظر مأمون.
لاحقًا عرفت أسرته أنه اختُطف إلى مكان خارج المنطقة، حيث ظل محتجزًا قرابة شهر كامل.
طالب خاطفوه بفدية بلغت 25 مليار جنيه، وتعرض خلال الاحتجاز لمعاملة قاسية، فيما تعرض ابنه بشرى للضرب المبرح.
تحت ضغط الخوف على حياته، استجابت الأسرة، وحولت المبلغ عبر تطبيق “بنكك”، قبل أن يُطلق سراحه منهكًا ومتعبًا.
عاد إلى منزله وهو يحمل آثار المرض والإعياء، بينما كانت سيارته قد نُهبت، ومنزله تعرض للسلب، في حادثة قال الأهالي إنها طالت منزله وحده دون بقية المنازل.
قرار الرحيل
بعد تدهور حالته الصحية، اقتنع الناظر أخيرًا بمغادرة المنطقة.
رتب للخروج بصعوبة، ووصل إلى كوستي، حيث سلم نفسه طواعية للجيش والاستخبارات.
خضع لتحقيق استمر نحو شهر كامل، قبل أن يُطلق سراحه بعد أن تفهمت الجهات الأمنية الظروف التي بقي فيها وسط أهله خلال الحرب.
عاد الرجل إلى قريته معتقدًا أن العاصفة انتهت.
لكن ما كان ينتظره هذه المرة لم يكن الحرب، بل خصومات قديمة وجدت في أجواء الحرب فرصة للانتقام.
حملة التخوين
بدأ الأمر ببلاغ يتعلق بعربة قال أصحابها إنها فقدت بواسطة قوات الدعم السريع، واتهموا الناظر بالتسبب في ذلك، رغم أن دوره اقتصر على محاولة التوسط بين الطرفين.
وفي أحد أيام الجمعة، بينما كان خارجًا من المسجد، جرى اعتقاله وسط ذهول الأهالي.
لكن القضية لم تتوقف عند حدود العربة.
سرعان ما تحولت إلى حملة تخوين واسعة، قادتها مجموعة اتهمها الأهالي بالسعي لتصفية حسابات شخصية وأسرية قديمة.
توسعت الاتهامات من “قضية عربة” إلى “التعاون مع الدعم السريع”، وبدأت شهادات بعض الشهود تنحرف من الوقائع الأصلية إلى خطاب التخوين السياسي.
حكم صادم
مع تصاعد القضية، شعر كثيرون في المنطقة أن المسألة تجاوزت العدالة إلى محاولة كسر رمزية اجتماعية كبيرة داخل النيل الأبيض.
ثم جاءت الصدمة الأكبر: الحكم بالإعدام على الناظر مأمون هباني.
انتشر الخبر كالنار، وأثار غضبًا واسعًا وسط قبائل الكواهلة والحسانية والحسنات، التي خاطبت رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، مطالبة بالتدخل حفاظًا على السلم الاجتماعي.
وتوالت بيانات التضامن من قيادات أهلية وطرق صوفية وشخصيات سياسية وحقوقية.
كتب مبارك أردول مطالبًا بإطلاق سراحه، كما تحدث عبد الرحيم عمر وإبراهيم غندور وصلاح مناع وآخرون عن دوره في حماية الأهالي أثناء الحرب.
اختبار العدالة
اليوم، لم تعد قضية الناظر مأمون هباني مجرد ملف جنائي داخل محكمة، بل تحولت إلى قضية رأي عام واختبار حساس لفكرة العدالة نفسها في زمن الحرب.
رجل سبعيني بقي وسط أهله حين غادر كثيرون، وحاول، بحسب روايات واسعة من سكان المنطقة، أن يمنع الدم ويحمي المدنيين، يجد نفسه الآن في قلب واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في النيل الأبيض.
ومع استمرار النداءات والمبادرات، وتدهور وضعه الصحي بعد إصابته بكسر في ساقه، يبقى السؤال الذي يتردد في المجالس والقرى هناك:
هل يُعاقب الرجل لأنه اختار البقاء وسط أهله زمن الحرب، أم لأن الحرب نفسها فتحت أبوابًا واسعة لتصفية الحسابات القديمة؟