
بقلم: يوسف الغوث
باعتبار أن ثلاثيات الليل لعمر الطيب الدوش ليست مجرد نص مسرحي مفقود إختفى في دهاليز الرقابة أو أدراج دار الوثائق، بل هي مرآة وجودية تعكس بأعمق ما تكون العين أغوار النفس السودانية في مواجهة السلطة والموت والخوف والفقر والوحشة، فإن الرموز الثلاثة التي تقوم عليها هذه التحفة المفقودة والمتمثلة في الكلب والسكر والعسكري لا يمكن فصلها عن بعضها البعض البتة، بل تشكل كتلة واحدة متماسكة من القهر والوعي والانهزام والانتفاضة والثورة، كتلة لا يمكن تفكيكها لأنها في حقيقتها ليست ثلاثة أشياء منفصلة بل وجه واحد لحقيقة واحدة هي حقيقة الإنسان السوداني في زمن المدافع والمنافي والمجاعات والرصاص والنزوح..
إن العسكري هناك يمثل زمن (الديوك) بتعبير الدوش نفسه، أي تلك اللحظة المخيفة التي يأفل فيها الليل وينبلج الفجر فجأة ليكشف كل ما كان يختبئ تحت جناح العتمة، في لحظة إعلان انتهاء هدوء الليل المؤقت وبدء زمن المطاردة المفتوحة، وهو ليس شخصاً محدداً بعينه ولا ضابطاً بعينه أو جندي محدد بل هو فكرة متجسدة في زي وخوذة وحذاء ثقيل يطبع الأرض بطبعات لا تمحى،،وهو فكرة تقول إن الجسد كله للإنسان ولكن الروح كلها للثكنة والتعليمات العسكرية وإن الكتابة جريمة كبرى لا تغتفر، وإن الصمت هو الفضيلة الوحيدة التي تليق بالمواطن الصالح، وإن الخرطوم كلها من جنوبها إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها ليست أكثر من خشبة مسرح عملاقة يدير حركتها ويوزع أدوارها ضابط (اصنج)لا ينام يمسك بيده سوط من نار وقفاز من حديد…
وفي مقابل هذا العسكري(الدمك)والذي يملأ كل الأفق رقابة وسياطاً وعيوناً وآذاناً وأبواباً تغلق من دون مفتاح، يأتي الكلب ممثلاً (زمن الدهشة المذعورة)على حد تعبير النقاد الذين كتبوا عن الدوش في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فالكلب ليس حيوانا عابرا في زقاق ولا كائناً هامشياً يمر في المشهد ثم يختفي، بل هو رفيق التشرد الأول والصديق الأبدي للشارع الموحل، وهو رمز التبعية والولاء الأعمى الذي يظن أنه يحرس البيت وهو لا يحرس في الحقيقة سوى وهم البيت وخياله، فهو الكائن الذي ينبح عاليا بحيث لا يسمع في النهاية أحد سواه، ويلهث بلسانه الطويل والذي يشبه لهاث الصحراء في حلق الجياع الذين أضاعوا الطريق إلى رغيف الخبز، فبينما العسكري يقمع بالصوت العالي والنظام الصارم فإن الكلب يقمع بطريقة مختلفة وأعمق، يقمع بالولاء الأعمى والتطوع بالطاعة والمراقبة اليومية الصغيرة المملة التي تجعل الإنسان يشعر بأن عيناً تراه من كل مكان حتى في حميمية غرفته المغلقة، وبأن أذنا تسمع كل ما يقول حتى لو همس في آخر الليل.
لكن هناك مهربا واحداً دائماً، نافذة صغيرة لا تغلق أبدا، يبقيها الدوش مفتوحة كآخر بصيص أمل في زنزانة مغلقة من حديد وظلام، ألا وهو (زمن السكارى) الذي يعتبره الكثير من دارسي الأدب السوداني قلب الثلاثية النابض وروحها الحقيقية، ذلك الزمن الذي لا يعني السكر فيه غياب الوعي أو تساقط الحواس أو الهبوط إلى قاع الدونية، بل يعني صحوة بديلة لا تتوفر في اليقظة العادية، وحتي الهذيان ليس هذيانا بالمعنى الدوني السفلي، بل يكون بمثابة لغة الحقيقة الصادمة التي لا يجرؤ عليها الإنسان الصاحي الخائف المتردد،فزمن السكاري يعتبر بمثابة الملاذ الأخير للمعدمين من فقرهم المدقع، وغالبا ما يكون بمثابة الكنيسة الخاصة بالمطرودين من صلوات الجماعة الرسمية، اوالحفلة الحميمة التي يسقط فيها كل قناع ويتعرى كل شيء،…
بهذه الروحية وحدها يصبح السكر احتجاجاً وجودياً صارخاً لا يمكن لأي عسكري أن يصادره ولا لأي كلب أن ينبح ضده، لانه فعل التمرد الأسمى،،
فهو غياب بقصد ،،لمشاهدة الحقيقة، وهو التعثر الذي يسمح بالطيران فوق الأسوار، وهو النشوة الدائمة التي تتحمل رؤية العسكري والكلب والجوع والبرد في وقت واحد،
هكذا تتشابك هذه الرموز الثلاثة في نسيج واحد لا ينفك ولا يمكن لأحد أن يفصل خيوطه، حيث لا يمكن فهم طغيان العسكري دون الكلب الذي يخدمه تارة ويشاركه البؤس تارة أخرى، ولا يمكن فهم خنوع الكلب واستسلامه دون السكر كرد فعل طبيعي على عقود من الرقابة والمراقبة اليومية الصغيرة، ولا يمكن فهم قداسة السكر ونبل هيئته دون العسكري كسبب أولي وأخير لكل هذا التمزق الذي يصيب الروح السودانية في كل جيل
في النهاية وعند الانتهاء من تأمل هذه الثلاثية المفقودة بعمق وصدق، نخرج منها مباشرة وبلا وسيط بوصفة دقيقة ومحددة لما يمكن تسميته بالوجودية السودانية، تلك الفلسفة الخاصة التي لم تولد في قاعات أوروبا الباردة على يد سارتر ولا في حانات باريس ولا في مقاهي برلين، بل ولدت في أزقة الخرطوم الموحلة وعلى أرصفة أم درمان المتسخة وفي زنازين كوبر والفاشر وام روابة ،،حيث يتساوى الموت جوعاً مع الموت رصاصا وتصبح القصيدة الواحدة سلاحاً لا يقل خطورة عن أضخم بندقية في ترسانة أي جيش.