إبراهيم هباني
في أمة أنهكتها الحرب، خرج الجنرال عبد الفتاح البرهان في 29 أبريل 2025 من بورتسودان ليقول عبارته التي صارت عنواناً لحالة كاملة:
“لا مجد للساتك… المجد للبندقية.”
كان حديثُ قائد الجيش أقربَ إلى بيانٍ مكتوب داخل غرف الحركة الإسلامية، لا خطاب قائد جيشٍ يُفترض أن يتحدث بإسم الوطن.
كان صدى الفكرة القديمة ذاتها: أن الدولة تُحكم بالقوة، وأن الرصاصة أصدق من السياسة، وأن البندقية أهم من الناس.
لكن التاريخ كان له رأي آخر.
قبل عقود، وفي ثورةٍ سابقة، قال فاروق أبو عيسى عبارته الخالدة التي أصبحت جزءاً من ذاكرة السودان:
“المجد للمتاريس.”
لم تكن المتاريس حجراً فحسب، بل موقفاً… موقف شعبٍ يؤمن أن مقاومة الظلم تبدأ من الشارع، لا من فوهة السلاح.
وعندما جاءت ثورة ديسمبر 2018، كان الشارع أكثر إبتكاراً من السلطة.
إبتكر الثوار اللساتك — إطارات السيارات التالفة — كمتراس حديث يحمي المواكب من رصاص الأمن الشعبي وهجمات كتائب الحركة الإسلامية المعلّبة بالشعارات الدينية.
وفي لحظة فارقة، أعاد عمر الدقير الروح لعبارة أبو عيسى حين قال في ذلك اليوم الذي دق فيه إخوان الشيطان أول مسمار في نعش دولة الحرية والعدالة والمساواة المرجوّة:
“المجد للساتك… المجد للمتاريس.”
كانت تلك الكلمات إعلاناً واضحاً أن الشعب يُمجّد أدوات المقاومة المدنية، لا أدوات القمع.
وهنا إنفجرت الفجوة بين مشروعين متناقضين:
مشروع يرى المجد في وعي الناس.
ومشروع يرى المجد في البندقية التي تحرس سلطة التنظيم.
ولم تكن عبارة البرهان بعيدة عن هذا “الجنون” الذي لازم الحركة الإسلامية، ذلك الهوس بالسلاح الذي جعلهم يُربّون عشرات المليشيات: الأمن الشعبي، الأمن الطلابي، الدفاع الشعبي، وكتائب الظل، ومليشيات جهوية، وأخرى قبلية.
حتى ظهرت كتيبة البراء بن مالك — الكتيبة الجهادية التي لا تخفي أنها ضد مفهوم الدولة نفسها — تمدّ رقبتها لتناطح الجيش، وتهدد قادته إن فكروا في السِّلم أو التفاوض، وكأن الوطن بحاجة لحرب دائمة كي يبقى في قبضة التنظيم.
هكذا وجد الجيش السوداني نفسه في موقف عبثي:
يحارب في الجبهات، ويُدار من الكتائب، ويُلقَّن خطاب الحرب من الحركة الإسلامية قبل أن يسمع صوت الشعب.
وبدا المشهد كما لو أن البرهان، وهو يقول “المجد للبندقية”، كان يعلن إنضمامه العلني إلى مشروع يقدّس الحرب ويحتقر السلام… كأن البلاد لا تُبنى إلا على أنقاضها.
لكن الحقيقة التي يعرفها أبناء ديسمبر جيداً هي أن المجد لم يكن يوماً في البندقية.
المجد كان في تلك اليد التي تُشعل الساتك لتفتح طريقاً آمناً للمواكب.
وفي المتاريس التي بناها الناس بالحجارة والأخشاب ليحموا حلمهم.
وفي المواقف التي تقول: إن الوطن أكبر من التنظيم، والإنسان أهم من الرصاصة.
وهكذا إختصر السودان معادلته التاريخية:
حين يُمجِّد البرهان البندقية… يُمجِّد الشعب المتاريس.
وحين يرفع العسكر السلاح… يرفع الناس الوعي