تحليل أفريقيا
*ما ينبغي لترامب أن يعرفه قبل شن هجوم “مفتوح” على نيجيريا*
البلاد تعاني من عنف مروع – لكن معاداة المسيحية ليست هي القوة الدافعة والجناة ليسوا جميعهم متشابهين
*بقلم تايوو حسن*
في عطلة نهاية الأسبوع الواحدة، لم يقم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإحداث ضرر بالعلاقات الودية السابقة مع حليف أفريقي مهم فحسب، بل تعهد أيضًا بالتدخل العسكري الأمريكي في واحدة من أكثر مناطق الصراع تعقيدًا في العالم.
في 31 أكتوبر/تشرين الأول، صنف ترامب نيجيريا، أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان وأحد القوى الإقتصادية فيها، ” دولة مثيرة للقلق بشكل خاص ” بسبب “التهديد الوجودي” الذي يواجهه المسيحيون في الدولة الواقعة في غرب أفريقيا، والذين زعم أنهم يتعرضون “لمذبحة جماعية” على أيدي “الإسلاميين المتطرفين”.
وفي اليوم التالي، حذر من أنه إذا إستمرت الحكومة النيجيرية في السماح بقتل المسيحيين، فإن الولايات المتحدة ستوقف على الفور كل المساعدات والدعم لنيجيريا، و”قد تذهب إلى هذا البلد المخز الآن، مدججة بالسلاح”.
ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها ترامب دولة غنية بالنفط يبلغ عدد سكانها نحو 230 مليون نسمة، فإن التهديد بالعمل العسكري جديد ويمثل تصعيداً غير مسبوق.
تعتبر واشنطن نيجيريا أحد أهم شركائها في أفريقيا . وحتى فبراير، عندما جمّد ترامب المساعدات الخارجية، كانت نيجيريا تحتل المرتبة الثالثة بين الدول المتلقية للمساعدات الإنسانية الأمريكية في أفريقيا جنوب الصحراء. ومع ذلك، إستمر التعاون الوثيق بين البلدين، لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب.
منذ عام 2017، تلقت نيجيريا مساعدات أمنية أمريكية قُدِّرت، حتى يناير/كانون الثاني، بنحو 650 مليون دولار، منها 500 مليون دولار مبيعات عسكرية خارجية. وفي أغسطس/آب، وافقت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية على صفقة بيع أسلحة بقيمة 346 مليون دولار لدعم نيجيريا في حربها على الإرهابيين الإسلاميين وتهريب المخدرات في خليج غينيا.
بعد أن أثارت تهديدات ترامب إستياء الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، نفى وصف ترامب للوضع في بلاده، مؤكدًا لواشنطن التزامه بحماية أرواح جميع النيجيريين بغض النظر عن ديانتهم. ومع ذلك، فإن العديد من النيجيريين الذين راقبوا لسنوات عجز الدولة النيجيرية مع تفاقم إنعدام الأمن، يرحبون بتهديد ترامب بالتدخل العسكري إذا نجح في إنهاء العنف فيما فشلت فيه الحكومة.
في الواقع، لم يأتِ إنتقاد ترامب لنيجيريا من فراغ. بل هو نتيجة مباشرة لسنوات من فشل الحكومات النيجيرية المتعاقبة في حماية مواطنيها في مواجهة عمليات قتل جماعي لا تنتهي للمسيحيين والمسلمين. وبالطبع، عندما تستمر عمليات القتل لسنوات – دون عواقب تُذكر للجناة، فإن الفرق بين عدم التحرك والموافقة الصامتة سرعان ما يتلاشى.
ولكن إقتراح ترامب بشأن الصراع ذي الدوافع الدينية يمثل رؤية أحادية البعد للوضع الكارثي على الأرض.
رغم أن الدين دائمًا ما يكون حاضرًا في خلفية ساحات الصراع المتعددة في نيجيريا، إلا أنه ليس دائمًا القوة الدافعة. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الدين سوى غطاء لعوامل أخرى، إقتصادية وبيئية وسياسية بالدرجة الأولى. ووفقًا لمركز بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة، وهو مركز أبحاث أمريكي، فإن ما يقرب من 53 ألف مدني قُتلوا في نيجيريا منذ عام 2009 نتيجة العنف السياسي هم أشخاص من جميع الأديان. وبينما سجلت نيجيريا حوالي 389 حالة عنف استهدفت المسيحيين بين عامي 2020 و2025، أسفرت عن 318 حالة وفاة على الأقل، كان هناك 197 هجومًا استهدف المسلمين خلال الفترة نفسها، مما أسفر عن 418 حالة وفاة على الأقل.
مشهد الصراع مُعقّد، إذ يمتد عبر مساحات جيوسياسية شاسعة وأسباب متداخلة. فالبلاد نفسها مُقسّمة بالتساوي تقريبًا بين جنوب ذي أغلبية مسيحية وشمال ذي أغلبية مسلمة، بينما يقع في قلبها الحزام الأوسط، موطن أكثر من 200 مجموعة عرقية، حيث عاش أتباع الديانتين، ومعظمهم من الرعاة المسلمين والمزارعين المسيحيين المستقرين، جنبًا إلى جنب لفترة طويلة.
في شمال شرق البلاد، حيث تشن جماعة بوكو حرام وفرع تنظيم الدولة الإسلامية الإقليمي (ISWAP) تمردًا دمويًا لإقامة خلافة إسلامية، يُعدّ المسلمون الضحايا الرئيسيين للعنف. منذ عام 2009، أدى العنف إلى مقتل أكثر من 40 ألف مدني، وإجبار أكثر من مليوني شخص على الفرار من ديارهم.
تعتبر جماعة بوكو حرام أي شخص، سواء مسيحيين أو مسلمين ، لا يقبل نسختها من الإسلام كافرًا. وفي الوقت نفسه، فإن الحوادث العنيفة الأكثر شهرة التي جعلت الجهاديين النيجيريين يتصدرون عناوين الصحف العالمية منذ أكثر من عقد من الزمان كانت في الغالب ضحايا مسيحيين. ويشمل ذلك إختطاف بوكو حرام لـ 276 تلميذة من قرية شيبوك في عام 2014، وبعد أربع سنوات، إختطفت جماعة الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا 110 تلميذات في ولاية دابشي يوبي. وبينما تم إطلاق سراح 104 من الفتيات بعد مفاوضات (قُتلت 5 أثناء الإختطاف)، لا تزال ليا شاريبو، وهي فتاة مسيحية صغيرة، محتجزة بعد سنوات لرفضها إعتناق الإسلام.
قد يُعطي التركيز على هذه القصص إنطباعًا مضللًا بأن المسيحيين هم الضحايا الرئيسيون للعنف في نيجيريا. في الواقع، لاحظ مسعد بولس، كبير مستشاري ترامب للشؤون العربية والأفريقية، الشهر الماضي أن بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا “يقتلان مسلمين أكثر من المسيحيين”.
هذا ليس مجرد جدال حول الأرقام. فعندما يستند مبرر العمل العسكري إلى إفتراضات غير دقيقة، فإن فرص النجاح لا تكون محدودة فحسب، بل تزيد أيضًا من خطر تورط الولايات المتحدة في “حرب أبدية” أخرى. عندما سُئل ترامب هذا الأسبوع عما إذا كان يفكر في غزو بري لنيجيريا أو شن غارات جوية، قال : “قد يكون هناك الكثير – أتصور الكثير”.
قد تستهدف الولايات المتحدة الجهاديين الإسلاميين في شمال شرق البلاد. لكن أي عمل عسكري خارج منطقة الحزام الأوسط في نيجيريا لن يحمي المسيحيين النيجيريين – على الأقل ليس بالطريقة التي يروج لها ترامب. فالحزام الأوسط هو المكان الذي عانى فيه السكان المسيحيون النيجيريون بشكل غير متناسب، مما يوحي بإستهداف ممنهج. هنا، لأكثر من عقدين، يخوض المزارعون المستقرون ورعاة الفولاني صراعًا داخليًا. ومن بين مرتكبي العنف الآخرين عصابات قطاع الطرق المسلحة التي تهاجم القرى وتسرق الماشية وتخطف الضحايا طلبًا للفدية.
وبحسب نتائج جديدة لمرصد الحريات الدينية في أفريقيا، فإن من بين ما يقرب من 36056 مدنياً قُتلوا في جميع أنحاء نيجيريا بين عامي 2019 و2024، كانت ميليشيات الفولاني، التي تُعتبر الجماعة الإرهابية الأكثر دموية في العالم، والتي تعمل داخل الحزام الأوسط والأجزاء الجنوبية من البلاد “مسؤولة عن 47٪ من جميع عمليات قتل المدنيين – أي أكثر من خمسة أضعاف إجمالي عدد القتلى في جماعة بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا”.
يُظهر تحليل البيانات تفاوتًا مُقلقًا. فقد قُتل ما يقرب من 3 “مسيحيين مقابل كل مسلم خلال هذه الفترة، مع خسائر نسبية للمجتمعات المسيحية وصلت إلى مستويات استثنائية. وفي الولايات التي وقعت فيها هجمات، كان معدل قتل المسيحيين أعلى بـ 5.2 مرة من معدل قتل المسلمين نسبةً إلى عدد سكانها”، وفقًا للتقرير.
ومع ذلك، ليس الدين هو الدافع الرئيسي وراء هذا العنف المروع، بل هو التنافس الحاد على موارد الأرض والمياه المتناقصة، إلى جانب عوامل أخرى ، مع أن كون الرعاة في الغالب من الفولانيين المسلمين، والمزارعين المستقرين في الغالب من المسيحيين، يدفع المراقبين أحيانًا إلى اعتبار الدين الدافع الرئيسي.
إن التدخل العسكري الأميركي في التضاريس المعقدة في نيجيريا، سواء من خلال الضربات الجوية أو القوات البرية، يحمل العديد من المخاطر، وخاصة الأضرار المدنية الواسعة النطاق، والتي تكون نتيجتها أن الوضع قد يصبح أسوأ مما هو عليه بالفعل.
———————————–
*تايوو حسن* هو صحفي مستقل وناشط نيجيري لديه اهتمام خاص بتعزيز أصوات الجنوب العالمي
*المصدر: مجلة RESPONSIBLE STATECRAFT الأمريكية*





