
عثمان يوسف خليل
في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات البيئية وتتزايد فيه الضغوط على موارد الطبيعة، يظلّ الماء أعظم النعم التي مُنحت للإنسان، وأكثرها التصاقًا بمعنى الحياة. هذا السائل الشفّاف، الذي يبدو بسيطًا وعاديًا، يخفي في جُزيئاته سرّ الوجود، ويقف خلف إستمرار كل نبضة حياة على وجه الأرض.
الماء في القرآن الكريم:
يذكّرنا القرآن الكريم بعظمة هذا السرّ الإلهي في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30].
هذه الآية ليست مجرد حقيقة علمية، بل هي إعلان ربانيّ بأن الماء أصل الخلق، وبدايته، وأحد أهم الشواهد على المعجزة الكونية التي تدير هذا العالم بدقة وميزان.
لماذا الماء كنزٌ لا يُعوَّض؟
1. أساس الحياة الزراعية
لا يمكن لأي بذرة أن تنبت، ولا لأي شجرة أن تُثمر، دون ماء. فالماء هو حامل الخُضرة، وسبب غذاء الإنسان والحيوان، وعصب الأمن الغذائي لأي أمة.
2. مكوّن رئيسي في أجسامنا:
يشكّل الماء أكثر من 60% من جسم الإنسان، وبدونه تتوقف آلاف العمليات الحيوية. إنّه الوقود الصامت الذي لا نراه، لكننا نحيا به.
3. محرّك النظم البيئية:
من دورة الأمطار، إلى مجاري الأنهار، إلى اتساع المحيطات… الماء هو النبض الذي يُبقي الطبيعة حيّة ومتوازنة، ويصنع تنوّعها وجمالها.
4. قضية عدالة اجتماعية:
بينما ينعم بعض البشر بالمياه العذبة طوال العام، يموت آخرون عطشًا أو بسبب الأمراض الناتجة عن تلوّث المياه. الماء ليس فقط مورداً، بل هو حقّ إنساني يحدد مستوى الكرامة والعيش الكريم.
التحديات التي تواجه هذا الكنز:
• الندرة: أكثر من مليار إنسان حول العالم لا تتوفر لهم مياه شرب آمنة.
• التلوث: أنهار ملوّثة، مياه جوفية تُنهَك، ومصادر تتعرض للدمار بفعل النشاط البشري.
• الهدر والإسراف: الاستخدام المفرط في المنازل والصناعات يزيد الأزمة تعقيدًا.
• التغير المناخي: وهو الجذر العميق للأزمات الحالية، يحرك موجات الجفاف القاسية والفيضانات المدمرة، ويعيد رسم الخارطة المائية للكوكب.
مسؤوليتنا تجاه الماء:
• الترشيد: إصلاح التسريبات، تقليل الاستهلاك، واستخدام الأجهزة التي توفّر المياه بذكاء.
• إعادة التدوير: الاستفادة من المياه الرمادية في الري والتنظيف.
• التوعية: نشر ثقافة إحترام الماء في المدارس والمنازل والمجتمع.
• الدعم التقني: تشجيع مشاريع تحلية المياه، والحلول المستدامة لمعالجة مياه الصرف.
خاتمة
الماء ليس مجرد مورد طبيعي؛ إنه أمانة في أعناقنا، وحمايته واجب ديني، وإنساني، وأخلاقي. فإهمال هذا الكنز جريمة ضد الحياة وضد الأجيال القادمة. لنعمل معًا كي لا تذهب قطرة ماء هباءً، بل لتكون نبضًا جديدًا يمدّ الأرض بالحياة.
“وفي كل قطرة ماء، تُكتب حكاية مستقبلنا.*
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة