هل يلغي تصريح روبيو، مهمة بولس..!

من بعيد

نشأت الإمام

من المهم قبل الدخول في عمق المشهد أن نفصل بين ما هو قراءة متسرّعة وما هو تغيير فعلي في هندسة القرار الأميركي. فالتصريح الذي أدلى به وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن الرئيس «يتولى شخصياً» ملف السودان، رغم قراءته من البعض باعتباره إنهاءً لمهمة المبعوث مسعد بولس، لا يحمل في جوهره إقالة واضحة ولا إعلاناً رسمياً لإبعاده. بل يعكس ــ في سياق أوسع ــ رغبة الإدارة الأميركية في الانتقال بملف السودان من مستوى المعالجة التقليدية إلى مستوى القيادة السياسية العليا، بما يعني أن الملف بات يخضع لتوجيه مباشر من البيت الأبيض، فيما يبقى دور بولس قائماً ولكن دون استقلالية القرارات التي ارتبطت بالمبعوثين عادة، وهو ما يُقرأ كتحجيم لدوره وليس إنهاءه بالكامل.

هذا التوضيح ضروري لأن كثيراً من التحليلات خلطت بين تراجع مستوى الاستقلالية وبين اختفاء الدور. في الواقع، ما يحدث هو تحويل مركز الثقل السياسي، فالرئيس يقود، والوزير يصرّح، والمبعوث ينفّذ. مع ذلك، فهذه الإشارة السياسية أحدثت ارتباكاً لدى بعض الأطراف السودانية التي كانت تنظر إلى بولس كشخصية خلافية، خصوصاً لدى قيادة الجيش، ما يجعل إبقاءه في الواجهة أو تقليص دوره جزءاً من حسابات واشنطن لإعادة ضبط علاقتها مع الأطراف المتصارعة.

من هذه النقطة يبدأ التحول الحقيقي في المقاربة الأميركية. فإعلان الاهتمام الرئاسي ليس مجرد رسالة دبلوماسية عابرة، بل تعبير عن مخاوف جيوسياسية متزايدة، أبرزها الحديث المتصاعد عن قاعدة روسية على البحر الأحمر. هذا التطور بالذات، إن صحّت ملامحه، يمثل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية، ويحوّل السودان من ساحة نزاع داخلية إلى ملف تنافس دولي عالي الحساسية. لذلك يمكن القول إن اللحظة التي خرج فيها تصريح الوزير ليست صدفة، بل جاءت كتأكيد أن واشنطن لن تسمح فراغ الحرب بأن يتحول إلى بوابة نفوذ دائم لموسكو في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.

وفي ظل هذا التحول، يصبح مفهوماً أن واشنطن أعادت فرض حضورها السياسي عبر بوابة «الاهتمام الرئاسي». فالسودان بالنسبة لها لم يعد أزمة بعيدة يمكن إدارتها عبر مبعوث خارجي، بل قضية أمن إقليمي تتقاطع مع صراع النفوذ العالمي. ومن هنا إكتسبت التحركات الأخيرة زخماً إضافياً، خاصة بعد زيارة ولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة، وما تبعها من تنسيق إقليمي أوسع يُعيد للرباعية (أميركا، السعودية، الإمارات، ومصر) دورها كمنصة أساسية لفرض وقف إطلاق النار ودفع الأطراف نحو مسار سياسي إلزامي لا اختياري.

الدور الإقليمي أعطى دفعة قوية للجهود الأميركية، لكنه أيضاً وضع واشنطن أمام إختبار عملي: هل تستطيع تحويل هذا الإجماع الإقليمي إلى مسار تفاوضي فعلي، في وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية للأطراف السودانية مع حسابات النفوذ الدولي؟ المسار ما زال غامضاً، فالمؤشرات الميدانية لا تدل على استعداد كامل من الطرفين للتنازل، وحتى عندما تُطرح هدنة إنسانية «غير مشروطة»، تبقى قابلة للإنهيار عند أول إشتباك.

ومع ذلك، فإنّ واشنطن — بقيادة مباشرة من الرئيس — تراهن على أن اللحظة الراهنة قد تكون الفرصة الأخيرة قبل أن تُقفل النافذة الدبلوماسية، سواء بسبب توسع النفوذ الروسي أو بسبب انقسام أعمق داخل السودان. لذلك يتقاطع خطابها اليوم بين التحذير والضغط والتلويح بالعقوبات، وبين السعي إلى فرض إطار سياسي جديد يعيد السودان إلى المدار الإقليمي والدولي بعيداً عن محاور الحرب.

في المشهد العام، السودان يقف اليوم عند منعطف حاسم. المبعوث لم يُلغَ، لكن دوره تغيّر. والبيت الأبيض لم يضخّم اهتمامه عبثاً، بل لحماية توازنات إقليمية ودولية تهتز تحت وقع حرب طويلة. أما الأطراف السودانية، فهي بين اختبارين: إما التقاط اللحظة السياسية الجديدة والانخراط في مسار ينهي النزاع، أو الاستمرار في حرب قد تُدخِل البلاد في محور دولي لا تسمح به موازين القوى الحالية.

الأسابيع القادمة ستكشف ما إذا كان هذا التصعيد في الاهتمام الأميركي سيترجم إلى اختراق سياسي حقيقي، أم سيظل مجرد ضغط دون اتخاذ خطوات واضحة وحاسمة نحو وضع نهاية لمأساة الشعب السوداني وايقاف هذه الحرب التي من المرجح إن طال أمدها، أن يمتد تأثيرها على كامل المنطقة.

في كل الأحوال، السودان أمام منعطف جديد، والقرارات التي تُتخذ الآن قد ترسم مساره لسنوات طويلة مقبلة.

 

 

Exit mobile version