رسالة إلى سمية سليمان (3)

عثمان يوسف خليل 

السيدة سمية سليمان،

لكِ التحايا كلّها، والود كما تحبين، وبعد…

يا سمية، والعام يلملم أطرافه مودِّعًا، اسمحي لي أن أواصل معك هذا البوح الذي بدأناه معًا في رسالتين سابقتين. هذه رسالتي الثالثة، أحاول فيها أن أرسم لك صورة مختصرة، قدر الإمكان، عن وجع الإبداع، وتحديدًا وجع الكتابة.

تحدّثنا من قبل عن الكتابة بوصفها فعلًا، وعن الرسائل بوصفها أحد أشكالها الأكثر حميمية. لكن السؤال الذي ظلّ معلقًا في ذهني: هل سألتِ نفسك يومًا كيف يكتب أحدهم؟ وهل للكتابة وجع فعلًا؟ وإن كان لها وجع، فهل يشبه سائر الأوجاع أم أنه وجع من نوع آخر؟

وبما أنكِ طبيبة، دعيني أضعكِ في موضع الامتحان: ماذا تقولين لمن يعاني من وجع الكتابة؟ كيف تشرحين حالته؟ وبأي دواء تُداوينه؟

سأحاول هنا أن أجيب بطريقتي، لا كطبيب، بل كمصابٍ بوجع الكتابة.

فالكتابة، يا سمية، لا تبدأ بالقلم ولا تنتهي بالورق. هي تبدأ بالتفكير، والتفكير – كما تعلمين – عملية شاقة، معقدة، لا تخلو من الألم. هو اشتباك مستمر مع الفكرة، ومحاولة لترويضها، وإعادة تشكيلها، حتى تستقيم على هيئة معنى يمكن احتماله.

من يكتب، يُجبر أولًا على أن يختار عنوانًا. والعنوان ليس ترفًا ولا زينة، بل عتبة النص الأولى. كثير من الأفكار الجادة، والعميقة، أُهملت لا لضعفها، بل لرتابة عناوينها، ولعجز أصحابها عن الإمساك بتلك الجملة الأولى التي تُغري القارئ بالدخول.

الكاتب الناجح – في ظني – هو من يتسلح بالمعرفة، لا ليستعرضها، بل ليقود بها قارئه في هدوء. يسوقه دون عنف، ويقنعه دون وصاية. يراعي عقل القارئ، فيبتعد عن التكرار الممل، ويتواضع أمام الفكرة، فلا يتعالى ولا يتصنع الحكمة.

وجع الكتابة، يا سمية، يظهر أيضًا في تلك اللحظة التي يُجبر فيها الكاتب على محاسبة نفسه قبل أن يُحاكمه الآخرون. أن يراجع ما كتب بصرامة، وأن يشك فيه، وأن يسمح لغيره – ممن يثق بعقولهم – أن يقتربوا من نصه، لا ليجاملوا، بل ليشيروا إلى مواضع الضعف بلا رحمة.

ولهذا، فالكتابة ليست عزلة كاملة كما يظن البعض، بل هي عزلة يتبعها انكشاف. من يكتب، يعرّي فكرته أولًا، ثم يعرّي نفسه دون أن يقول ذلك صراحة.

أما وجع الكتابة الحقيقي، فهو أنك تظل تكتب، وأنت غير متيقن إن كان ما تكتبه سيصل كما أردت، أو سيُساء فهمه، أو سيمرّ عابرًا بلا أثر. ومع ذلك، تكتب. لا لأنك شُفيت، بل لأن الكتابة نفسها هي الداء وهي الدواء في آنٍ واحد.

هذه، يا سمية، بعض من وجعنا نحن معشر الكُتّاب.وجع لا يُرى في الأشعة، ولا يُقاس بالتحاليل، لكنه حاضر، عنيد، ومقيم.

وللحديث بقية… حين يتّسع الصبر، ويضيق الصمت، بس بالله ابقي طيبة لمحبيك..

عثمان يوسف خليل 

المملكة المتحدة

Exit mobile version