
لواء شرطة (م) د. عصام الدين عباس احمد
الرؤية المستقبلية للقطاع الأمني: من الشعب واليه
أجهزة أمنية وعسكرية محترفة، شفافة، ومسؤولة أمام القانون
يشكّل بناء أجهزة أمنية وعسكرية محترفة، شفافة، ومسؤولة أمام القانون حجر الأساس للتحول من واقع التفكك والعنف إلى منظومة أمنية قومية راشدة. يقوم هذا النموذج على قوات تتشكل وفق معايير الكفاءة، ويُنتسب إليها عبر نظم اختيار عادلة لا تخضع للمحاصصة أو الولاءات الضيقة، بل تنحاز للخبرة والانضباط والالتزام بالعقيدة العسكرية الوطنية. الشفافية هنا شرط استراتيجي لبناء الثقة مع المواطنين وضمان خضوع المؤسسة الأمنية للرقابة المؤسسية والمجتمعية.
تماسك وتنسيق فعال بين جميع الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية
في المشهد المستقبلي المأمول، يُعد التماسك والتنسيق الفعّال بين جميع الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية شرطًا جوهريًا لقيام قطاع أمني قادر على حماية الدولة والمجتمع بكفاءة عالية من خلال بنية متكاملة لا تتنافس فيها المؤسسات ولا تتنازع الصلاحيات، بل تتكامل الأدوار وفق عقيدة وطنية موحّدة تقوم على تبادل المعلومات، ووحدة القيادة والسيطرة، وتحديد واضح للمهام والمسؤوليات. التنسيق الفعّال لا يعني دمج الاختصاصات أو دمج الأجهزة في كيان واحد، بل يعني بناء نظام متكامل ومتفاعل تتدفق فيه البيانات بسلاسة، وتُدار القرارات بصورة جماعية تضع المصلحة الوطنية في مقدمة الاعتبارات مما يحول القوى الأمنية والعسكرية إلى منظومة متناغمة، قادرة على الاستجابة السريعة للمخاطر، واحتواء النزاعات قبل تفاقمها، وتطبيق القانون دون ازدواجية أو تضارب.
انهاء ظاهرة تعدد الجيوش والميليشيات غير النظامية
في الصورة المستقبلية، يُعد إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش والمليشيات المسلحة خطوة مركزية لإعادة بناء الدولة واستعادة احتكارها المشروع للقوة. فالوضع المثالي لا يقوم على قوى متوازية أو مسلحة خارج نطاق القانون، بل على جيش وطني واحد يخضع لسلطة مدنية ديمقراطية، ويمتلك عقيدة موحّدة تقوم على حماية الوطن والمواطن، لا حماية الأفراد أو الجماعات أو مصالح اقتصادية موازية. في هذا النموذج المأمول، يتم تفكيك أو دمج التشكيلات المسلحة كافة ضمن إطار قانوني ومهني واضح، عبر عمليات تسريح وإعادة دمج مدروسة، تترافق مع مسارات جبر ضرر وضمانات عدم العودة للعنف. يندمج المقاتلون المؤهلون في مؤسسات الدولة وفق معايير مهنية صارمة، بينما تُوفر برامج بديلة للذين لا يستوفون شروط الالتحاق، بما يمنع إعادة إنتاج العنف أو تحوله إلى اقتصاد إجرامي.
إن توحيد السلاح بيد الدولة لا يعني فقط استعادة السيطرة الأمنية، بل يمثل تحولًا عميقًا نحو بناء دولة حديثة قادرة على فرض القانون، ومنع النزاعات، وصناعة سلام مستدام. عندها يصبح الجيش مؤسسة وطنية تحظى بثقة المجتمع، وتعمل في إطار دستور وقوانين شفافة، بعيدًا عن منطق الفصائلية والمحاصصة والسلاح المنفلت. هذا هو الأساس الذي يمنح السودان القدرة على الانتقال من واقع التشرذم إلى دولة قوية مستقرة قوامها جيش واحد وولاء واحد هو الولاء للوطن.
ثقة المجتمع المدني العالية في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية
لا جدال ان ثقة المجتمع المدني في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية تُشكّل علامة فارقة على نجاح الإصلاح وبناء الدولة الحديثة. ففي الوضع المثالي، يُنظر إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية على أنها حامية للمواطنين وملتزمة بالقانون والدستور، لا كأداة للسلطة أو للهيمنة على المجتمع. هذه الثقة تنشأ من شفافية العمليات، ومساءلة المسؤولين، وتفاعل مستمر مع المجتمع المدني، بما يعزز شعور المواطنين بالأمان والمشاركة في صياغة السياسات الأمنية.
تعمل المؤسسات الأمنية في هذا النموذج على إشراك المجتمع المدني في التخطيط والمتابعة، وتوفير قنوات واضحة للإبلاغ عن الانتهاكات أو تقديم المقترحات، مع ضمان حماية المبلغين ومحاسبة المخالفين. ومع توحيد الرسالة والقيادة، واستقرار أداء القوات، تتعزز ثقة المواطنين ليس فقط في حماية أرواحهم وممتلكاتهم، بل في قدرة الدولة على إدارة النزاعات بفعالية واحتواء الأزمات قبل تفاقمها. هذه الثقة المتبادلة بين المجتمع المدني والأجهزة الأمنية تُعد ركيزة أساسية لاستدامة السلام، ولتحويل القطاع الأمني من قوة تثير الخوف إلى مؤسسة تكرّس الاستقرار والمواطنة الفاعلة.
من الأزمة إلى الإصلاح: مسار التغيير في القطاع الأمني والعسكري
بعد أن تم توصيف الراهن بكل ما يحمله من اختلالات، وتبلورت الصورة المنشودة لقطاع أمني موحد ومهني وشفاف، تبرز المرحلة الأكثر الحاحا: كيف السبيل لذلك؟ هنا يتحول التحليل من التشخيص والرؤية إلى الفعل والتنفيذ، حيث تتقاطع السياسة مع المؤسسية، والتأهيل مع التشريع، والمجتمع مع الدولة في مسار واحد نحو بناء منظومة أمنية حديثة. الطريق إلى الوضع المثالي ليس قفزة في الظلام، بل هو سلسلة من التدخلات المتدرجة التي تعالج جذور الأزمة وتتجاوز آثارها، وتستند إلى منهجية تغيير واضحة توفر الجسور الضرورية بين ما نملكه اليوم وما نطمح إليه غدًا. من خلال هذا المسار الانتقالي تتشكل قواعد التحول، ويعاد تعريف القوة بوصفها حماية، وتصبح المؤسسات الأمنية أداة لبناء الدولة. في هذا السياق، تأتي المحاور التالية لتقديم خارطة عملية تحدد الوسائل والخطوات والإصلاحات التي يمكن بها عبور المسافة من التشظي إلى الوحدة، ومن العنف إلى الشرعية، ومن الواقع المأزوم إلى الوضع المثالي الممكن تحقيقه.
الإصلاح المؤسسي
الخطوة الأكثر الحاحا وتتبوأ أولوية قصوى في رحلة الإصلاح هي معالجة الاختلالات المؤسسية من خلال إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية. يشمل ذلك وضع نظم صارمة للاختيار والتدريب والترقية تعتمد على الكفاءة، وإرساء آليات رقابة ومحاسبة داخلية وخارجية، وتحديث البنية التحتية والدعم اللوجستي، مع تطوير نظم المعلومات والاتصالات لتعزيز التنسيق بين الأجهزة. كما يرتبط الإصلاح المؤسسي بإشراك المجتمع المدني في صياغة السياسات ومتابعة الأداء، ما يعيد الثقة ويحوّل القطاع الأمني من منظومة مشتتة وهشة إلى هيئة متكاملة وموحدة تحت سلطة القانون، قادرة على حماية الدولة والمجتمع بفعالية واحترافية.
التدريب والتأهيل وبناء القدرات
التدريب والتأهيل هما حجر الزاوية لبناء قطاع أمني وعسكري محترف وملتزم بالقانون. ويشمل هذا بناء قدرات الكوادر على المعايير الدولية لحقوق الإنسان وحماية المدنيين، بما يضمن أن كل عملية أمنية أو عسكرية تُنفذ بطريقة تحترم حقوق المواطنين وتعزز سلامتهم. كما يركز على بناء قدرات قيادية وإدارية متقدمة داخل الأجهزة، بحيث يصبح القادة قادرين على اتخاذ قرارات استراتيجية قائمة على التخطيط السليم، وإدارة الموارد بفعالية، وتعزيز التنسيق بين الوحدات المختلفة. من خلال هذا التدريب المستمر والتأهيل المتخصص، تتحول المؤسسات الأمنية من كيانات روتينية وعشوائية إلى هيئات قادرة على الأداء الاحترافي، وضمان احترام القانون، وتحقيق الاستقرار والأمن للمجتمع بشكل مستدام.
انهاء ظاهرة تعدد الجيوش
لن تجدي إجراءات الشفافية والمساءلة ولا برامج بناء القدرات في ظل تمدد ظاهرة تعدد الجيوش وتناسل المليشيات ولذلك فان دمج أو تفكيك القوات غير النظامية يشكل خطوة استراتيجية أساسية نحو بناء قطاع أمني وعسكري موحّد ومحترف. يشمل ذلك برامج دمج الميليشيات والفصائل المسلحة ضمن القوات النظامية بعد تدريب وتأهيل متكاملين، لضمان التزامهم بالمعايير المهنية والقانونية، واستثمار خبراتهم في خدمة الدولة والمجتمع. في الوقت نفسه، يتم تفكيك الجماعات المسلحة التي ترفض الانخراط ضمن الإطار القانوني، مع وضع برامج بديلة للاندماج المدني أو الدعم الاقتصادي والاجتماعي من خلال برنامج حماية اجتماعية موجه لمنع عودة العنف. هذا التدخل، يمكن الدولة من استعادة السيطرة على القوة المسلحة، وتوحيد جهود الأمن والدفاع تحت قيادة مركزية واضحة، ما يعزز الاستقرار، ويضع حداً لتعدد الجيوش والميليشيات، ويعيد الثقة بين المؤسسات والمجتمع المدني.
توطيد مدنية المؤسسة الأمنية وضبط المهام بينها والجيش
يعالج هذا الاجراء التداخل الوظيفي بين القوات المسلحة وأجهزة الأمن الداخلي عبر قصر دور الجيش على حماية الحدود والسيادة ومواجهة التهديدات الخارجية، في حين تُناط بالشرطة المهام المتعلقة بحفظ الأمن الداخلي، وإنفاذ القانون، وإدارة الحياة المدنية بمستوى عالٍ من الاحتراف واحترام الحقوق. غير أن الفصل لا يعني الانفصال التام، بل يتطلب تنسيقًا عملياتيًا محكومًا بهياكل اتصال ومعلومات مشتركة، يضمن جاهزية الاستجابة في الأزمات الكبرى دون تداخل في الصلاحيات أو عسكرة الفضاء المدني. ويستوجب هذا التحول إعادة هيكلة الشرطة لتكون خاضعة لسلطة مدنية تنفيذية وتشريعية رقابية، مع تحديث السلوك الوظيفي والضبط الإداري ومنظومات التدريب على حقوق الإنسان. ومن خلال هذا التوازن—فصلٌ في المهام ووحدةٌ في الغاية—يصبح الأمن الداخلي وظيفة مدنية محمية بالقانون، وتبقى القوة العسكرية احتياطًا استراتيجيًا للدولة لا لاعبًا داخل المجتمع، بما يعزز الثقة العامة ويضع الأساس لأمن مستدام ودولة مؤسسات لا دولة سلاح.
تعزيز الثقة المجتمعية
المجتمع هو معيار الأداء الحقيقي ومؤشر لمستوي التحول الذي تحقق ولقياس ثقة المجتمعات في مؤسستها الأمنية والعسكرية. بالتالي فان تعزيز ثقة المجتمع تمثل ركيزة أساسية في بناء قطاع أمني وعسكري محترف وشفاف ومسؤول. يقوم هذا المحور على إشراك المجتمع المدني في صياغة السياسات الأمنية واتخاذ القرارات، مما يضمن أن تعكس الإجراءات الأمنية مصالح المواطنين واحتياجاتهم الحقيقية. كما تشمل الجهود حملات توعية لتعريف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم الأمنية، ما يخلق بيئة تفاعلية قائمة على الثقة المتبادلة بين المجتمع والمؤسسات الأمنية. من خلال هذا التمكين المجتمعي، يتحول الأمن من سلطة تُفرض إلى خدمة تُقدّم، وتزداد ثقة المواطنين في الأجهزة الأمنية والعسكرية، ويُعزّز الالتزام بالقانون، وتُدعم فعالية القطاع في حماية الدولة والمجتمع بشكل مستدام.