خلع الملابس كتعبير إحتجاجى .. صدمة الفكر ومبارزة القيم!

علاء الدين بشير

◼️فى الايام الماضية إنصرف اغلب المعلقين والمتساجلين على الوسائط حول العرض المسرحى الذى قدمه الفنان ،محمد تروس وخلع فيه ملابسه الخارجية على المسرح فى فعالية ثقافية كبرى نظمها نشطاء سودانيين فى كمبالا ،عن مناقشة الفكرة وراء الخلع وانشغلوا بالخلع نفسه وبالجسد وما إذا كان تعبير تروس بهذه الطريقة التى بدت صارخة ومزعجة للكثيرين يناسب مقاييس القيم السودانية .. وفى خضم حالة الاستقطاب الحادة الناجمة عن الحرب وتداعياتها . دخل النقاش حول العرض إلى أزقة السياسة الخانقة ،وتلون إلى حد كبير بمواقف المتداخلين  وسخائمهم أيضا.

 *صدمة فكرية!* 

قصد تروس من خلال عرضه إحداث صدمة مزدوجة، بصرية وفكرية . المدرسة المفاهيمية فى الفن غايتها دائما تحريك الفكر من خلال الصدمة وليس العين .. العين مجرد وسيلة لنقل الصورة إلى العقل ،والجسد  المتحرر من الملابس كان هو الأداة لإيصال تلك الفكرة .. بعبارة أخرى، خلع تروس لملابسه الخارجية لم يكن تعريا وإنما لغة بصرية ورمزية للإزعاج والإيقاظ من الاستكانة وتسليط ضوء كاشف على القيم الاجتماعية والسياسية السائدة التى أنتجت عبر (غتغتتها) المحنة الوجودية التى يعيشها السودانيين اليوم .. سبق الراحلان مصطفى سيد احمد ومحمد الحسن سالم حميد إلى ذلك التعبير من خلال الصور الشعرية والغناء حينما رددا: 

 *أبيت الكلام المغتغت وفاضى وكضب* 

ورغم جهد تروس فى عرضه، ولكن يظل ما يجرى على مسرح الواقع السوداني المنكوب بالحرب وتداعياتها ومآسيها هو صدمة أقوى بما لا يقاس من اى محاولة للفت النظر إليها . وجاء منتوج صدمة تروس الاحتجاجية للفت النظر لمأساة الحرب أقل من التوقعات بكثير ،بل إنها فى تقديرى صرفت الناس عن الفعالية الكبيرة التى نظمت اصلا لخلق زخم شعبي للتعبئة من اجل الضغط لايقاف الحرب ، وشغلتهم عنها بالتركيز والمماحكة حول فعل الخلع نفسه بإعتباره تعبيرا فاضحا ومستهجنا فى ثقافة السودانيين، وليس الفكرة التى ورائه والتى هى أيضا إحدى غايات الفعالية المنظمة.

◼️ربما كان استهجان المستهجنين لعرض تروس ،لان الاحتجاج بخلع الملابس فى الثقافة السودانية لم يرتبط اصلا بالرجال ولا يعنى ذلك شيئا فى منظومة قيمها ،بل كان ولا يزال مسموحا للرجال فى بعض دوائر نفوذ الثقافة العربية الاسلامية وضمن امتيازهم الذكورى بتعرية النصف الأعلى من أجسادهم تماما أمام النساء فى دارة العَرْضة من اجل البُطان ، أو إستجابة لفزع نجدة غريق ونفير صد النيل: 

 *عجبوني أولاد الفرسان ملصوا البدل والقمصان وترسوا البحر خرصان* .

 *مُقْنَع الكاشفات!* 

 ولكن التعرية الجزئية للجسد كفعل نسوى كان ولا يزال تعبيرا إحتجاجيا صارخا عندهن لفتا للنظر الى المظالم وطلبا للنصرة ورفعا للقهر والضيم عنهن بصورة شخصية او لقضية تصدين لها ويمثلنها . ولم يكن الاحتجاج فى السابق يتم منهن بخلع الملابس الخارجية وإنما كان بكشف الرأس فقط حيث كان جسد المرأة كله قدس اقداس وحرم تمنع الأعراف والقيم الدينية الاقتراب منه إلا لذوى القربي من المحارم حسب ما حددتهم الشريعة الإسلامية . ومن هنا جاءت مقولات الاهازيج الفلكلورية عن (مُقْنَع الكاشفات) و(نحن سياج عروضهن) .. الخ من النصوص الذاخرة فى تراثنا الشعبي.

◼️فيما اظن ان التعبير الاحتجاجى النسوى بهذه الطريقة ،وفد إلينا فى السودان من الثقافة العربية الاسلامية الوافدة التى كانت تقمع الجسد الانثوى بعنف وتمنع طلاقته .. وتفاوتت حدود خلع النساء اجزاء من ملابسهن حسب تطور  المجتمع القيمي والمساحات المسموح بها لحدود التعبير الاحتجاجى .. فقد كانت المرأة اذا غضبت مثلا او تعرضت لاى شئ لا ترضاه او كانت ذات مكانة و ارادات استثارة حمية الرجال من قومها تحتج بكشف رأسها وفى بعض المناطق بخلع إزارها او مجرد التلويح بذلك فيهب الرجال من حالة الخنوع والكمون . وورد عندنا فى التاريخ كيف أن مهيرة إبنة ملك الشايقية ،عبود استطاعت رفع همة رجال مملكتها من أجل الإستعداد لمواجهة جيش الترك العرمرم الغازى والذى كانت أخبار إكتساحه وإخضاعه للمناطق الواقعة شمالهم قد ذاعت وأثارت الرعب ،فأنشأت مهيرة تنادى فيهم: 

 *ادونا سيوفكم وهاكم رحاطتنا* 

وكان الرحط هو الزى المقابل للثوب السوداني الذى تلبسه النساء حاليا فى السودان.

◼️كشف أجزاء أخرى من الجسد الانثوى كأحتجاج يكون حسب الثقافة والتطور ..لانه وفى عصرنا الحالى الرأس اصلا صار مكشوفا عند كثير من النساء  وكذلك الساقين والزراعين .. ولو يذكر الناس الخبر الذى انتشر فى نوفمبر 2024 ومعه صورة لفتاة إيرانية تدرس بإحدى جامعات بلادها تجردت من ثيابها الخارجية وبقيت بالداخلية فقط . كان ذلك منها التجسيد الأقصى للاحتجاج النسوى فى بلد مسلم محكوم بنظام إسلامى شديد الانغلاق والبأس على النساء. وكانت آلاف الفتيات الايرانيات قد سبقن تلك الفتاة فى  العام 2023 بخلعهن الحجاب المفروض عليهن من نظام الملالى الحاكم بيد من حديد ،وذلك خلال ثورتهن المتضامنة مع مقتل الشابة مَهْسَا امينى، بسبب التعذيب فى أحد مراكز الاعتقال بعد رفضها إرتداء الحجاب . النساء الايرانيات قبل نظام الملالى لم يكن محجبات وإنما يلبسن الملابس العصرية .. كان الحجاب قرارا شخصيا وغير مفروض بسلطة الدولة القهرية ..

 *تعرية الجسد كصراع حضارى* 

◼️قبل اكثر من أربعة عقود كانت إيران أيضا كانت مسرحا لأشهر حادثة احتجاج نسوى بخلع الملابس ، لكن التعبير الاحتجاجى الانثوى ذاك جاء من شخصية اجنبية وبدا صراعا للقيم بين حضارتين وليس إحتجاجا داخل نسق حضارى وثقافى واحد.

حدث ذلك فى اللقاء الشهير الذى أجرته أشهر صحافية فى العالم آنذاك ،وهى الإيطالية الراحلة ،اوريانا فالاتشي مع مرشد الثورة الإيرانية ،الإمام الخميني بعد فترة قليلة من نجاح الثورة عام 1979 .وحكت عنه فى كتابها الشهير:  *(مقابلات مع التاريخ ورجال السلطة)* .

عرفت فالاتشي بانها من حراس القيم الليبرالية الغربية الاشداء وبهذه الخلفية دخلت على الإمام الخميني .. كانت غاضبة جدا لأنهم اضطروها للانتظار عشرة أيام كاملة فى مدينة قم المقدسة حتى وافق الخميني المستريب من الصحافيين الغربيين إجراء المقابلة معها . وما فاقم غضبها أنها اضطرت أيضا للانصياع الصارم لتعليمات مساعدى زعيم الثورة الإيرانية ومرشدها ووصلت إلى مقر إقامته حافية القدمين واضطرت إلى تغطية كامل جسدها ب(التشادور) لباس النساء الإيرانيات التقليدي الذى غضبت جدا اول مرة حينما تم الزامها به واضطرت للقبول نظير قضاء ساعة مع الزعيم الإيراني محط أنظار العالم كله فى ذلك الوقت .

واجهت فالاتشي الخميني بوابل من الأسئلة الغاضبة والجريئة فى الوقت نفسه عن الحريات الصحافية والسياسية وعن إعدام المومسات والازواج الخائنين لبعضهم وعن حقوق النساء ومكانتهن التى قضت عليها الثورة وكان يجيبها بتبرم وجرأة أيضا من منطلق قيم الثورة الاسلامية دون تذويق او تجميل .. ثم طرحت عليه سؤالا مباغتا ومستفزا : كيف يمكنك أن تسبح وانت ترتدى التشادور ؟ 

اجابها الخميني بغضب واستفزاز : ملابسنا ليست من شأنك. لا علاقة لكم أيّها الغربيّون بعاداتنا. وإذا لم تكوني تحبّين لباسنا فلست ملزمة بأن ترتديه، لأن اللباس الإسلامي للنساء المحترمات”.

قالت فالاتشي أنها احست بغضب واختناق لأنها عوملت باحتقار وازدراء واضحين .

فقالت : شكرا لك يا سيد انت رجل مهذب وبما انك قلت هذا فسأخلع هذه الخرقة القروسطية السخيفة الآن”. وفي الحال خلعت فالاتشي التشادور وألقت به على أرضية الغرفة وبدت بملابسها المتحررة جدا .

قالت فالاتشي معلّقة على ما حدث: ما أن خلعت التشادور حتى نهض الرجل بخفّة. وبقفزة تشبه حركة القطط، داس في طريقه على التشادور ثم اختفى. واضافت :لكن كان عليّ الانتظار ثمانا وأربعين ساعة أخرى كي أراه ثانية وأختم المقابلة معه”. وذكرت انه فى المقابلة الثانية كان الخميني ينظر إليها باندهاش شديد من جنونها على الأرجح ثم ما لبث أن أبتسم ثم ضحك فضحك جميع مساعديه وحراسه فى القاعة .

 *التعرى النسوى كتوبيخ اخلاقى فى إفريقيا* 

◼️والتعبير النسائي الإحتجاجي بطريقة التعرى الجزئي لديه اصل ايضا فى الثقافة الافريقية .. فقبل سنوات وفى مدينة نيروبي عاصمة كينيا أثناء وجودى بها لتغطية مفاوضات السلام سمعت بقصة إحتجاج بطولية ،فقد قادت الناشطة البيئية الشهيرة، وانجارى ماثاى إحتجاجا لمجموعة من النساء الأمهات لمعتقلين سياسيا عام 1992 فيما عرف وقتها ب freedom corner ،حيث قامت ماثاى برفع ملابسها من تحت إلى فوق كاشفة جزئيا عن ملابسها التحتية وتبعتها بعض الامهات المحتجات فى ذلك ، وكان ذلك منهن تعبيرا ثقافيا إحتجاجيا فى سياق شرق إفريقيا يعد توبيخا اخلاقيا ولعنة رمزية ضد الظلم والقهر ،وليس فعلا فاضحا بمقاييس تلك الثقافة.

تكرر ذلك مجددا من الناشطة ماثاى بعد سنوات وذلك فى حديقة عامة ضخمة فى قلب المدينة تسمى Uhuru Park حينما قررت بلدية العاصمة بيع تلك الحديقة العامة لشركة اجنبية لإقامة فنادق بها، والحدائق هناك أشبه بالغابات لضخامة وخضرة اشجارها ووجود بعض الحيوانات والطيور الاليفة فيها ، أو بالأحرى أنها كانت بالفعل غابات ولكن زحفت عليها الحياة العصرية وحاصرتها وطردت منها الحيوانات البرية . قادت ماثاى احتجاجات وصدامات قوية مع السلطات تعرضت خلالها للضرب والاعتقال وتم تغطية تعبيرها الثقافى الاحتجاجي بصورة واسعة من وسائل الإعلام المحلية والعالمية الكبيرة والتى تحتضن نيروبي مكاتب إقليمية ضخمة لمعظمها ، بالصور الحية فيديو وفوتوغراف وتصدرت قصتها وصورتها الميديا المحلية والعالمية الامر الذى تسبب فى حرج بالغ للحكومة الكينية واضطر ذلك الرئيس الكينى وقتها دانيال اراب موى للنزول من علياء قصره الرئاسي  وإصدار قرار بإيقاف بيع الحديقة .. 

◼️نالت الناشطة البيئية وانجارى ماثاى بعد فترة  من تلك الواقعة الاحتجاجية ،جائزة نوبل للسلام لمجهوداتها الضخمة فيما عرف بمشروع حزام إفريقيا الأخضر فى كل القارة السمراء. ومؤكد كانت واقعة تعبيرها الاحتجاجى الرمزى بالتعرى الجزئي، فى قلب الجهود التى بَنَت عليها لجنة نوبل قرارها بمنحها الجائزة. 

توفيت ماثاى فى سبتمبر 2011 ،رحمها الله وجازاها بالإحسان .

وفى منتصف تسعينيات القرن الماضى ،قررت السلطات الايطالية ترحيل مجموعة من النسوة من غرب إفريقيا بسبب بقائهن دون إقامة قانونية إلى بلدانهن .. فى صالة الانتظار بالمطار أخرجت النسوة زجاجات زيوت وخلعن ملابسهن وقمن بمسح اجسادهن ودلق ما تبقى فى الصالة ،ثم إنطلقن فى جميع الاتجاهات . جاءت الشرطة إثر ذلك وبدأت مطاردتهن داخل ردهات المطار فتسبب الزيت المدلوق على بلاط الصالات فى سقوط رجال ونساء الشرطة الايطالية وكذلك انزلاق أجساد النسوة المدهونة بالزيت من بين أيديهم .. كان منظرا كوميديا اضحك جمهور المسافرين والداخلين إلى البلد عبر المطار .. فى النهاية تم العدول عن قرار ترحيلهن وتسوية اوضاعهن بتدخل بعض المنظمات الحقوقية التى مسألة الحق الثقافى فى طريقة الاحتجاج مقابل مقاييس الحياء العام الأوربية .

◼️كانت للسينمائية والمصورة الألمانية ،ليني رافينستال ،شغف غريب بتصوير الأجساد العارية مفتولة العضلات عند بعض  قبائل النوبة فى غرب السودان الأوسط .. كانت تأتى باطقم تصويرها فى رحلات دورية إلى قمم الجبال بحثا عن تلك الأجساد التمثالية العارية وذلك قبل أن تهوى مروحيتها التى تقلها من حالق ،مطلع الألفية فى حادث شهير نجت هى ومن معها منه ،ولكنها إنقطعت بعدها عن الحضور ، و كانت قد ناهزت اثناء زيارتها تلك عامها الرابع والتسعون . 

كان ولع رافينستال بالاجساد المفتولة العارية لبعض قبائل اهلنا النوبة فى حياة البداوة داخل كهوف وفى قمم وسفوح جبالهم ،فى أفلامها التى تنتجها ، امتداد لمفاهيم راسخة آمنت بها حينما كانت تعمل ضمن أطقم الدعاية النازية التى يقودها (غوبلز) الوزير الشهير فى نظام الرايخ . وتقوم تلك المفاهيم على خلق مشهدية سحرية بإبراز العضلات كرمز للقوة الألمانية والتأكيد للالمان أنكم اقوى مع الفوهرر!.

 *رجال محترمون بلا ملابس!* 

◼️عودا إلى بدء ، الإحتجاج الرجالى القائم على خلع الملابس كما فعل تروس لملابسه الخارجية، أمر نادر جدا حتى فى ثقافات الأمم الأخرى .. كان أشهره ما قام به نائب برلمانى مكسيكي فى العام 2013 إحتجاجا على (غتغتة) ما اعتبره فسادا أثناء نقاش تقرير للجنة الطاقة فى البرلمان . وقد جاء تعبير ذلك النائب صارخا لانه كان اقرب للتعرى التام ،حيث خلع جميع ملابسه وبقى فقط ب(مايوه) صغير وواصل حديثه الغاضب بهذا الشكل من على المنصة!!.

 بخلاف ذلك ظل خلع الرجال لملابسهم دائما ما يتم التعبير به عن الحالات القصوى من الفرح والنشوة أثناء الانتصارات فى مباريات كرة القدم مثلا من اللاعبين حينما يحرزون هدفا قبل أن يمنع الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا) ذلك ويعتبره من سوء السلوك ويعاقب اللاعب عليه بالطرد الفورى ليس من الميدان فقط ولكن من كل الملعب. 

كذلك يتم التعبير بخلع الملابس أثناء الاحتفالات المختلفة الأخرى .

وهناك طقس آخر لخلع الملابس أقرب إلى الكوميديا يقام فى يناير من كل عام يسمى مهرجان (خلع السراويل) الذى أطلقته جماعة كوميدية فى مدينة نيويورك تسمى Improv Every Were عام 2001 ، وكان عبارة عن مزحة فى بدايته وشارك فيه 7 رجال ، ثم تحول إلى حدث عالمى يقام فى اكثر من 60 مدينة فى 25 بلدا ،أشهرها مدن لندن ونيويورك ومكسيكو سيتي وبوينس إيرس واسطنبول وشنغهاى …الخ . وتقتضى المشاركة فى المهرجان أن يكون الرجل قادرا على خلع بنطاله والبقاء فقط بالشورت الصغير الداخلى فى فصل الشتاء وركوب المترو والتجول بصورة عادية وعدم الضحك أمام الناس. 

 *خلع الملابس من الاحتجاج إلى الموضة* 

الشكل الاحتجاجى الوحيد الذى رأيته بخلع الملابس كان أثناء تواجدى بأمريكا ، وينحصر فى مجتمعات السود وخاصة بين الشباب الأصغر سنا حيث يلبسون البناطلين بطريقة تنصل إلى تحت مؤخراتهم الأمر الذى يكشف عن سراويلهم الداخلية بصورة مقززة وصادمة جدا .. كنت مرة اركب السيارة مع أحد الإخوان فى مدينة دالاس بولاية تكساس وفى منطقة زحام ابطأنا فيها الحركة فمر أمامنا عدد من الشباب يرتدون بناطلينهم بتلك الطريقة فقال لى الاخ بطريقة مستنكرة: بالله شنو الناحية الجمالية فى اللبس بهذه الطريقة؟!! .. طبعا لم تكن عندى إجابة وانا نفسى كنت أرى ذلك سلوكا مشينا .

 حينما عملت لأكثر من عام (كاشير) فى إحدى محطات الوقود بشارع (بنسلفانيا افينيو) فى واشنطن العاصمة حيث يقع البيت الابيض وفى الجزء الآخر منه الذى تقطنه أغلبية من الأمريكيين السود، كنت أرى هذا المنظر بصورة متكررة يوميا ولكنى لم أجرؤ على السؤال .

حينما عدت من رحلة دالاس تكساس تلك إلى مضاربي الفرجينية فى ذلك الزمان زرت ذات نهار رفقة الزميل والصديق صلاح شعيب ،الفنان التشكيلي السوداني والكاتب والباحث المثقف الموسوعى ،تاج السر الملك فى الغاليرى والمتجر الخاص به فى ضاحية آرلنغتون المتاخمة للعاصمة واشنطن . قضينا سحابة نهارنا حتى زامنا مغيب الشمس ،قلّبنا فى تلك الساعات صفحات كتاب الانس المتنوع فسألت انا عن سر لبس الشباب السود للبناطلين بتلك الطريقة الصارخة ،فأجابني الملك بفذلكة تأريخية وسايكلوجية عميقة وممتعة فى الوقت نفسه  ملخصها أن ذلك تعبير إحتجاجى  ضد البيض وتذكير لهم بسنوات الاسترقاق والإذلال الذى كان يتضمن فى بعضه الإخصاء والاعتداء الجنسي على الرجال السود خاصة أولئك المتمردون منهم من أجل إخضاعهم تماما . 

طبعا ما عرف لاحقا ببناطلين الجينز (السيستم) والتى صممت بهذه الطريقة جاءت اصلا من  أغوار ذلك التأريخ الامريكي القاسي . وفى تقديرى انه يضاف إلى نجاحات مجتمعات الأمريكيين الأفارقة وقوة تأثيرهم فى مجالات الثقافة والفن والرياضة واستطاعوا أن يقتحموا بهذا التعبير الاحتجاجى عوالم الموضة وماركات الازياء العالمية .. رأينا الشباب يرتدونه كشكل من أشكال الموضة حتى فى السودان ولا اظنهم يعلمون شيئا عن خلفيته ،خاصة شباب ثورة ديسمبر والذى يقال فى باب الفخر بهم: ان الثورة صنعها (الشباب أُبّان بناطلين ناصلة)!.

◼️لست ناقدا متخصصا فى المسرح وبالتالى انا هنا لا اقيم تجربة اداء الفنان تروس من الناحية الفنية ،ولكن فى رأيي كمتذوق ان أدائه فى عرضه المثير للجدل ،لم يبلغ حتى مستوى الصدمة الذى أراده به  .. ربما جاء الجدل من  فعل خلع ملابسه الخارجية نفسه بعد صعوده على المسرح وأثناء أداء عرضه ، ولو كان اعتلى المسرح اصلا وهو بملابسه الداخلية تلك ،ربما لم يلفت نظر أحد باعتبار أن تصميم العرض يقوم على هذا الشكل ولا اظن انه سيكون هناك جدل بمثل الذى ضجت به الاسافير السودانية. فقد إعتلى نجم زمانه ،الفنان عبد الحكيم الطاهر ، خشبة المسرح القومى وهو يرتدى تشيرت ضيق وسروال دبلان مربوط بتِكة يصل إلى ركبته ،حينما كان يؤدى شخصية  كابتن كابو خلال تسعينيات القرن الماضى ،ولم يثر مظهره ذاك ونحن فى غمرة أصولية الانقاذ المقيتة، اى خواطر او جدل ضده . 

المظهر بتلك الملابس الداخلية التى بدا به تروس فى عرضه ،ليس صارخا إلى هذا الحد الذى يثير كل هذا اللغط ،واظن السودانيين فى شتاتهم الحالى إعتادوا على رؤيته من الشعوب الأخرى التى يعايشونها خاصة وأن الفعالية التى شارك فيها تروس كانت فى يوغندا . ونحن هنا فى الخليج حينما يدخل الصيف وترتفع درجات الحرارة وتلهب بلظاها الأجساد يضطر كثير من الناس خاصة الاجانب منهم وبينهم النساء يرتدون فى حركتهم اليومية فى الشوارع والأماكن التجارية الشورتات القصيرة والتشيرتات الخفيفة جدا .. وانا نفسى لست بدعا بينهم فى خضم تلك الأجواء النزاعة للشوي!.

 *صدمات من مسرح الواقع* 

◼️الأفعال الاحتجاجية الصادمة التى حركت الاحداث وغيرت مجرى التاريخ فى حياة الامم المختلفة ،جاءت كرد فعل إحتجاجى تلقائي فى لحظته ولم يتم التخطيط المسبق لها ،مثل إحتجاج المراهقة الأمريكية السوداء ،باربرا روز جونز التى قاد اعتصامها بمدرستها الثانوية الرديئة فى بنيتها وبيئتها والمخصصة للسود فى ولاية فرجينيا مطلع الخمسينيات إلى صدور حكم من المحكمة العليا الأمريكية بإنهاء نظام الفصل على اساس اللون والعرق فى المدارس الأمريكية التى كانت تقوم على كذبة التعليم المنفصل ولكن المتساوى ،فقادت جونز عام 1951 وكان عمرها 16 عاما، احتجاجا نظمت خلاله زملائها فى المدرسة وصعدت بقضيتهم ليتبناها محامو الرابطة الوطنية للنهوض بالملونين ويرفعوا بها قضية فى المحكمة العليا الأمريكية التى أصدرت حكمها بأن نظام التعليم المنفصل ولكن المتساوى، ليس دستوريا . وقد كرم الكونغرس قبل أيام جونز ونصب لها تمثالا فى قاعة التماثيل بمبنى الكابيتول تم وضعه مكان آخر لجنرال كونفيدرالي من جنرالات الحرب الأهلية الأمريكية من الذين كانوا يقاتلون من أجل الإبقاء على مؤسسة العبودية.

أما اسطع نموذج للصدمة فى السنوات الأخيرة فكان على مسرح الحياة الواقعية وهو إضرام بائع الخضروات الشاب المغلوب على أمره فى بلدة سيدى أبوزيد التونسية ،محمد البوعزيزي، النار على جسده النحيل حتى الموت إحتجاج على قهر السلطات البلدية ورميها لبضاعته التى يعول من عائدها أسرته الفقيرة ،فنتج عن فعله إضرام جذوة ثورة الياسمين فى تونس عام 2012 والتى أدت إلى إطاحة الرئيس زين العابدين بن علي ونظامه من على سدة الحكم فى ثانى هبات ما عرف بثورات الربيع العربي.

 *التعرى بين اليقظة والأحلام*

على التحقيق أن ستر الجسد فى الأحوال العادية هو من طبيعة الإنسان . مع ان العرى هو الأصل المرتبط بعهد البراءة الأولى وخلق الإنسان فى احسن تقويم ، وهذا مبحث آخر ليس مكانه فى هذا النص . لكن فى بعض التأويلات الصوفية للرؤى المنامية التى يرى فيها الشخص نفسه متعريا ،فإن ذلك ينم عن صدقه الشديد . وعند مفسر الأحلام الشهير ،إبن سيرين فإن رؤية الشخص نفسه وهو يخلع ملابسه دليل على عدم الأمان او كناية عن خلل نفسى يعانى منه الرائي . كما أن من رأى نفسه يفقد ملابسه أمام عامة الناس ،قد يدل على تعرضه لشئ سيئ فى المستقبل القريب. يضاف الى ذلك أن رؤيا خلع الملابس أمام المارة فى الشارع يدل على ضعف الشخصية . ورؤية الشخص يخلع ملابسه أمام أعدائه ،مؤشر على استسلامه لهم فى الواقع. واذا كان الرائي سجينا ورأى انه يخلع ملابسه دل ذلك على براءته. أما رؤية الشخص نفسه متعريا دون كشف لعورته فيدل على الندم الداخلى واستيقاظ الضمير مع سلامة الجوهر وحسن الطويلة.

وف(العريان) اسم شائع لأسر كبيرة خاصة فى الجارة مصر، وهو لغة كناية عن الشخص الذى تم له الخلاص والنظيف من الذنوب .

ويقول الشاعر همام بن غالب التميمي، الشهير بالفرذدق: 

ليس الشفيع من يأتيك مؤتزرا 

مثل الشفيع الذى يأتيك عريانا

وقال المتتبئ: 

أمّا الثّيابُ فَتَعْرَى مِنْ مَحاسِنِهِ  إذا نَضاها ويَكسَى الحُسنَ عُرْيانَا 

Exit mobile version