“كادقلي”.. عاصمة الجبال على حافة الهاوية

أفق جديد

تشهد مدينة “كادقلي” عاصمة ولاية جنوب كردفان، توترًا عميقًا وقلقًا متصاعدًا، في ظل تفاقم الأزمات الأمنية والاقتصادية والخدمية التي دفعت المواطنين إلى مغادرة المدينة بوتيرة متسارعة.

التوتر الأمني غير المسبوق في المنطقة الملتهبة، أجبر قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا)، على إخلاء قاعدتها اللوجستية الرئيسية وذلك في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل 6 من جنود حفظ السلام وإصابة 9 آخرين.

بالنسبة إلى الكاتب والمحلل السياسي، أنور سليمان، فإن الذي انطبق على آبار النفط في منطقة هجليج بعد انسحاب الجيش السوداني يمكن أن ينطبق على أبيي أيضًا، أي أن تحل قوة جنوبية مكان القوة الدولية الأثيوبية لتحمي مصالح مجتمع دينكا نقوك.

وأبلغ شهود عيان، “أفق جديد”، أن المدينة شهدت مؤخرًا موجة نزوح كبيرة بشكل ملحوظ، إذ يغادر المدنيين المنطقة خوفًا من التصعيد العسكري المستمر، وتواصل القصف المدفعي العنيف بالصواريخ والدانات.

وطبقًا للشهود، فإن الهلع والخوف يسيطر على الناس، خاصة وأن الأطفال يذهبون إلى المدارس صباحًا، لكن سرعان ما يعودون بمجرد تداول أنباء أو شائعات عن وجود مسيرات انتحارية في طريقها إلى المدينة.

ووفق الشهود، فإن الأجواء النفسية المضطربة دفعت الناس إلى اتخاذ قرار النزوح الفردي والجماعي في ظل غياب أي ضمانات أمنية وفتح المسارات لتوصيل المساعدات الإنسانية والقافلات التجارية لملء الأسواق بالسلع الغذائية.

كما أفاد ناشطون “أفق جديد”، أن السلطات الأمنية نفذت خلال الفترة الأخيرة حملة اعتقالات تعسفية طالبت العشرات من النشطاء، وتحويلهم إلى السجن دون توجيه مسوغات قانونية الأمر الذي أثار موجة من الاستياء والقلق داخل المجتمع المحلي.

وفي 23 ديسمبر الجاري، قالت منظمة الهجرة التابعة للأمم المتحدة، إن انعدام الأمن أجبر المزيد من السكان على النزوح من كادقلي والدلنج ودلامي بولاية جنوب كردفان.

وأوضح سليمان في حديثه لـ”أفق جديد”، أن “التوتر في المنطقة ألقى بظلال سالبة على الأمن القومي السوداني، لكن مشاغل (الأمن القومي) بعد حرب أبريل اختلفت واختلطت أولوياتها، إذ تحول الدعم السريع من السند الأول للقوات المسلحة والركيزة الرئيسية من ركائز الاستقرار والقوة الحامية والحارسة، إلى التهديد الأكبر، فلا أظن أن الحكومة ستمانع أي خطوة كتلك، مثلما توصلت لاتفاق سمح بنشر جيش الدفاع الجنوبي في هجليج”.

وأضاف: “صحيح أن الدولة لم تعلن ذلك صراحة لكنها كذلك لم ترفض ولم تشتكي للاتحاد الأفريقي أو مجلس الأمن”.

وتصاعدت العمليات العسكرية التي تنفذها الحركة الشعبية – شمال وقوات “الدعم السريع” على كادقلي والدلنج في الأسابيع الأخيرة، وسط مخاوف من تعرض المدينتين لهجوم بري.

وقالت منظمة الهجرة، في بيان، إن “1475 شخصًا نزحوا من كادقلي نتيجة لتفاقم إنعدام الأمن يومي 21 و22 ديسمبر الحالي”.

وأشارت إلى أن هؤلاء الأشخاص فرّوا إلى مواقع متفرقة في محليات البرام وتلودي وأبو كوشولا وهبيلا بجنوب كردفان، إضافة إلى محلية شيكان في شمال كردفان ومواقع أخرى في النيل الأبيض.

ويواجه المدنيون صعوبات بالغة في الوصول إلى أماكن آمنة نتيجة الحصار الذي تفرضه قوات الحركة الشعبية على المدينة وارتكابها انتهاكات ضد الفارين شرقًا.

ويضطر العديد من المدنيين للنزوح نحو الدلنج، ثاني أكبر مدن جنوب كردفان، ثم محاولة الوصول إلى مدينة الأبيض مرورًا بمناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، في رحلة محفوفة بالمخاطر تتخللها انتهاكات واسعة تشمل القتل أحيانًا، والنهب والاعتقال.

وقدّرت منظمة الهجرة نزوح 180 فردًا من الدلنج، نتيجة لتفاقم انعدام الأمن، فيما لا يزال الوضع متوترًا ومتقلبًا للغاية.

وأفادت بنزوح 60 فردًا في 21 ديسمبر الجاري من منطقة “دلامي” نتيجة لانعدام الأمن إلى محلية الرهد في شمال كردفان.

وتحاصر قوات “الدعم السريع” والحركة الشعبية مناطق عديدة في جنوب كردفان، حيث تمنع وصول السلع والإمدادات إليها، مما أدى إلى حدوث مجاعة في كادقلي، فيما تعيش الدلنج في أوضاع مشابهة.

وفي 13 ديسمبر الجاري، أعلنت قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا)، عن بدء إخلاء قاعدتها اللوجستية الرئيسية في مدينة كادقلي بالسودان، وذلك في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل 6 من جنود حفظ السلام وإصابة 9 آخرين، جميعهم من الكتيبة البنغلاديشية.

وأوضحت البعثة الأممية أنها أبلغت السلطات السودانية بقرار الانسحاب من كادقلي بعد مراجعة أمنية شاملة، مؤكدة أن الوضع الحالي “أعاق قدرة الأمم المتحدة على العمل في المنطقة”.

وذكرت “يونيسفا”  في بيان أنها تظل ملتزمة بمراقبة الحدود بين السودان وجنوب السودان، لكنها لن تنظر في العودة إلى كادقلي إلا “عندما تسمح الظروف بذلك”.

من جانبها، أدانت الحكومة السودانية المقيمة في بورتسودان الهجوم، واتهمت قوات “الدعم السريع” بالوقوف خلفه، ووصف مجلس السيادة، برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الحادثة بأنها “تصعيد خطير”

في المقابل، نفت قوات “الدعم السريع”، التي تخوض حربًا ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023، هذه الاتهامات. وقالت في بيان عبر تطبيق “تلغرام” إنها ترفض “الاتهامات الباطلة الموجهة لقواتها بالوقوف وراء الهجوم عبر استخدام طائرة مسيرة”.

يقول الكاتب والمحلل السياسي، أتيم سايمون، إن “إخلاء بعثة يونيسفا قاعدتها في كادقلي يحمل انعكاسات مباشرة على جنوب السودان ومنطقة أبيي على وجه الخصوص، باعتبارهما الأكثر ارتباطًا بعمل البعثة”.

 وأوضح سايمون في حديثه لـ”أفق جديد”، أن “الخطوة تُضعف قدرة الأمم المتحدة على ضبط الأوضاع الأمنية في محيط أبيي، ما يرفع مخاطر الاحتكاكات بين المجتمعات المحلية والقوات المسلحة، ويهدد بعودة التوترات الموسمية حول الرعي والحدود. كما يزيد الفراغ الأمني من احتمالات تسلل السلاح وعدم الاستقرار نحو شمال جنوب السودان، خاصة ولايات بحر الغزال. وعلى المستوى السياسي، يضعف الإخلاء الثقة في الضمانات الدولية لاتفاقيات أبيي، ويضيف عبئًا أمنيًا جديدًا على جوبا في ظل أوضاع داخلية تعاني اصلا من  الضعف والهشاشة”.

تأسست بعثة “يونيسفا” في عام 2011 للإشراف على منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان. ويأتي هذا الانسحاب الاضطراري في وقت يمر فيه السودان بإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، جراء الصراع المستمر الذي خلف عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين.

ويشكل انسحاب البعثة الأممية من قاعدة كادقلي ضربة قوية لجهود الرقابة الأممية على الحدود، مما قد يزيد تعقيد الأوضاع الأمنية في المناطق المتاخمة لمنطقة أبيي.

وفي 19  ديسمبر أدان أعضاء مجلس الأمن الدولي بشدة الهجمات الشنيعة والمتعمدة التي شنتها مسيّرة على قاعدة كادقلي والتي أسفرت عن مقتل ستة من حفظة السلام، من بنغلاديش، وإصابة تسعة آخرين.

وقدّم أعضاء المجلس خالص تعازيهم لأسر الجنود القتلى ولحكومة وشعب بنغلاديش، متمنين الشفاء العاجل والتام للمصابين.

وأعرب أعضاء مجلس الأمن عن قلقهم البالغ إزاء هذا الهجوم المتعمد على قاعدة “يونيسفا” وعلى حفظة السلام وقالوا إن هذا الهجوم يمثل انتهاكا صارخا للقانون الدولي، ويُشكل تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين.

واستنكر أعضاء مجلس الأمن، بأشد العبارات، استهداف حفظة السلام الأمميين، وجميع الهجمات والاستفزازات ضد “يونيسفا”، ودعوا إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات دون تأخير.

وتتصاعد دعوات أممية ودولية لإنهاء الحرب في السودان، بما يجنب البلاد كارثة إنسانية بدأت تدفع الملايين إلى المجاعة والموت جراء نقص الغذاء بسبب القتال.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى