إبراهيم حمد… العقل السوداني الذي يقود واحدة من أكبر شركات الموسيقى في العالم

أفق جديد

يُعدّ إبراهيم حمد واحداً من أبرز العقول التنفيذية التي أعادت تشكيل ملامح صناعة الموسيقى العالمية في القرن الحادي والعشرين. بوصفه مهندساً ثقافياً سودانياً ,أمريكياً، وشريكاً مؤسساً ومديراً تنفيذياً لشركة دريمفيل (Dreamville Records)، نجح حمد في تحويل فكرة وُلدت في أروقة الجامعات إلى واحدة من أكثر إمبراطوريات الإنتاج الموسيقي احتراماً وتأثيراً في العالم.

لم يكن دور حمد مقتصراً على إدارة أعمال نجم الهيب هوب العالمي جيه كول (J. Cole)، بل تجاوز ذلك إلى صياغة نموذج جديد للنجاح المستدام في الموسيقى، يقوم على بناء حركة فنية متكاملة تُعلي من القيم الأخلاقية، وتضع المجتمع والإبداع طويل الأمد في صدارة الأولويات، بعيداً عن منطق الاستهلاك السريع وهيمنة الربح اللحظي.

جذور سودانية

وُلد إبراهيم حمد في باريس لأبوين سودانيين، ونشأ في بيئة متعددة الثقافات فرضتها طبيعة عمل والده في الأمم المتحدة. هذه النشأة منحت حمد أفقاً عالمياً واسعاً، دون أن تفصله عن جذوره السودانية العميقة، القائمة على قيم التضامن، والمسؤولية الجماعية، والإيمان بقوة المجتمع.

وينحدر حمد من عائلة فنية ذات تأثير واضح في المشهد الثقافي؛ فهو ابن شقيق الموسيقار السوداني الراحل بشير عباس، وشقيق مغني الراب العالمي باس (Bas)، أحد أبرز الأصوات السودانية في الساحة الأمريكية، إضافة إلى شقيقه دي جي موما (DJ Moma)، وارتباطه الوثيق بالمبدع أيدي بروف، العقل الفني وراء عدد من التجارب الموسيقية والبصرية المبتكرة. هذا المحيط الإبداعي جعل الموسيقى جزءاً أصيلاً من تكوينه الشخصي والمهني.

بدأت ملامح الرحلة الحقيقية في جامعة سانت جون بحي كوينز في نيويورك، حيث قادت ملاعب كرة السلة إبراهيم حمد إلى التعرف على الشاب الطموح جيه كول. لم تكن العلاقة مجرد صداقة عابرة، بل تحولت إلى شراكة مصيرية، بعدما كان حمد أول من آمن بموهبة كول في وقت لم يكن العالم قد التفت إليه بعد.

كان كول يعرض على حمد أعماله غير المنشورة، فيما كان حمد يرى فيها مشروعاً فنياً استثنائياً يستحق الصبر والدعم. هذا الإيمان المتبادل تُوّج عام 2007 بتأسيس شركة Dreamville Records، حيث تولّى حمد الجانب الإداري والاستراتيجي، مانحاً الفنانين المساحة الكاملة للإبداع ضمن إطار يحمي حقوقهم ويضمن استدامة مسيرتهم.

تحت قيادة إبراهيم حمد، لم تعد دريمفيل مجرد شركة إنتاج موسيقي، بل تحولت إلى علامة ثقافية عالمية تضم أسماء بارزة مثل JID، Ari Lennox، EarthGang، Cozz، Bas، وتُعرف بفلسفتها التي تضع الفنان في قلب العملية الإبداعية.

ومن أبرز ملامح نموذج حمد الإداري:

حماية الملكية الفكرية: طوّر أنظمة تضمن للفنانين حقوقهم العادلة، وهو أمر نادر في صناعة تشتهر بالاستغلال.

بناء المسيرات المستدامة: ركّز على النجاح طويل الأمد بدلاً من الأغاني المنفردة العابرة (Viral hits).

التوسع التجاري: نجح في تحويل العلامة التجارية إلى مهرجانات موسيقية ضخمة (Dreamville Festival) وخطوط أزياء وتجارة إلكترونية، مع الحفاظ على “النزاهة الفنية”.

بناء أنظمة تحمي الملكية الفكرية للفنانين

ونجحت دريمفيل، تحت إشراف حمد، في تحقيق إنجازات كبرى، من ألبومات حائزة على البلاتين إلى مهرجانات جماهيرية مكتملة العدد، في تجربة أثبتت أن النجاح التجاري لا يجب أن يأتي على حساب القيم أو جودة الفن.وقد تُوّج هذا المسار باعتراف دولي واسع، حيث اختارته مجلة بيلبورد (Billboard) عام 2021 كأحد أبرز التنفيذيين في صناعة الموسيقى، تقديراً لدوره المحوري خلف الكواليس في إدارة واحدة من أنجح الكيانات المستقلة في العالم.

ورغم تمركزه في قلب الصناعة الموسيقية الأمريكية، ظل السودان حاضراً في هوية ورؤية إبراهيم حمد، سواء عبر دعمه المتواصل للمواهب ذات الأصول السودانية، أو من خلال فلسفته الإدارية التي تعكس روح الأسرة والمجتمع، وهي قيم سودانية أصيلة تتجلى في طريقة إدارته لشركته وتعاطيه مع الفنانين والعاملين معه.

السودان في القلب

ورغم انشغاله بإدارة واحدة من أضخم الكيانات الموسيقية في العالم، لم يغِب السودان يومًا عن وجدان إبراهيم حمد. فقد عبّر، قبل أيام، عن هذا الارتباط العميق في تدوينة مؤثرة نشرها على حسابه الرسمي بمنصة «إكس»، عقب وصوله إلى المغرب لحضور مباراة المنتخب السوداني امام غينيا الاستوائية في بطولة كأس الأمم الأفريقية.

وكتب ابراهيم :وصلتُ إلى المغرب في الوقت المناسب تمامًا لأشهد فوز السودان الكبير في بطولة كأس الأمم الأفريقية. كان من المذهل حقًا رؤية جميع الأهل والأصدقاء من السودان الذين لا يستطيعون العودة إلى ديارهم وهم يأتون إلى المغرب لتشجيع المنتخب، لطالما كان شهر ديسمبر شهراً مميزاً، حيث يسافر فيه الكثير من السودانيين من مختلف أنحاء العالم إلى السودان لقضاء الوقت مع عائلاتهم، وللأسف، حُرمنا من ذلك بسبب الحرب. كانت حضور هذه المباراة اليوم أكثر من مجرد حدث رياضي.

تحية كبيرة للمغرب وشعبه الكريم الذي أتاح لنا فرصة القدوم إلى هنا واستعادة بعضٍ من تلك المشاعر التي نفتقدها جميعًا. كما نتوجه بالشكر الجزيل لجميع المغاربة الذين حضروا المباراة وشجعوا السودان بحماسٍ بالغ وكأنها مباراتهم. كل الحب والتقدير.

Exit mobile version