السودان بين شمسٍ لا تغيب ودولةٍ تتعثر: لماذا تفشل الطاقة المتجددة؟ وهل تقود طاقة ما بعد الحرب إلى الاستقرار؟

تُجادل المقالة بأن مشاريع الطاقة المتجددة في السودان تفشل أساساً بسبب ضعف المؤسسات، وسوء التنسيق، ونقص الصيانة، وليس بسبب التكنولوجيا أو الموارد. وتقترح إنشاء وحدة حكومية للاستدامة لمراقبة المشاريع، وتأمين تمويل الصيانة، وضمان تحقيق الطاقة المتجددة لفوائد مستدامة، لا سيما في سياق ما بعد الحرب
تتناول دراسة أجراها باحثون من المركز الوطني لبحوث الطاقة في السودان بالتعاون مع جامعة الأمير سلطان وجامعة الفيصل في المملكة العربية السعودية، لغزاً بالغ الأهمية: لماذا تتوقف مشاريع الطاقة المتجددة في السودان عن العمل بشكل متكرر بعد فترة وجيزة من تركيبها؟ وفي ضوء التوجه العالمي نحو الاستدامة بموجب اتفاقية باريس وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، تشير الدراسة إلى أن مشكلة الطاقة في السودان لا تكمن في نقص ضوء الشمس أو التكنولوجيا أو دعم المانحين، بل في ضعف المؤسسات. ولا يزال السودان يعتمد بشكل كبير على الكتلة الحيوية والوقود الأحفوري، في حين أن الحصول على الكهرباء محدود وغير منتظم، لا سيما خارج الخرطوم. وحتى قبل الحرب التي اندلعت عام 2023، لم يكن سوى ثلثي السكان تقريباً يحصلون على الكهرباء، على الرغم من أن البلاد تمتلك أحد أكبر أنظمة الطاقة في أفريقيا جنوب الصحراء.
بلد غني بالشمس، فقير بالسلطة
يتمتع السودان بإمكانيات هائلة في مجال الطاقة الشمسية، حيث تشرق الشمس لساعات طويلة وتتعرض جميع مناطقه لمستويات عالية من الإشعاع الشمسي. وقد شجع هذا الأمر الجهات المانحة الدولية والمنظمات غير الحكومية على تمويل العديد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما في ذلك مضخات المياه الشمسية للزراعة، وشبكات مياه الشرب، وتزويد العيادات الريفية بالكهرباء، وتوفير الطاقة لأبراج الاتصالات. وقد حققت هذه المشاريع فوائد ملموسة، إذ حسّنت من فرص الحصول على المياه، وإنتاج الغذاء، والرعاية الصحية، والقدرة على التكيف مع تغير المناخ. مع ذلك، تتوقف العديد من هذه الأنظمة عن العمل بعد فترة وجيزة. والأسباب بسيطة: عدم وجود مخصصات مالية للصيانة، ونقص الفنيين المحليين المدربين، وضعف مراقبة الجودة، وقلة مشاركة المجتمع المحلي. وبمجرد مغادرة الجهات المانحة، تُهمل هذه الأنظمة أو يُساء استخدامها أو تتلف، مما يحول الاستثمارات الواعدة إلى أصول مهدرة.
الصراع يزيد النظام الضعيف سوءاً
تُبيّن المقالة كيف تفاقمت هذه المشاكل المزمنة بسبب النزاع المسلح المستمر في السودان. فقد نزح ملايين الأشخاص، وتضررت البنية التحتية، وانقطعت إمدادات الوقود، وتزايد الطلب على الكهرباء في مناطق تعاني أصلاً من محدودية الخدمات. وفي ظل هذه الأزمة، ازدادت أهمية الطاقة المتجددة اللامركزية، ولا سيما الطاقة الشمسية، لقدرتها على العمل بشكل مستقل عن الشبكات المتضررة. ومع ذلك، لا تزال أوجه القصور في الحوكمة قائمة. فالمشاريع موزعة بين الوزارات والولايات والمنظمات غير الحكومية والجهات المانحة، دون وجود جهة واحدة مسؤولة عن مراقبة الأداء، أو تنسيق جهود الجهات الفاعلة، أو ضمان استمرار عمل الأنظمة بأمان وفعالية. هذا التشتت يجعل جهود الطاقة المتجددة عرضة للخطر في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليها.
الحاجة إلى وحدة حكومية للاستدامة
لحل هذه المشكلة، يقترح الباحثون إنشاء وحدة حكومية للاستدامة. ستكون هذه الوحدة هيئة عامة متخصصة، لا تُعنى بإنشاء مشاريع جديدة، بل بصيانة المشاريع القائمة. يتمثل دورها الرئيسي في مراقبة أنظمة الطاقة المتجددة بعد تركيبها، والتحقق من أدائها الفني، وقياس فوائدها الاجتماعية والبيئية، وضمان معالجة المشكلات في وقت مبكر. كما ستتولى الوحدة تنسيق جهود الوكالات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والجهات المانحة لتجنب الازدواجية والثغرات. ومن الأفكار الأساسية أن يتضمن كل مشروع للطاقة المتجددة ميزانية واضحة للتشغيل والصيانة، تشرف عليها الوحدة، لضمان عدم تعطل الأنظمة نتيجة الإهمال. وستدعم الوحدة أيضًا تدريب الفنيين المحليين وحملات التوعية لكي تفهم المجتمعات أنظمة الطاقة المتجددة وتحميها وتستخدمها على النحو الأمثل.
وضع قواعد قوية لتحقيق تأثير طويل الأمد
تستعرض هذه المقالة قوانين وسياسات الطاقة الحالية في السودان، بما في ذلك قانون الكهرباء وسياسة الطاقة المتجددة، وتخلص إلى أنها، على الرغم من وجودها نظرياً، لا تضمن الاستدامة. ويؤكد الباحثون على ضرورة سن تشريعات جديدة لإنشاء وحدة دعم الطاقة العامة رسمياً، ومنحها الصلاحيات القانونية، وتأمين تمويل مستدام لها. واستناداً إلى تجارب مؤسسات مثل وكالة الطاقة الريفية في تنزانيا ومركز تشجيع الطاقة البديلة في نيبال، توصي الدراسة بوضع وحدة دعم الطاقة العامة على مستوى حكومي رفيع، ويفضل أن تكون تابعة لمكتب رئيس الوزراء، لضمان التنسيق بين الوزارات. وبفضل فريق فني صغير لكنه ذو كفاءة عالية، ومكاتب على مستوى الولايات، تستطيع وحدة دعم الطاقة العامة ربط السياسة الوطنية بالواقع المحلي. وتخلص المقالة إلى أنه بدون هذه المؤسسة، يواجه السودان خطر تكرار دورة مشاريع الطاقة المتجددة قصيرة الأجل. وبوجودها، يمكن للطاقة المتجددة أن تصبح ركيزة أساسية للتعافي، وتعزيز القدرة على الصمود، وتحقيق التنمية المستدامة في السودان ما بعد الحرب.
نقلا عن موقع devdiscourse





