تضامن وميثاق القاهرة

 

في لحظةٍ يختلط فيها صوت الرصاص بضجيج الانهيار، ويكاد فيها الأمل يُستنزف تحت وطأة حرب بلا أفق، يطلّ ميثاق القاهرة بوصفه حدثاً سياسياً ذا دلالة تتجاوز كونه مجرد وثيقة توافقية جديدة. إنه إعلان موقف أخلاقي وسياسي في آن واحد، ومحاولة جادة لإعادة ترتيب المعنى في فضاء وطني اختلطت فيه الأدوار، وتراجعت فيه السياسة أمام سطوة السلاح. والأهم من ذلك، أنه خطوة كبيرة وجريئة ارتبطت على نحوٍ مباشر بدور القيادة المركزية العليا لضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين (تضامن)، التي اختارت أن تنتقل من هامش المشهد إلى قلبه، ومن موقع الصمت القَلِق إلى موقع الفعل المسؤول.

إن تقريظ ميثاق القاهرة لا ينفصل عن الإشادة بهذه المبادرة النوعية التي قادها ضباط معاشيون أدركوا أن مسؤوليتهم الوطنية لم تنتهِ بخروجهم من الخدمة النظامية، وأن القسم الذي أدوه يوماً لحماية الوطن لا يسقط بالتقاعد، بل يزداد إلحاحاً عندما تُختطف الدولة، وتُستخدم المؤسسة العسكرية نفسها وقوداً في حرب ضد المجتمع. في هذا السياق، يمثل انخراط تضامن في صياغة الميثاق وإجازته نقلة نوعية في العمل المدني، لأنه كسر الحاجز النفسي والسياسي الذي ظل يفصل بين المجال العسكري والمجال المدني، وأعاد تعريف العلاقة بينهما على أساس الدستور لا الغلبة.

لقد طالما رُوِّج في السودان، بوعي أو بسوء نية، لثنائية مضللة مفادها أن الخيار محصور بين حكم العسكر أو الفوضى. وجاء ميثاق القاهرة، مدعوماً بموقف واضح من ضباط متقاعدين، ليفضح زيف هذه المعادلة. فهؤلاء الضباط، بما يملكونه من خبرة مهنية ومعرفة عميقة بتعقيدات المنظومة الأمنية والعسكرية، أكدوا عملياً أن الانحياز للحكم المدني الديمقراطي ليس عداءً للمؤسسة العسكرية، بل دفاعاً عنها من التشويه، وحماية لها من الانزلاق في مستنقعات السياسة والحروب العبثية.

ما يضفي على هذه الخطوة ثقلاً خاصاً هو أنها لم تصدر عن ضباط في موقع المناورة أو البحث عن نفوذ، بل عن ضباط معاشيين تحرروا من حسابات السلطة والرتب، وتحدثوا من موقع أخلاقي خالص. هذا الموقع يمنح مواقفهم صدقية نادرة في مشهد مشبع بالشكوك، ويجعل سعيهم لوقف الحرب، وصيانة وحدة السودان، والعدالة، والحكم المدني، أكثر من مجرد شعارات؛ يجعلها شهادة من داخل التجربة، لا خطاباً من خارجها.

إن مساهمة تضامن في ميثاق القاهرة أضافت إلى النص بعداً ظل مفقوداً في كثير من المبادرات المدنية السابقة: بعد الفهم العملي لطبيعة الدولة العميقة، وتشوهات المؤسسة العسكرية، وآليات تفكيكها وإصلاحها دون هدمها. وهو ما يجعل الميثاق أكثر واقعية، وأقل عرضة للاتهام بالطوباوية أو الانفصال عن موازين القوة الفعلية. فحين يتحدث ضباط خدموا في الجيش عن ضرورة إخضاعه للسلطة المدنية، فإنهم يفعلون ذلك وهم يدركون كلفة هذا التحول وتعقيداته، لا بوصفه مطلباً نظرياً سهلاً.

سياسياً، يحمل هذا التطور رسالة بالغة الأهمية إلى الداخل السوداني. رسالة تقول إن القوى المدنية لم تعد وحدها في مواجهة آلة الحرب، وإن داخل البنية العسكرية نفسها أصواتاً وطنية ترفض استمرار النزاع، وتدرك أن هذه الحرب لا تحمي الدولة، بل تسرّع تفككها. كما يحمل رسالة موازية إلى المجتمعين الإقليمي والدولي مفادها أن البديل المدني الديمقراطي ليس مشروع نخبة معزولة أو قوى سياسية تقليدية، بل خيار وطني واسع، يجد سنداً حتى من أولئك الذين يعرفون معنى السلاح وخطورته.

إن الإشادة بقيادة الضباط المعاشيين في إطار تضامن لا تنطلق من رومانسية سياسية، بل من إدراك عميق لأهمية هذه اللحظة. فالسودان لا يحتاج فقط إلى نصوص جيدة، بل إلى شجاعة أخلاقية تترجم هذه النصوص إلى مواقف. وما قامت به هذه القيادة يمثل نموذجاً لما يمكن أن تلعبه القوى المهنية الوطنية حين تتحرر من الخوف، وتقرر أن تكون جزءاً من الحل لا شاهداً على الانهيار.

من هنا، يمكن القول إن ميثاق القاهرة يشكل خطوة متقدمة في مسار استعادة السياسة من قبضة السلاح، ليس فقط لأنه جمع طيفاً مدنياً واسعاً، بل لأنه فتح الباب أمام صناعة مسؤولة من ضباط اختاروا الوقوف في صف الشعب والتاريخ. وإذا كان طريق إنهاء الحرب وبناء الدولة المدنية لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات، فإن هذه الخطوة تؤكد أن السودان لم يفقد بعد قدرته على إنتاج مبادرات شجاعة، ولا رجاله ونساءه القادرين على التمييز بين حماية الوطن وحراسة الخراب.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى