تنافس الحلفاء وتصدّع الإقليم هل يدفع السودان ثمن الخلاف السعودي–الإماراتي؟

  حاتم ايوب ابوالحسن 

لم تعد أزمات المنطقة العربية ملفات منفصلة، بل باتت متداخلة إلى حد يصعب معه الفصل بين ساحة وأخرى. وفي هذا السياق، يطفو سؤال السودان مجددًا على سطح التحليل: هل يتأثر مسار الأزمة السودانية بالخلافات المتنامية بين السعودية والإمارات في اليمن؟ أم أن الملف السوداني محكوم بمعادلات مختلفة تحميه من ارتدادات ذلك التنافس؟

الخلاف بين الرياض وأبوظبي في اليمن لا يمكن توصيفه كصراع مفتوح، بل هو اختلاف عميق في الرؤية الاستراتيجية وأدوات النفوذ. السعودية تنظر إلى اليمن من زاوية الأمن القومي المباشر، ووحدة الدولة، ومنع تحول البلاد إلى منصة تهديد حدودي وبحري. في المقابل، تتعامل الإمارات مع اليمن كساحة نفوذ طويلة المدى، تركز فيها على الموانئ، وخطوط الملاحة، وبناء علاقات مع فاعلين محليين خارج الإطار التقليدي للدولة. هذا النموذج من “التنافس المنضبط” لا يبقى محصورًا داخل الجغرافيا اليمنية، بل يتمدد تلقائيًا إلى ساحات أخرى ذات أهمية استراتيجية، والسودان في مقدمتها.

في الملف السوداني، يظهر هذا التباين بصورة أكثر تعقيدًا، خصوصًا داخل إطار الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا إلى جانب السعودية والإمارات. ظاهريًا، تبدو الرباعية كمنصة تنسيق دولي تهدف إلى وقف الحرب ودفع مسار سياسي، لكنها عمليًا تعاني من هشاشة داخلية ناجمة عن اختلاف أولويات أطرافها الإقليميين. السعودية والإمارات تتفقان على ضرورة منع انهيار الدولة السودانية بالكامل، لأن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم، لكنهما تختلفان في تعريف “الاستقرار” ذاته، وفي الطريق المؤدي إليه.

السعودية تميل إلى مقاربة تحفظ كيان الدولة السودانية، وتخشى سيناريو التفكك والفوضى الممتدة، وتسعى – ولو نظريًا – إلى تسوية تُبقي على مركزية المؤسسات الرسمية. أما الإمارات فتتعامل مع السودان بعين براغماتية بحتة، تركز على المصالح الاقتصادية، والموارد، والنفوذ غير المباشر، ولا ترى مانعًا في التعامل مع قوى الأمر الواقع طالما يحقق ذلك مصالحها الاستراتيجية. هذا التباين لا يظهر في صورة صدام دبلوماسي، لكنه ينعكس في بطء المبادرات، وتعدد المسارات، وتناقض الرسائل الموجهة للأطراف السودانية.

خارج إطار الرباعية، يصبح تأثير هذا التنافس أكثر وضوحًا. السودان، في وضعه الراهن، لم يعد مجرد دولة مأزومة، بل تحول إلى ساحة مفتوحة لتقاطعات المصالح الإقليمية. ومع غياب مشروع وطني سوداني موحد، تجد القوى الإقليمية مساحة أوسع للمناورة، وتجد الأطراف المحلية بدورها فرصة لاستثمار هذا التباين الخارجي لتعزيز مواقعها، بدل السعي إلى تسوية حقيقية. وهنا يكمن الخطر الأكبر: ليس في الخلاف السعودي–الإماراتي نفسه، بل في قدرة الأزمة السودانية على امتصاص هذا الخلاف وتحويله إلى عامل إطالة للحرب.

ورغم ذلك، فإن مقارنة الحالة السودانية باليمن تظل محدودة. فالسودان لا يمثل ساحة صراع وجودي بين الرياض وأبوظبي كما هو الحال في اليمن. البحر الأحمر يفرض على الطرفين قدرًا من التنسيق الإجباري، والانهيار الكامل في السودان سيحمل كلفة استراتيجية لا يرغب أي منهما في تحملها. لذلك يبقى سقف الخلاف منخفضًا، ويتخذ طابع “إدارة الاختلاف” لا “تصفية الحسابات”.

المعادلة النهائية تشير إلى أن السودان يتأثر بالخلافات الإقليمية، لكنه لا يُدار بالكامل من خلالها. الأزمة السودانية اليوم هي نتاج تداخل بين فشل داخلي عميق وبيئة إقليمية غير متجانسة. التنافس السعودي–الإماراتي يضعف فرص الحل الموحد، لكنه لا يصنع الأزمة من الأساس. وفي غياب إرادة سودانية جامعة، سيظل الملف السوداني عرضة للتجاذبات، سواء جاءت من اليمن أو من غيره.

في المحصلة، لا يدفع السودان ثمن الخلاف السعودي–الإماراتي بقدر ما يدفع ثمن هشاشته الداخلية، لكن هذا الخلاف يزيد الكلفة، ويطيل الزمن، ويجعل طريق الخروج أكثر وعورة. فالرهان الحقيقي لا يزال معلقًا على الداخل السوداني، أما الخارج، مهما بدا مؤثرا، فلن يكون يومًا بديلاً عن مشروع وطني مفقود، هي مسؤوليات الفاعلين السودانيين وامتحان كبير يفشلون فيه كل عام نتمني لا يختلف هذا العام ليأخذ مسار نحو تطلعات السودانين في السلام العدالة الحرية وتاسيس الوطن الموحد ..

              كاتب سوداني …

Exit mobile version