بين الركام والنبض.. أم درمان  في رحلة البحث عن اليقين 

بين الركام والنبض.. أم درمان  في رحلة البحث عن اليقين 

أفق جديد

لم تكن كلمتا “اليقين والطمأنينة” يومًا جزءًا من قاموسي الصحافي اعتدتُ أن ألاحق الوقائع، الأرقام، الشهادات الباردة، وأن أترك للمشاعر هامشًا ضيقًا لا يليق بالخبر. لكن صباح أم درمان هذا قرر أن يعيد تعريف المفردات كلها.

خرجتُ باكرًا صوب سوق أم درمان الكبير، الطريق مألوف، والمشاهد تكاد تكون نسخة باهتة من ذاكرة قريبة لم تبرأ بعد. منذ أن تتجاوز كلية التربية وأنت قادم من شارع الوادي، تشعر وكأنك تعبر خطًا غير مرئي يفصل بين زمنين ومكانين. شمال التربية، الحياة تمشي على استحياء؛ الحرب هنا تكاد لا تُرى، إلا في وجوه الناس، في نظراتهم المتعبة، وفي صمتهم الطويل. جنوبها، كل شيء يصرخ في وجهك: عربات محروقة، بيوت محفورة بالرصاص، جدران رسمت عليها الحرب أخاديدها. أخاديد قد تمحوها الصيانة إن عاد أهلها، لكن من يمحوها من نفوس الناس؟

في ميدان الشهداء، الذي يحاول جاهدًا أن يتخلص من ماضٍ قريب، توقفتُ قليلًا. هذا المكان الذي كان الوصول إليه قبل شهور ضربًا من المستحيل، صار اليوم يعج بخطوات العابرين. خطوات حذرة، لكنها مصممة على الاستمرار. هنا، لا أحد يتحدث عن النصر أو الهزيمة، بل عن النجاة. عن يوم آخر يمر دون قذيفة، ودون خبر مفجع.

رنّ هاتفي. كان رئيس التحرير. تلك المكالمة التي صارت طقسًا ثابتًا قبل أي تكليف: “سلامتك قبل الشغل… لو حسّيت بأي خطر انسَ الموضوع”. ضحكت، وقلت له بصدقٍ مُرّ: نحن الخطر حايم فوق رؤوسنا من 15 أبريل 2023… أقرب لينا من حبل الوريد. انتقل الحديث إلى خطة التقرير، إلى الأسئلة، إلى التفاصيل. ثم ذكر مكالمة مع زميلة صحافية قالت جملة واحدة علقت في رأسي: الناس هنا فاقدين اليقين والطمأنينة.

أغلقت الهاتف، وواصلت سيري إلى شارع الدكاترة، ثم إلى المحطة الوسطى. كانت العبارة ترنّ في ذهني كجرس إنذار: اليقين… الطمأنينة. دون استئذان، غيّرت الفكرة. لم يعد السؤال: كيف يعيش الناس؟ بل: كيف يصل الناس، إن وصلوا، إلى اليقين والطمأنينة؟

في السوق، الباعة يفرشون بضاعتهم كما لو أنهم يتحدون الفوضى. أحدهم قال لي وهو يرتب أكياس السكر: نحن شغالين عشان ننسى… لو قعدنا، الخوف ببلعنا. امرأة تساوم على سعر الخضار، تحمل في يدها كيسًا وفي عينيها حذرًا لا يخطئه النظر. سألتها عن الطمأنينة، ابتسمت بمرارة: الطمأنينة؟ يمكن لما نسمع الليل عدى بدون خوف من ضرب المسيرات أو تتكاثف من حولنا الاشاعات.

مقاومة بالتكرار

شاب عند موقف المواصلات قالها بلا مواربة: اليقين الوحيد إنو ما في يقين. ومع ذلك، كان يقف كل صباح في المكان ذاته، ينتظر زبونًا أو فرصة. كأن التكرار نفسه صار شكلًا من أشكال المقاومة.

في أم درمان، اليقين لم يعد فكرة مجردة، بل ممارسة يومية. أن تفتح دكانك رغم احتمال الإغلاق. أن تخرج من بيتك وأنت تعلم أنك قد لا تعود، ومع ذلك تمضي. الطمأنينة هنا ليست شعورًا دائمًا، بل ومضات قصيرة: ضحكة طفل، أذان في وقته، ازدحام مفاجئ في السوق.

الحرب سرقت من الناس أشياء كثيرة، لكنها لم تنجح في سرقة قدرتهم على البحث. البحث عن معنى، عن استمرارية، عن سبب يجعلهم ينهضون كل صباح. ربما لم يجدوا اليقين بعد، وربما لم تستقر الطمأنينة في قلوبهم، لكنهم يتعلمون كيف يعيشون دونها، أو كيف يصنعون بدائل صغيرة تكفي ليوم واحد.

وأنا أغادر السوق، أدركت أن أم درمان لا تعود إلى الحياة كما كانت، بل تعيد تعريف الحياة نفسها. هنا، لا أحد ينتظر نهاية الحرب ليطمئن، بل يصنع طمأنينته المؤقتة وسط الضجيج والركام. أما اليقين، فربما لم يعد وعدًا بالمستقبل، بل إصرارًا عنيدًا على البقاء.

إذا قيل إن الطحين متوفر، فالسؤال الذي ظل يعضّ القلب ليس: من يبيع الدقيق؟ بل من يبيع الطمأنينة… ومن يضمن اليقين؟

خراب لا يُرى 

خرجتُ من السوق وعدت أدراجي. نعم، السلع موجودة، وأسعارها مرتفعة—تلك جملة محفوظة نرددها بلا إحساس—وجودتها، في أحسن الأحوال، متعبة كوجوه الباعة، قلت في نفسي: هذا بعض ما خلّفته الحرب، فتات ظاهر، وخراب أعمق لا يُرى.

بدأتُ أفتّش عن الإجابة في الوجوه. في الطريق، في الحافلة المتعبة، على مقاعد بائعات الشاي التي صارت محطات اعتراف صامتة. وحتى في عتمة البيوت التي عادت تُعرف بمهنٍ قديمة، لا ترفع حاجبي دهشة؛ فالحرب تعيد كل شيء إلى السطح، حتى ما كنا نظنه مدفونًا في الحياء. لكن هذا ليس موضوعي الآن.

وقفتُ أمام دكان صغير في أحد أحياء المدينة التي تحاول—بخجل—أن تنهض. عبد العظيم العجلاتي،ملامحه تقول إنه عبر الستين منذ زمن، رغم أن عمره الحقيقي ربما أقل بكثير؛ فالحرب تختصر الأعمار. كان يتجادل مع رجل آخر حول قيمة صيانة دراجة. ارتفعت الأصوات، تقاطعت الأيادي، وكاد النقاش أن ينفلت إلى عراك. تدخلتُ، هدّأت الموقف بصعوبة، وطلبت من “ست الشاي” القريبة ثلاثة أكواب من الشاي بالنعناع. دفعت الحساب مقدمًا، كأنني أشتري هدنة قصيرة.

حبل غسيل

جلسنا. بدأ الكلام عامًا: البلد، الحرب، كيف صارت الأعصاب مشدودة كحبال غسيل في مهب ريح، وكيف صار الغضب يشتعل لأتفه الأسباب. ثم سحبتُ الخيط إلى حيث أريد:

قلت بهدوء: والطمأنينة؟ اليقين؟ هل الناس مطمئنة لمستقبلها؟ هل هم متيقنون أن هذه حياتهم وعليهم أن يعيشوها؟

نظر عبد العظيم إلى كوب الشاي، حرّكه قليلًا، ثم قال كمن يخرج كلمة من بئر:

— اليقين؟ الكلمة دي ما بقت موجودة في واقعنا. نحن عايشين رزق اليوم باليوم. نحمد الله على يوم فات، ونسأله السلامة في يوم لسه جاي.

سكت لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض:

— قبل أسبوع، جاري طلع من البيت وما رجع. لا نعرف مشى وين. أولاده ومرته حالهم يُبكي. لفّوا أقسام الشرطة، والمستشفيات، وما في أثر. جاري ده… ممكن بكرة أكون أنا. أو يكون حسن ده—وأشار للرجل الذي كان على وشك أن يتعارك معه—الزول الكدنا أنا وهو نضيع بعض بسبب نقاش على دراجة.

برد الشاي في الكؤوس، وبردت معه الكلمات، فهمتُ حينها أن المشكلة ليست في الطحين، ولا في السوق، ولا حتى في الأسعار. المشكلة في شيء لا يُباع ولا يُشترى: أن تستيقظ وأنت غير متأكد إن كنت ستعود. أن تعيش بلا يقين، وتواصل السير فقط لأن الوقوف صار رفاهية لا نملكها.

عودة بلايقين

خرجتُ من هذا المكان كما يخرج المرء إلى شارعٍ يعرف أنه لن يعود منه بالإجابات، بل بمزيدٍ من الشك

سؤال عودة المواطنين

ليس بوصفه قرارًا إداريًا أو نشرة رسمية، بل بوصفه قلقًا يوميًا يسكن صدور الناس: هل يمكن العودة أصلًا؟

حين يُقال إن هناك «مناطق آمنة» لم تدخلها قوات الدعم السريع، أتوقف طويلًا عند العبارة. أسأل نفسي: آمنة من ماذا؟ ومن أي زاوية؟ فعودة المواطن إلى هذه المناطق لا تتعلق فقط بسلامة جسده من الرصاص، بل بأمنه الكامل: أمن العيش، أمن السوق، أمن الغد. هي منظومة واحدة، إذا اختلّ ضلعٌ منها انهارت كلها. وحتى لو افترضنا—جدلًا—أن المواطن شعر بشيء من الأمان في ولاية ما، وهذا افتراض هش في حد ذاته، فإن الأسئلة الأخرى تظل تائهة بلا إجابة: كيف سيعيش؟ أين يعمل؟ هل السوق يتحرك؟ هل هناك فرصة حقيقية لكسب العيش؟

الطمأنينة، كما أدركت، ليست شعورًا عابرًا، بل حالة مستحيلة في واقعٍ كهذا.

سقوط واسقاط

أستعيد خارطة البلاد منذ سقوط الفاشر. لم يكن السقوط مجرد خبرٍ عاجل، بل بداية سلسلة انتكاسات. بعد الفاشر، جاءت بابنوسة، ثم بارا، ثم هجليج، ثم قرى أخرى انزلقت واحدة تلو الأخرى إلى قبضة الدعم السريع. تمدد النفوذ، واتسعت الرقعة، وباتت دارفور وكردفان، على امتدادهما، تحت السيطرة باستثناء كادقلي والدلنج والأبيض. وحتى هذه المدن، حين تُذكر، يُقال بعدها مباشرة: محاصرة

كلمة محاصرة وحدها كافية لتقويض أي حديث عن عودة

وأنا أتابع هذه التطورات، كان السؤال يلحّ عليّ: إذا سقطت هذه المناطق—لا قدّر الله—فإلى أين سيتجه الدعم السريع؟

الإجابة لا تحتاج إلى كثير تفكير، من يوسّع سيطرته لا يتوقف. ومن يربح أرضًا يبحث عن أخرى. وقد قالها أحد مستشاري الدعم السريع علنًا: وجهتنا القادمة الخرطوم والدمازين.

الجملة مرت كرصاصة باردة، حين سمعتها ولكن الان أكاد ارها في وجوه الناس، ثم تحولت كل الاخبار، تتعملق في ذهني ماذنب تلك الطفلة التي تبكي في حجر أمها احتجاجا على شيء لا ادري ماهو ولكن صراخها يرتفع كل ما ابتعدت عن مكان جلوسهما تحت تلك الشجرة الكثه الخارجة من خلف بوابة بيت يبدو ان اهله قد هجروه مع بداية الحرب.

أطماع قديمة

في الشرق، تتردّد أخبار التحركات على الحدود السودانية الإثيوبية، تحديدًا في بني شنقول. هناك أطماع قديمة، ورغبات جديدة، ومحاولات فتح طرق نحو الدمازين ومناطق أخرى. وفي الوسط، تُتداول مزاعم عن السعي للدخول إلى كوستي وجبل موية، ليس حبًا في الجغرافيا، بل بهدف واحد: قطع الإمداد نهائيًا عن الجيش في دارفور وكردفان، وخنق ما تبقى من المدن، كل ذلك جعلني وانا الذي لم اخرج من البلاد قط، وبقيت في الخرطوم في احلك ظروفها اسال نفسي هل اشعر انا باليقين، هل اشعر بالطمأنينة الإجابة لا تختلف عن من سالتهم لا يقين في ظل هذه الأوضاع ولا طمأنينة

بلاد منهارة

في ظل هذا كله، كيف يفكر المواطن في الأمن؟

ليس الأمن العسكري وحده ما يقلقه، بل الأمن الغذائي قبل أي شيء. المواطن يرى بلاده منهارة، يرى أوضاعًا مادية خانقة، يرى فرص العمل تتبخر، خاصة أمام أصحاب رؤوس الأموال.

قلت لنفسي: تخيّل رأسماليًا اليوم يفكر في فتح مصنع. بأي منطق؟

الوضع هش، متقلب، قابل للانفجار في أي لحظة. رأس المال بطبيعته يخاف التغيرات الجذرية، وفي مثل هذه الظروف لا أحد يغامر بمدخراته. يبرز سؤال قاسٍ: هل الدولة قادرة أصلًا على حماية رؤوس الأموال المستثمرة؟

فالاستثمار لا يولد في الفراغ؛ يحتاج إلى أمن، إلى خدمات، إلى حد أدنى من الاستقرار.

جلستُ مع مبارك حسن، أحد الذين ما زالوا يراقبون المشهد بعيون مفتوحة على الخسارة. قال لي بوضوح إن الخدمات غير متوفرة بما يحقق طمأنينة المواطن. واضاف وضع العاصمة مختلف، بل أكثر تعقيدًا. من شبه المستحيل—في رأيه—أن يعود مواطن الخرطوم في ظل دمار شامل، وصرف صحي منهار، ومياه شحيحة لا تصل إلى البيوت. ذكّرني بأن مواطن الخرطوم يعتمد على الكهرباء في كل تفاصيل حياته: السوق، السفارات، الوزارات، البنوك، الصادرات، الواردات، حركة الدولار.

كيف تعود مدينة بلا كهرباء؟

وقال إن العودة قد تكون ممكنة فقط للمواطن البسيط، أولئك الذين يسكنون الأطراف ويعيشون بأقل القليل. أما المواطن الذي تعتمد عليه الولاية في التنمية، فيرى أن عودته مستحيلة. الموارد غير متوفرة، والأمن مفقود، والجريمة منتشرة.

الأسئلة تتكاثر حول الولايات المتأثرة بالحرب، وعلى رأسها الخرطوم. هل يمكن حقًا عودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل الحرب؟

القرار الرسمي موجود: مجلس السيادة ومجلس الوزراء حددا الأول من يناير 2026 موعدًا لعودة الحياة، وكُلّف الفريق أول إبراهيم جابر بالمهمة. لكنني ظللت أسأل: هل تعود المدن بالقرارات؟ أم بالناس؟

إيهاب جعفر، الذي التقيته لاحقًا، أعاد ترتيب السؤال من جديد. قال لي إن الإجابة لا تكون بـ«نعم» أو «لا»، بل بتحديد محفزات العودة.

الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم، الأمن، اللوجستيات—كلها أساسيات. لكن الأهم من كل ذلك: فرص كسب العيش

الدولة، كما قال، هي المخدِّم الأول، والمحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي. وحين توقفت دواوينها بفعل الحرب، توقف معها الاقتصاد. نظر إلى ما تحقق، وقدّر جهد الوالي ولجنة الفريق أول إبراهيم جابر، لكنه وصفه بأنه دون الطموح.

مغامرة غير مأمونة 

حجم التدمير الممنهج الذي قامت به قوات الدعم السريع للبنية التحتية يفوق التصور، بينما إمكانيات الدولة تتقاصر، مستنزفة بالجهد الحربي. المهمة، كما قال، شاقة وعسيرة، وقرار العودة يشبه تحديًا لخوض مغامرة غير مأمونة. وهذا ما يفسر العودة الجزئية لبعض الأسر

أشار إيهاب إلى ملاحظة لافتة: كثير من الأسر العائدة تستقر في مناطق أكثر استقرارًا بعيدًا عن قلب المدن. لهذا تبدو الخرطوم بحري، في وسطها، مدينة خالية من السكان

لكن، ورغم كل ذلك، قال إن هناك عاملًا لا ينتبه له كثيرون: الإصرار على العودة مهما كانت الظروف، خاصة لدى اللاجئين خارج البلاد، في مصر وغيرها، بحسب إيهاب الذي اردف:

المنفى يرهق الروح، حتى لو كان آمن

ثم انتقل إلى ملف آخر لا يقل خطورة: الجبايات

قال إن بعض محليات الولايات السبع ما زالت تمارس نهج الجباية والتعسف في التحصيل، دون مراعاة للظروف القاسية التي يواجهها المواطن، خاصة أصحاب الأنشطة الخدمية الضعيفة. دعا إلى إزالة العشوائيات التي نشأت على أطراف المدن أثناء العمليات العسكرية، واعتبرها مهددًا أمنيًا قائمًا. كما طالب بتفعيل الذراع الإعلامي للولايات، والتبشير بما تحقق وما سيتحقق، وإبراز الأنشطة، خاصة في قطاع الشباب، بوصفه المحرك الحقيقي للإعمار.

اطمئنان تدريجي

لكن ليست كل الأصوات متشابهة

معاوية حسن أخذني إلى زاوية أخرى من المشهد. قال إن هناك تحولًا نسبيًا في طمأنينة المواطن، من حالة رعب وتوجس إلى اطمئنان تدريجي. لمس ذلك في توسع العمل، وفي التواصل بين المواطنين داخل وخارج الولايات، وفي اقتراب حركة المواصلات من طبيعتها

لكنه لم يُخفِ الحقيقة: عودة المواطنين ضعيفة، خاصة إلى الخرطوم، بسبب النزوح واللجوء، وبسبب اقتصاد متردٍ يصعب إصلاحه في غياب حكومة تكنوقراط تدير النشاط الاقتصادي

قالها كما تُقال الحقائق المؤلمة: رأس المال جبان

وختم حديثه بالإشارة إلى التخريب الهائل الذي طال البنية التحتية، والمرافق الصحية والتعليمية. قال باختصار: لا يمكن القول إن الحياة ستعود إلى طبيعتها قريبًا. الطريق طويل، والخطوات المطلوبة أكثر مما أُنجز.

عدتُ من هذه الجولة وأنا أكثر يقينًا بشيء واحد:

أن عودة المواطنين ليست رحلة عكسية إلى البيوت، بل اختبار قاسٍ لفكرة الوطن نفسها.

وأن المشكلة، في جوهرها، ليست في الطرق ولا في البيوت المهدمة، بل في غياب ذلك الشيء الخفي الذي لا يُعلن في القرارات ولا يُقاس بالإحصاءات: اليقين.

وهكذا، لا تبدو عودة المواطنين مجرد مسألة زمنٍ مؤجل أو قرارٍ ينتظر التنفيذ، بل سؤالًا وجوديًا عن معنى البقاء في وطنٍ فقد بوصلته. فالمواطن لا يهرب من مدنه خوفًا من الحرب وحدها، بل يهرب من الغموض، من انكسار المعنى، من غياب الضمان بأن الغد سيكون أقل قسوة من اليوم.

العودة، في حقيقتها، ليست إلى الجغرافيا، بل إلى الإحساس بأن لهذه الأرض قدرة على الحماية والعطاء، وأن العيش فيها ليس مغامرة يومية على حافة الفقد.

ما لم يُستعاد الأمن بوصفه حياة كاملة لا هدنة عسكرية، وما لم يُفتح أفق العمل والكرامة، وما لم يشعر الإنسان أن الدولة تقف إلى جانبه لا فوقه، ستظل العودة قرارًا مؤجلًا، وستبقى المدن هياكل تنتظر سكانها، لا مدنًا نابضة بالحياة.

فالبيوت يمكن ترميمها، والطرق يمكن إعادة سفلتتها، لكن ما تهدّم في الداخل أصعب: الثقة، واليقين، والإحساس بأن الوطن لا يخذل أبناءه

وفي بلدٍ أنهكته الحرب، قد تُفتح الأسواق، وقد تعود الكهرباء ساعاتٍ في اليوم، وقد تُرفع الشعارات، لكن من دون يقين، ستظل الطمأنينة سلعة نادرة، وستظل العودة حلمًا هشًا.

ذلك أن الوطن لا يُعاد بالإعلانات، بل حين يقتنع مواطنه، لأول مرة منذ زمن طويل، أن البقاء فيه لم يعد فعل شجاعة… بل حقًا طبيعيًا في حياة آمنة وكريمة.

Exit mobile version