حكاية من بيئتي

حكاية من بيئتي

(19)

مسخرون

فيلابي

عندما يطفو على سطح ذاكرتي أظل أبحث عما أعضه ندماً، فيقع الفعل على قلم الرصاص المسكين، ذلك أن سبابتي نالت من العض ما أفقدني إحساس الألم. 

(مسخرون)، لعل صاحب الأسم الأصلي هو واحد من أولئك المغامرين الذي أتي بهم المستعمر الإنجليزي بقصد إحداث التغيير في مجتمعاتنا كرعاة وزراع لا علاقة لنا بالمدنية إلا بالنذر اليسير الذي لم يرض المستعمر. جاء بهم من كل المستعمرات من الهند ومن مصر والهلال الخصيب، ومن أوروبا، خاصة إيطاليا واليونان، وأظن أن إسم (مسخرون) ينتمي لهم. شغلوا الوظائف الحكومية، وشيّدوا المصانع الصغيرة والكبيرة، وفتحوا المتاجر، وعملوا في كافة المجالات،كلٌ حسب خبرته. إنتشروا في المدن الكبيرة والصغيرة على حد سواء.

أما زميل فصلي وصديقي (عادل) فقد نال اللقب بسبب لون بشرته. ، إذ تعلمنا منذ الصغر أن ننال من بعضنا وفقاً للون، الأمر الذي كبُر معنا وفينا حتى نخر في دواخلنا وفتّتنا، واتخذه المفتتون الكبار نهجاً أقعى بنا حد استصدار قانون الوجوه الغريبة!!

(عادل) كان مختلفاً في تفكيره وحركته وابداعاته. ميّزناه باللقب، وميّزه ذلك المعلم الموهوب (أستاذ عبد الله) حين نازله إبداعاً بإبداع في حصة الأعمال.

يسمونها (حصة الأعمال) وهي مزيج من الفنون واللعب والأعمال اليدوية. إذ أنها في الفصل رسم وتلوين، وهي ممارسة لعب بالطين والصلصال في (المظلة)، أو في الهواء الطلق في ذلك الركن القصي من فناء المدرسة الفسيح، وتحت ظلال النيم الوارفة، إلا أن (أستاذ عبد الله) أدخلنا، ونحن لم نتجاوز العاشرة في عوالم المسرح والأخيلة والأقنعة. فقد جعلنا نشكّل بالطين على الألواح الخشبية مقدمات وجوه بشرية بالحجم الطبيعي، قبلها نكون قد جمعنا الأوراق المستعملة قبل أن تدخل سلال النفايات، فننكب عليها تمزيقاً ريثما تجف المجسمات قليلاً، لنقوم بإلصاق قطع الورق الصغيرة ومراكمتها على الوجوه الطينية باستثناء فتحات العيون والفم والأنف. وذلك كانت أول دروس إعادة التدوير في حياتنا. ثم نضع الألواح تحت الشمس لتجف طبقة الأوراق والصمغ، وربما نعود إليها في آخر اليوم، أو في اليوم الثاني، لنبدأ التلوين قبل فصلها من الطين. ثم نضيف كتل الشعر من الخيوط، ونثبّت الرابط المطاطي ليمسك بالأقنعة على وجوهنا، وندخل مرحلة التمثيل والمرح. وكان أفضل الوجوه وأكثرها تماسكاً وإتقاناً هو ما صنعه (مسخرون)، الأمر الذي شجع (أستاذ عبد الله) ليطرح فكرة الأقنعة المشكلة بالأسلاك المعدنية، نغطيها بقطع الورق بذات النهج. وكذلك كان وجه الحمار الذي صنعه (مسخرون) هو قبلة مشاهدات المعلمين وتلاميذ المدرسة، بل ألبسونها أقنعتنا وتقدمنا الحمار لنغزو مدرسة البنات المجاورة كاسرين الحواجز، وصانعين لحظة فرح طفولي ضد الملل على أثر صرخات الرعب والضحك البرئ.

من فكّك تلك المعادلة يا عادل (مسخرون)؟

 معلم مؤهل مبدع + أدوات ومواد مسخّرة لإكمال العملية التعليمة بما في ذلك اللعب  X بيئة مدرسية حاضنة للإبداع = منهج تطوير متكامل (المحصلة).

من سخّر يا (مسخرون) كل مقدراته ليقعد بالعملية التعليمية لتصبح المدارس طاردة بهذا الحد، والمسافة بين مرحلة وأخرى (هوة) يسقط فيها ما، ومن كان واقفاً صالباً عوده؟

حين اتكأ ذلك السلم المتهالك على جدار العملية التعليمية – وإن لم يقصد واضعوه ذلك، ضاعت موهبة عادل، ومواهب بلا حصر. ثم لحق به من بعد – وهذه المرة عن قصد – ما هو أكثر تهالكاً، حتى لا يجد أمثال عادل من يمسك بيده، ليقوده إلى حيث يمكن تطويره والافادة منه.

نعم أصبحت المناهج لا تصلح لبناء الفرد، دع عنك بناء أمة. وأما المعلم فقد سُحب من تحت قدميه البساط لتضيع هيبته، مثلما ضاع جهد المستعمر البنائي التطويري المجتمعي الايجابي، وإن وازاه ما نعرفه جميعاً من عمليات سرقة الموارد، والتي زاد سعيرها حين لملم عدده، وساق معه ولده. وعاد إلى بلده، ليرثه من هو أكثر (سَعَرَاً).

ليس (مسخرون) وحده. إنهم عشرات الآلاف الذين كان بالإمكان تطوير مواهبهم ليسهموا في البناء. فإن كان في قريتنا الصغيرة وحدها، وفي حدود رصدي وحدي هناك حالات أخرى من وأد المواهب وقتل عصب الحس في سبابتي. فقد عضضتها وأنا أري أول راسم بورتريهات أعرفه في حياتي يدخل قوقعة صمت أبدية، حين استبدل ريشته الجريئة بالطورية، حتى نسيه الناس في غمرة انشغالهم بحياة الرتابة. وذلك الذي استطاع أن يركّب جهاز إلتقاط البث الاذاعي مستخدماً شفرات الحلاقة القديمة، وبعض الأسلاك، وقطعة مغناطيس استخرجها من أحشاء راديو قديم. ثلاثتهم الآن خرجوا من كتاب الابداع ليدخلوا كهف الإهمال.

كانت سمات الإبداع تتجلّى فيهم وتتلبّسهم، يملأهم الفضول والإستكشاف. أي أنهم ليسوا (هبّاشين) كما ينعتهم الجاهلون. يفكرون ويسألون، ويجدون حلاً للمشكلات الصغيرة التي تواجههم، ولديهم القدرة على التركيز في التفاصيل الصغيرة، واسع خيالهم، يحبون المخاطرة ، بيد أن الواحد من هؤلاء في عُرفنا (شليق)، وينعتهم البعض بالجنون أو الكذب إن هم عبروا عن رؤاهم. نجدهم يستمتعون بالتعلّم، يثابرون ويصرون على تحقيق النجاحات، لكننا نضع في طريقهم العراقيل، ولا صبر لنا، بل لا معرفة لنا بأهمية رعاية إبداعهم وتنمية قدراتهم، وتوفير  البيئة المحفزة لتطورهم، إلا فيما يندر، أو حينما يتعلّق الأمر بمهنة الأب ذات العلاقة بالابداع الفنّي (نجار.. ترزي.. بناء.. إلخ). وتجدنا نروّج لذلك (إبن الوز عوّام، ومن شابه أباه فما ظلم). ولا ندري أكان قصد الأب أن يعلم ابنه مهنته ذان الطابع الابداعي رعاية لموهبة ما، أم أنه أراد الاعتماد عليه في سياق المثل أو المقولة المستخفة بالعقول (الحمار إن ولد برتاح). فيما يربط من يدرك رعاية الابداع على مستوى الدول والمؤسسات بتحفيز النمو المؤدي إلى التنمية المستدامة.

ما افتقده (مسخرون) وأشباهه المنتشرون – مؤكداً – في كل بقعة من بلادنا هو تحفيز الفضول من قبل مؤسسات الدول والمجتمع، وفتح الفرص للتجريب والتفكير خارج الصندوق، مع توفيز البيئة المحفزة المستدامة. فقد تمزّق خيط التحفيز والتطوير أسفل درجات ذلك السلم. ووجد أمثال (أستاذ عبد الله) في المهاجر من يحتفي بما لديهم من مواهب ومقدرات، وخلفهم في مدارسنا من المعلمين من ينافس زميله في إغراء التلاميذ للعمل في مزرعته بعد الدوام المدرسي في مواسم الحصاد، حين أصبح المعلم يهتم أكثر بزراعة مزرعته أكثر من زراعة الفكر في عقول تلاميذه – إلا من رحم ربي. وتغيّر مفهوم (الأمانة)، لا في المدارس وحدها، بل في كل مؤسسة حين نخر سوس الفساد حياتنا، وعاد (مسخرون) الأصلي إلى بلاده ليحكي في سخرية عن شعب أضاع فرصة الكينونة. 

كان التربويون الأوائل يدركون أن طلاق العنان للإبداع عند الأطفال هو عملية تتطلّب الصبر والدعم المستمر، من خلال توفير البيئة المناسبة والتشجيع المستمر ع لاستكشاف أفكار جديدة، يمكنها مساعدتهم على تنمية مهاراتهم وتفجير مواهبهم الكامنة، وتحقيق إمكاناتهم الكاملة. إذ يعد الاستثمار في الإبداع بناءً لمجتمعات مبتكرة ومزدهرة في المستقبل. ومشى على هذا النهج كل من استطاع أن يقود بلاده إلى العمار، بعد أن أخذ من المستعمر أفضل ما خلّفه، وركل –  عن معرفة ودراية – كل ما من شأن تعطيل عجلة التنمية. لقد آمن أولئك وهؤلاء أن الإنسان يولد في هذه الحياة مبدعاً، ويكون ذو قابلية للإبداع، ومن ثم يأتي دوره ودور من حوله في تنمية هذه المَلَكة، أو القضاء عليها، فليس هناك إنسان غير مبدع، إنما هناك إنسان لا يريد أن يكون سواه مبدعاً.

ألا يعني إتقان العمل الوارد في حديث خير البشرية عليه أفضل الصلاة والسلام “ إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” الوصول بالعمل إلى أعلى مستويات الابداع؟

تُرى كم فقدنا من مبدعين؟

ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى