رسالة لسمية سليمان (4)

يا سمية، إزيك وسلامات غاليات، 

الرسائل عثمان يوسف خليل

اولا أشكرك على كريم حديثك الطيب عبر الموبايل الأمر الذي شجعني ان اسرج خيلي وأعود إلى الخرطوم، تلك البقعة الطيبة من الأرض التي ترعرعت فيها منذ ان كنت صبياً يافعاً لا أعي من هذه الدنيا إلا القليل، إلى ان احتضنتني هذه المدينة العريقة والتي قيل بان اهلنا التواتة هم من غرسوا فيها اول بذرة للحياة..

ها انا ذا ياسيدتي أكتب لك للمرة الرابعة، وكم أنا سعيد بذلك. ليه؟ ما حأكتمك سرًّا يا سمية :  كم أنا أعشق هذا الرقم أربعة، ولا أعرف لهذا العشق سببًا واضحًا. لكن تعالي نتتبّع هذا الرقم سويًّا.

أهل الصوفية عندهم القِبَل أربعة (شايفة كيف؟ ونحن أصلاً ما بنعرف غير قبلة واحدة). وأهلي في الجزيرة، إن أرادوا لكِ الخير أو حتى الشر، يذكرون القِبَل الأربعة. الخلفاء الراشدون أربعة، الائمة اربعة ويوم الأربعاء مشتق من الرقم أربعة، وهناك كمان خور أربعات حاضر في الذاكرة، وحتى الأحياء في المدن تُقسَّم بالأرقام.

لكن ليتني اعرف ان من خطّط مدينة الخرطوم لماذا توقّف عند الخرطوم ثلاثة، ولم يواصل للخرطوم أربعة. وهناك، في الخرطوم ثلاثة، وُلدتِ وترعرعتِ يا سمية، واخترتها أنا سُكنًا ومودّة.

والخرطوم ثلاثة احتضنت ثلاثيًا فريدًا في تاريخ الغناء السوداني الحديث: إسماعيل حسن شاعرًا، ومحمد وردي فنان كل الأزمنة، وصنوه خالكم علي ميرغني، ذلك النغم الخالد. كما احتضنت مركز شباب الخرطوم جنوب، الذي عمّر حيّكم ونافس مركز شباب السجانة، ومنه تكوّنت بذرة الأغنية السودانية الحديثة؛ تلك التي كان لا بدّ لها أن تظهر لتناسب طبيعة العاصمة الجديدة، وتنافس مدرسة الحقيبة التي سيطرت على الساحة الفنية طويلاً وذاك هو الجانب الغربي من الخرطوم ثلاثة.

والحى الشرقي من خرطوم تلاته، فحكايته حكاية، حكاية مختلفة تمامًا. منه يا سمية ذلك خرجت تلك النخبة من النجوم وفي مجالاتٍ شتّى: محامون، ووزراء، وعلى رأسهم أول رئيس لمجلس الوزراء في حكومة نميري، ووزير التعليم الذي غيّر أعظم نظام تعليمي عربي ورثناه من البريطانيين، حين أدخل ما سُمّي بالسلم التعليمي فسقط السلم بمن فيه إنها الخرطوم الأخرى؛ واعني بها خرطوم تلاته واقصد هنا خرطوم الطبقة المتوسطة: من الموظفين وصغار التجار، أولئك الذين كانوا يسيّرون دولاب الحياة في الدولة، بهدوء، ومن دون ضجيج. 

اقيف هنا اليوم ونواصل، متمني لك عام جديد بكل معنى مع غالي التبريكات.

عثمان يوسف خليل 

المملكة المتحدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى