أزمة استبدال العملة تهز الأسواق وتفتح باب الفوضى

أفق جديد

في محاولة لتحسين الوضع الاقتصادي ومكافحة التزوير والنهب الواسع الذي أفرزته الحرب، أعلنت الحكومة السودانية في وقت سابق استبدال فئتي 500 و1000 جنيه من العملة المحلية، بوصفه إجراءً روتينيًا، مع قصر العملية على ولايات بعينها لدواعٍ أمنية. غير أن هذا القرار سرعان ما تحول إلى أزمة حقيقية، كشفت تداعياته حجم الهشاشة التي يعاني منها الاقتصاد السوداني في ظل استمرار النزاع المسلح، ودفع البلاد نحو مزيد من التعقيد.

وشهدت الأسواق شللًا شبه كامل، فيما تحولت الطوابير الطويلة أمام البنوك إلى مشهد يومي في معظم المدن، حيث يصطف المواطنون لساعات طويلة في محاولة لسحب جزء من أموالهم، في ظل ندرة حادة في السيولة النقدية.

معاناة المواطنين

يقول المواطن عصمت عبد الله إن الوضع الاقتصادي ازداد سوءًا مع نقص السيولة في الأسواق، ما جعل الحياة اليومية أكثر تعقيدًا، خاصة مع صعوبة إجراء أبسط المعاملات بسبب ضعف وسوء شبكات التطبيقات البنكية.

وأضاف عبد الله في حديثه لـ”أفق جديد”: “ربما أضطر للسفر من ولاية الجزيرة إلى مدينتي شندي أو عطبرة لتلقي العلاج، لكن ذلك يتطلب توفير فئات العملة الجديدة، لأن العملة القديمة أصبحت غير مبرئة للذمة في ولاية نهر النيل”.

وتابع: “نواجه صعوبة كبيرة في الحصول على العملة الجديدة، وقد أضطر لبيع مليون جنيه مقابل 700 ألف فقط، وهو ما يعكس حجم الاستغلال والفوضى الاقتصادية التي تجتاح البلاد”.

من جهتها، تقول المواطنة آمال عبد العزيز إن البنك المركزي لم يوفر الكتلة النقدية الكافية من الفئات الجديدة، الأمر الذي وضع المواطنين في حالة من القلق والخوف.

وأضافت في حديثها لـ”أفق جديد”: “المواطن يتعرض لخصومات كبيرة عند إجراء أي تحويلات مالية، ما يعكس حالة العشوائية والتخبط وضعف البنية المالية التي تعاني منها البلاد”.

اختلالات تتطلب المعالجة

يرى الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي أن نحو 80% من الكتلة النقدية يتم تداولها خارج النظام المصرفي، وهو اختلال خطير يجب معالجته، لما يمثله من تهديد مباشر للنظام المصرفي، مع ضرورة التحول بشكل أكبر نحو التعاملات الإلكترونية.

وأوضح فتحي في حديثه لـ”أفق جديد” أن عملية استبدال العملة لم تراعِ العديد من القواعد الأساسية المتبعة في مثل هذه الحالات، والتي تتطلب تحضيرات مسبقة ودراسة شاملة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في كل ولاية.

وقال: “من سلبيات قرار تغيير العملة عدم تحديد إطار زمني واضح لعملية الاستبدال، يأخذ في الاعتبار أوضاع الولايات المختلفة، ما قد يفتح الباب أمام عمليات غسل الأموال، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والأمني وتزايد النزوح، وغياب فروع بعض المصارف في الولايات غير المستقرة”.

وأضاف أن ذلك أدى إلى تعقيدات اقتصادية وخلق واقع العملة المزدوجة، حيث يضطر المواطنون إلى التعامل بعملتين تختلفان في القيمة، مما يؤثر سلبًا على مدخراتهم وقدرتهم الشرائية، ويفتح الباب أمام ممارسات ربوية.

وأكد فتحي ضرورة أن يضمن البنك المركزي تمكين جميع المواطنين، دون استثناء، من استبدال عملاتهم بالشكل الذي يحفظ حقوقهم، مشيرًا إلى أن “الكتلة الهاربة” تُعد من الأسباب الرئيسية لتدهور الاقتصاد السوداني، إذ يحتفظ بعض التجار بأموال طائلة خارج المصارف ويستخدمونها في أنشطة ومضاربات لا تخضع للرقابة الحكومية، وسط شبهات بعمليات مشبوهة في قطاعي العقارات وتجارة العملة وتهريب المعادن، وعلى رأسها الذهب.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يبدأ بتحقيق استقرار نقدي عبر خفض معدلات التضخم، ومعالجة العجز في ميزان المدفوعات والميزان التجاري، ورفع الإنتاج والصادرات، وصولًا إلى تحسين القوة الشرائية، مؤكدًا أن ذلك يتطلب حزمة إصلاحات متكاملة واستعادة الثقة بالعملة المحلية.

تدهور الحياة اليومية

من جانبه، يرى الصحفي الاقتصادي عبد الوهاب جمعة أن ظاهرة ازدواج العملة في السودان خلقت واقعًا اقتصاديًا مشوهًا، وأضعفت سياسة البنك المركزي، خاصة في ظل إصداره سياسات نقدية جديدة للعام 2026.

وأوضح جمعة لـ”أفق جديد” أن الأثر الأكبر لازدواج العملة يقع على سكان مناطق الصراع، حيث يضطرون لتحمل تكلفة الاستبدال من أكثر من جهة، ما يؤدي إلى أعباء إضافية تعيق حياتهم اليومية.

وأضاف: “السودان يعيش اقتصاد حرب، وأثر اقتصاد الحرب على حياة الناس أكبر من أثر ازدواج العملة، لكن اجتماع العاملين معًا يضاعف المعاناة، ويكشف السكان لمشكلات اقتصادية معقدة”.

وتابع: “مع استمرار الحرب ودخول عام 2026 دون توقفها، ستظل مؤشرات الاقتصاد السوداني في تراجع مستمر، ما يؤدي إلى تدهور حياة الناس اليومية، وتآكل المنشآت التنموية، وغياب أي بنية تنموية جديدة”.

أرقام ودلالات

وتسببت الحرب التي اندلعت منتصف أبريل 2023 في إغلاق 12 من أصل 18 فرعًا لبنك السودان المركزي في الولايات، ما حرم البنك من متابعة أوضاع العملة واستبدالها وضخ فئات جديدة، إلى جانب صعوبة نقلها بسبب الأوضاع الأمنية وإغلاق الطرق.

ووفقًا لبيانات البنك المركزي، يتألف الجهاز المصرفي من 38 مصرفًا (16 سودانيًا و22 مختلطًا)، تضم 833 فرعًا و77 نافذة و73 مكتب توكيل، بينها 435 فرعًا في مدن ولاية الخرطوم الثلاث، تمثل نحو 49% من إجمالي الفروع.

وكشف تقرير سابق للبنك عن توقف 70% من فروع المصارف في المناطق التي تشهد مواجهات عسكرية أو توترات أمنية، فيما تزاول حاليًا نحو 427 فرعًا فقط أعمالها في الولايات الآمنة.

وفي ديسمبر 2024، أعلنت الحكومة استبدال فئتي 500 و1000 جنيه في محاولة للسيطرة على الاقتصاد المتدهور ومكافحة التزوير. ووفق منشور صادر عن البنك المركزي، يهدف القرار إلى حماية العملة الوطنية وتحقيق استقرار سعر الصرف، ومواجهة الآثار السلبية للحرب، ولا سيما عمليات النهب الواسعة التي طالت مقار بنك السودان المركزي ومطابع العملة في الخرطوم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى