أفق جديد-الزين عثمان
وكأنّ الذاكرة السياسية للتاريخ تعيد إنتاج ذات المشاهد في التوقيت نفسه، اختارت الولايات المتحدة الثالث من يناير موعدًا يتقاطع مع واقعة مشابهة قبل ستة وثلاثين عامًا؛ ففي 3 يناير من العام 1989 اعتقلت قوة أمريكية رئيس بنما مانويل نورييغا، ضمن عملية عسكرية واسعة عُرفت باسم “السبب العادل”، ليعود التاريخ ويكرر نفسه في 3 يناير 2026 حين اعتقلت قوة أمريكية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
ويقبع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حاليًا في مركز احتجاز بمدينة نيويورك، عقب إصدار الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوامره بتنفيذ عملية للقبض على زعيم الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية، والسيطرة على بلاده في خطوة أثارت جدلًا واسعًا على المستويين السياسي والقانوني.
العملية التي وُصفت بالمباغتة نُفذت في وقت مبكر من يوم السبت، وأسفرت عن انقطاع التيار الكهربائي في مناطق من العاصمة كاراكاس، وشملت ضربات استهدفت منشآت عسكرية. وخلالها اعتقلت قوات خاصة أميركية مادورو وزوجته سيليا فلوريس، حيث نُقلا على متن طائرة هليكوبتر إلى سفينة تابعة للبحرية الأميركية، قبل ترحيلهما جوًا إلى الولايات المتحدة. وفي مقطع فيديو متداول، ظهر الرئيس “المختطف” وهو يردد عبارة “عام جديد سعيد”.
ورسمت هذه “العملية” مشهدًا جديدًا لعالم لم يعد فيه الرؤساء ينعمون بالأمان داخل قصورهم، حيث بات يمكن اختطافهم بسهولة وتحويلهم إلى السجون الأميركية، بفرمان مباشر من “ترامب” الذي لوّح بأن استراتيجيته الجديدة قد تطال حكامًا آخرين، محددًا من بينهم الرئيس “الكولومبي”.
وفي ردود الفعل الدولية، أعربت روسيا عن قلقها البالغ إزاء ما وصفته بنقل مادورو وزوجته “قسرًا” من البلاد، معتبرة أن هذه الإجراءات، في حال تأكدها، تمثل انتهاكًا غير مقبول لسيادة دولة مستقلة، وطالبت بتوضيحات عاجلة. كما أدانت موسكو “العمل العدواني المسلح الأميركي” ضد فنزويلا، داعية إلى الإبقاء على أميركا اللاتينية منطقة سلام، ومبدية استعدادها لدعم الحوار بين أطراف النزاع.
ويرى مراقبون أن ما حدث من جانب الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب هو اختطاف وبلطجة وليس اعتقالًا، إذ إن اعتقال الرؤساء تحكمه شروط موضوعية صارمة، ويتم عادة تحت مظلة الأمم المتحدة وبنص القانون الدولي. ويُعد ذلك استثناءً محتملاً فقط في حال كان الرئيس المعتقل متهمًا بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، حيث يمكن حينها تبرير التدخل وفق قرارات أممية أو تحت مظلة القانون الدولي.
وتؤكد القواعد القانونية الدولية أن عملية اعتقال رئيس دولة من داخل وطنه على يد دولة أخرى تمثل انتهاكًا صريحًا للسيادة الوطنية وللحصانة الدبلوماسية، إذ يتمتع جميع رؤساء الدول بحصانة تحميهم من الاعتقال أو الملاحقة القضائية في الدول الأخرى، وهو مبدأ يهدف إلى تعزيز الاستقرار الدولي وصون العلاقات بين الدول.
وفي الوقت الذي أدانت فيه دول كثيرة ما جرى في فنزويلا، ينتظر آخرون تكرار المشهد مع رؤساء آخرين يرون أنهم يهددون السلام العالمي وحياة مواطنيهم، وينتظرون “المخلّص الأمريكي” للقيام بهذا الدور. غير أن ترامب – بحسب محللين – لم يتحرك من أجل عيون الشعب الفنزويلي بقدر ما حركته الرغبة الأميركية في نهب موارد الدول الأخرى وتوظيفها لخدمة الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، نقل عن وزير الإعلام الأسبق في الحكومة السودانية فيصل محمد صالح، الذي غرّد رافضًا الخطوة، قوله إن ترامب لم يختطف مادورو لأنه ديكتاتور، بل لأنه طامع في ثروات فنزويلا من بترول ومعادن، وهو أمر ظل محور نقاش منذ شهور، وأشار إليه ترامب نفسه أكثر من مرة.
ويذهب صالح إلى أن ما قام به ترامب يُعد عملية إرهابية بموجب القانون الدولي، واعتداءً على سيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، معتبرًا أن الذين يتحدثون عن ديكتاتورية مادورو يبحثون عن منفذ للهروب من مواجهة الحقيقة.
وتبدو أميركا – وفق توصيف سياسيين – خائفة، لكنها تتحول إلى كيان مخيف حين يحرّك سيد المكتب البيضاوي “أقوى جيش في التاريخ”، وحينها يصبح على الجميع أن يتناسوا النياشين فوق رؤوسهم، ويتحسسوا رؤوسهم، خشية أن يواجهوا المصير ذاته الذي واجهه الرئيس الفنزويلي، الذي تحول إلى مجرد سجين في الولايات المتحدة الأميركية، في زمن سطوة القوة الأميركية التي يحركها ترامب. وسرعان ما طرحت خطوة فنزويلا سؤالها الكبير: من التالي؟
وعقب حادثة فنزويلا، غرّد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط مسعد بولس على منصة “إكس” قائلًا: “الرئيس ترامب لا يلعب ألعابًا، لا خداع، لا جدال، فقط أفعال مباشرة. هو صادق فيما يقول وملتزم به، إن لم تفهم الرسالة من قبل، فقد وصلت الآن، الآن أنت تعرفها”. وهي تغريدة أعادت طرح السؤال مجددًا حول الجهة المقصودة.
وفي التفسير “السوداني”، ذهب بعضهم إلى أن المقصود هو رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وهو تفسير عبّر عن رغبات من يرون في الرجل حجر عثرة أمام تحقيق السلام في السودان، أو بدقة أكبر أمام تحقيق الطموحات الأميركية في المنطقة، وبالتالي يرون أنه قد ينتظر تدخل الجيش الأميركي للقبض عليه ومحاكمته.
في المقابل، استبعد آخرون هذا السيناريو، معتبرين أن البرهان يمضي بخطى حثيثة لتحقيق الغايات الأميركية وتنفيذ التفاهمات السرية بين الخرطوم وواشنطن. واستشهدوا في ذلك بتصريحات مسعد بولس لصحيفة “السفير” اللبنانية، التي أشار فيها إلى أن الخطة الموضوعة تسير وفق ما هو مخطط لها، داعيًا إلى عدم التركيز على تصريحات البرهان المثيرة للجدل، والتركيز بدلًا من ذلك على وقف الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية.
كما أشار آخرون إلى أن بولس ربما كان يعني برسالته وتهديده المبطّن رؤساء دول أخرى، سبق أن أشار إليهم ترامب صراحة، من بينهم رئيس كوبا، ورئيس كولومبيا، وإيران، وغيرهم ممن يراهم ترامب تهديدًا حقيقيًا للمصالح الأميركية، معتبرين أن السودان لا يعني شيئًا لأميركا حتى تنفذ فيه عملية مشابهة لما جرى في فنزويلا.
واستبعد هؤلاء تحريك حاملات الطائرات الأميركية أو الهبوط في بورتسودان من أجل اعتقال قائد الجيش السوداني، الذي لا يمكن تصنيفه كتهديد للمصالح الأميركية أو لمصالح ترامب، فيما ذهب آخرون إلى القول إن قائد الجيش معتقل في أزماته الخاصة، ومسجون داخل حدود بلاده التي حولتها الحرب إلى سجن كبير، تبدو معه السجون الأميركية كفنادق خمس نجوم