السودان عام جديد وأزمات متجددة!

السودان عام جديد وأزمات متجددة!
«السياسة أسيرة السلاح، والاقتصاد مُثقل بتبعات الحرب، والمجتمع يرزح تحت وطأة النزوح والفقر وفقدان الأمل».

 

حسام حامد

مع مطلع عام 2026، يدخل السودان عاماً جديداً مثقلاً بإرث ثقيل من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، في مشهد يكاد يختصر ثلاث سنوات من الحرب والانقسام والتدهور الشامل؛ لا يحمل تبدّل التقويم وحده ما يكفي من الأمل، بقدر ما يكشف استمرار التعقيدات وتشابك الملفات، داخلياً وإقليمياً، في ظل غياب أُفُق سياسي واضح يضع حداً لمعاناة السودانيين.

على الصعيد السياسي، بدا واضحاً أن السُلطة القائمة تسعى إلى تثبيت مواقفها الأساسية دون تقديم تنازلات جوهرية؛ فقد جدد القائد الأعلى للقوات المسلحة الفريق أول “عبد الفتاح البرهان” رفضه القاطع لأي عودة إلى ما قبل اندلاع الحرب مع قوات الدعم السريع، مؤكداً أن حماية المدنيين تظل أولوية، رغم أن الواقع الميداني يعكس صعوبة تحقيق هذا الشعار في ظل اتساع رقعة العمليات العسكرية؛ هذا الموقف يعكس قناعة لدى القيادة العسكرية بأن أي تسويَّة لا تُفضي إلى تفكيك بنية الدعم السريع تمثل تهديداً مباشراً لمستقبل الدولة، لكنه في الوقت ذاته يغلق الباب أمام حلول تفاوضية قريبة، وفي نفس الوقت هو أقرب للخطاب الموجَّه إلى الداخل، أي المؤسسة العسكرية، في ضوء تناقض مواقف الرجل تجاه الخارج.

في السياق ذاته، أطلق نائب رئيس مجلس السيادة “مالك عقار” تحذيراً لافتاً من مخاطر تشظي السودان إلى دويلات، معتبراً أن استمرار النزاع المسلح، وغياب التوافق على عقد اجتماعي جديد، يقودان حتمياً إلى هذا السيناريو الكارثي؛ حديث “عقار” عن الفيدرالية والعدالة لا يبدو جديداً في الخطاب السياسي السوداني، لكنه يكتسب خطورة خاصة في ظل واقع الانقسام الجغرافي، وتنامي سلطات الأمر الواقع، وتآكل مفهوم الدولة المركزية؛ فالدعوة إلى عقد اجتماعي جديد تصطدم بواقع السلاح المنفلت وغياب الثقة بين المكونات المختلفة.

إلى ذلك، وإقليمياً، أعلن السودان دعمه الكامل للجهود السعودية في اليمن، بما في ذلك استضافة مؤتمر شامل للمكونات الجنوبية، في محاولة لتعزيز الحلول السلمية؛ هذا الموقف يعكس رغبة الخرطوم في الحفاظ على علاقاتها الإقليمية، وتقديم نفسها كطرف داعم للاستقرار، رغم هشاشة وضعها الداخلي؛ غير أن التحذير السوداني من التدخلات الخارجية التي تهدد وحدة اليمن يثير مفارقة لافتة، إذّ يواجه السودان ذاته اتهامات بتأثر مساره الداخلي بتدخلات إقليمية متشابكة.

وفي هذا الإطار، تصاعدت أصوات سياسية تتهم دولة الإمارات بلعب أدوار تسهم في تقسيم دول عربية، من بينها السودان واليمن؛ ورغم أن هذه الاتهامات تندرج في إطار السجال السياسي والإعلامي، فإنها تعكس حجم الاحتقان الإقليمي، وتحوّل الساحة السودانية إلى جزء من صراع نفوذ أوسع، يدفع ثمنه المواطن البسيط قبل غيره ويزيد في المقابل من هوَّة الفضاء السياسي ما يقوَّض بالتالي أيِّ جهود يمكن أن تُثمر حلولاً.

وفي السياق؛ ميدانياً، تشير التقارير إلى أن الحرب تدخل مرحلة أكثر خطورة، مع تغيّر خطوط الجبهات، واستخدام متزايد للمسيّرات، واستمرار حصار المدن، خصوصاً في كردفان ودارفور؛ وقد ترافقت هذه التطورات مع عودة تدريجية للأمم المتحدة إلى الخرطوم، في خطوة تهدف -نظرياً- إلى دعم الاستقرار والعمل الإنساني؛ غير أن هذه العودة تبقى محدودة التأثير ما لم تتوافر إرادة سياسية داخلية تضع حداً للحرب.

إزاء ذلك، دارفور تظل العنوان الأبرز للمأساة الإنسانية، حيث أُدينت هجمات على مستشفيات وأسواق، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني؛ هذه الهجمات لا تعمّق فقط معاناة المدنيين، بل تكرّس شعوراً عاماً بأن الإقليم متروك لمصيره، في ظل عجز الدولة والمجتمع الدولي عن توفير الحماية اللازمة؛ ومع تفاقم النزوح والمجاعة، يبدو أن دارفور تدفع ثمناً مضاعفاً لحرب لا تلوح نهايتها في الأُفُق.

اقتصادياً، حاولت الحكومة إرسال رسائل طمأنة مع إعلان بنك السودان المركزي سياساته المالية والنقدية لعام 2026؛ ركزت هذه السياسات على إصلاح الجهاز المصرفي، وتصنيف البنوك إلى أربع فئات، مع إمكانية دمج أو تصفية المؤسسات المتعثرة، إضافة إلى التحول الرقمي الكامل للمدفوعات بحلول سبتمبر؛ على الورق، تبدو هذه الخطوات طموحة، وتعكس إدراكاً لحجم الخلل الهيكلي في النظام المصرفي، لكنها تصطدم بواقع حرب عطّلت الاقتصاد، وقلّصت الثقة في المؤسسات.

وفي السياق؛ في ملف الذهب، سعت السياسات الجديدة إلى مكافحة التهريب وتشجيع التصدير الرسمي، مع توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية؛ غير أن السيطرة الفعلية على مناطق التعدين، وتعدد مراكز القوة، يجعلان من هذا الهدف تحدياً معقداً، في ظل اقتصاد حرب يعتمد على الموارد السهلة والسريعة.

أما الموازنة العامة لعام 2026، فقد أكَّد وزير المالية “جبريل إبراهيم” أنها تستهدف تحسين الأجور، وتوفير فرص عمل، ودعم المجهود الحربي، إلى جانب القطاعات الخدمية كالصحة والتعليم؛ كما شدد على أولويَّة العودة الطوعية للنازحين وإعادة الحياة الطبيعية؛ غير أن اقتصاديين حذروا من فجوة كبيرة بين الطموحات والقدرات، في ظل انكماش الناتج المحلي بنحو 40%، وتراجع الإيرادات بنسبة تصل إلى 80%، وفقدان ملايين الوظائف، ما يفاقم الفقر ويضع البلاد على حافة المجاعة.

على المستوى المحلي، أعلنت ولاية الجزيرة خططاً تنموية طموحة تشمل إنشاء مطار ود مدني، ومدن صناعية، ومنطقة حرة، ومحطات طاقة شمسية؛ هذه الخطط تعكس رغبة في التفكير بالمستقبل، لكنها تظل رهينة الاستقرار الأمني وتوفر التمويل، وهما عنصران مفقودان في الوقت الراهن.

خُلاصة المشهد أن السودان يستقبل عامه الجديد بأزمات قديمة تتجدد بأشكال أكثر تعقيداً؛ السياسة أسيرة السلاح، والاقتصاد مثقل بتبعات الحرب، والمجتمع يرزح تحت وطأة النزوح والفقر وفقدان الأمل؛ وبينما يتزايد الضغط الدولي لوقف الحرب، يبقى السؤال الجوهري، هل يمتلك السودانيون، نُخباً وقوى فاعلة، القدرة على تحويل هذا الضغط إلى مسار سلام حقيقي، أم أن عام 2026 سيكون فصلاً جديداً في كتاب المعاناة المفتوح؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى