برلمان مُعين وجيش يعاد تدويره والشعب خارج الخدمة
حيدر المكاشفي
تداول الناس خلال اليومين الماضيين تسريبات كانت في البدء تدور همساً في المجالس ثم تحولت إلى العلن، حول إعادة تشكيل الحكومة من جديد بحل المجلس السيادي واعتماد نظام رئاسي مع تشكيل مجلس تشريعي (برلمان) يتكون من ثلاثمائة عضو نشرت أسماءهم في التسريب، إضافة إلى تسريب آخر حول تغييرات واسعة مرتقبة في قيادة الجيش السوداني تشمل رئيس وهيئة أركان الجيش ستطال هيئة الأركان بشكل كامل يشمل رئيس الأركان وكامل أعضاء الهيئة. يُشار إلى أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان كان قد أجرى في أغسطس الماضي تغييراً واسعاً في هيئة الأركان مع الإبقاء على رئيسها الفريق أول محمد عثمان الحسين..الغريب ان ينقسم مؤيدو الجيش وداعمي الحرب ازاء هذه التسريبات إلى فريقين، فريق يعارض ويناهض ماورد في هذه التسريبات بل ويحذر البرهان من مصير الرئيس المخلوع البشير إذا أقدم على هذه الخطوة، وفريق آخر مؤيد وداعم لما ورد في التسريبات..والراجح أن تلك التسريبات التي إجتاحت المجالس لم تكن مجرد شائعة عابرة في سوق السياسة السودانية المثقلة أصلا بالضباب والريبة، بل بدت أقرب إلى ان تكون بالون اختبار أُطلق في لحظة حرجة لقياس اتجاهات الريح داخل معسكر السلطة، وداخل المعسكر الداعم للحرب نفسه، وان هذا التزامن بين السياسي والعسكري ليس تفصيلاً عارضاً، بل هو جوهر المسألة، والسؤال المركزي الذي تفرضه هذه التسريبات هو لماذا تطرح هذه التغييرات في ذروة حرب لم تحسم بعد، وفي هذا يقول علماء السياسة أن هندسة الدولة لا تُعاد في زمن النزاعات الوجودية إلا إذا كانت السلطة تشعر بأحد أمرين، إما ضيق الوقت، أو اهتزاز القاعدة التي تقف عليها. فالحرب التي بدأت بشعار استعادة الدولة، تحولت مع طول أمدها إلى عبء سياسي وأخلاقي، ومع تآكل الموارد وازدياد الضغوط الإقليمية والدولية، يصبح البحث عن شرعية بديلة أمراً ملحاً. وهنا تبرز فكرة النظام الرئاسي والبرلمان المعين كأدوات لإنتاج شرعية شكلية، لا عبر التوافق ولا عبر الانتخاب، بل عبر الأمر الواقع، فتسريب قائمة تضم ثلاثمائة اسم لمجلس تشريعي قبل الإعلان عن الإطار الدستوري نفسه، يطرح شبهة خطيرة هي اننا أمام برلمان ديكوري، فالبرلمان في حالة السودان الراهنة لا يفترض أن يكون مجرد مؤسسة تشريعية، بل أداة لحسم أسئلة الحرب والسلام، والعدالة، وترتيبات ما بعد النزاع. لكن تسريب الأسماء مسبقاً يوحي بأن الأمرلا يتعلق بتمثيل سياسي أواجتماعي حقيقي، بقدر ما يتعلق بتوزيع ولاءات وضبط المشهد من أعلى، فالحديث عن مجلس تشريعي من ثلاثمائة عضو في بلد محروق بالحرب والنزوح واللجؤ يبدو وكأنه نكتة ثقيلة الهضم، فأي تمثيل هذا وأي شرعية، وتبقى حقيقة ان هذا البرلمان المعين لا يُراد له أن يُشرع، بل أن يُصفق، لا أن يراقب، بل أن يُبارك. اذن هو برلمان لتجميل الواجهة، لا لمساءلة السلطة، نسخة غير منقحة من مجالس الشورى التي لا تشاور ولا ترى ولا تسمع..
أما التسريب المتعلق بتغييرات واسعة في قيادة الجيش وهيئة الأركان، فهو الأخطر والأكثر حساسية. فالجيش منذ اندلاع الحرب لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل أصبح الفاعل السياسي الأول، والضامن الوحيد في نظر مؤيديه لبقاء الدولة، والإشارة إلى تغيير كامل في هيئة الأركان، بعد أشهر فقط من تغييرات سابقة أبقت على رئيس الأركان، تفتح الباب لتأويلات متعددة، هل يسعى البرهان إلى تحصين موقعه بإزاحة مراكز قوى داخل المؤسسة، أم أن هناك إخفاقات ميدانية يجري تحميلها لقيادة الأركان، أم أن الأمر جزء من صفقة سياسية ما، يجري فيها ضبط الجيش ليكون متسقاً مع الشكل الجديد للسلطة، فحين يبدأ رأس السلطة في إعادة تدوير القيادات العسكرية بهذه الوتيرة، فذلك لا يعكس قوة، بل قلقا. ولا يدل على سيطرة، بل على صراع مكتوم داخل المؤسسة تجري إدارته بعيدا عن أي مساءلة، وعلى حساب الجنود والبلاد.. واللافت وربما الأخطر بحسب ما عبر عنه البعض كتابة، هو انقسام أنصار الجيش وداعمي الحرب أنفسهم إلى معسكرين، معسكر يرفض هذه التسريبات، ويحذر البرهان صراحة من تكرار سيناريو البشير، حين قادته هندسة السلطة من داخل النظام إلى العزلة ثم السقوط. ومعسكر آخر يرى في هذه الخطوات ضرورة، بل مخرجاً من حالة السيولة والفوضى السياسية. هذا الانقسام يكشف حقيقة جوهرية هي ان الحرب التي وحّدت هؤلاء في بدايتها، لم تعد كافية لإبقاء صفهم متماسكا. والاختلاف لم يعد حول العدو، بل حول شكل الدولة ومن يملك حق تقرير مصيرها.. في المحصلة ان البلاد تقف أمام مفترق طرق خطير. فإما أن تكون هذه التسريبات مقدمة لإعادة إنتاج نموذج سلطوي شبيه بسنوات البشير الأخيرة، سلطة مركزة، مؤسسات معينة، وجيش مسيس بالكامل. وإما أن تكون محاولة محفوفة بالمخاطر لإعادة ترتيب الدولة من فوق، في غياب أي توافق وطني حقيقي. وجوهر المشكلة هنا أن كل هذه التسريبات من أولها لآخرها، لا تتضمن الشعب السوداني إلا بوصفه متفرجا صامتا. لا حديث عن سلام، لا عن عدالة، لا عن انتقال، بل فقط عن من يحكم، وكيف يحكم، ومن يقصي ومن يُكافأ، فمن بحق الله أعطاكم حق إعادة تشكيل السودان دون السودانيين..غير أن التاريخ السوداني القريب والبعيد يعلمنا درساً قاسيا هوان كل سلطة تبنى في الظل وتسند نفسها بالسلاح وحده، تسقط بالظل نفسه حين يتغير ميزان القوة. والسؤال الذي يبقى معلقا هو هل يعي البرهان هذا الدرس جيداً أم تراه يراهن على أن الحرب ستمنحه ما لن يمنحه السلام، ام تراه يلعب آخر أوراقه قبل السقوط..