سيدأحمد بلال، إنَّما ظللتَ جُذُوراً
بقلم: عادل القصَّاص
مثلما أنا مُدينٌ لفقيدِنا، المكين في القلب، بَشَّار الكُتُبي، لتعريفي على عددٍ ليس قليلاً من ذوي الارتباط بالثَّقافة أوِ الفكر أوِ الإبداع أوِ السِّياسة – وبعضُهم ما تزال علاقتي بهم زاخرةً بالشَّجرِ والثَّمر – فإنَّ ثمَّةَ امتناناً خاصَّاً له لتعريفي بسيدأحمد بلال.
وعلى الرَّغم من أنَّ لقاءاتي بسيدأحمد، في “صالون بَشَّار”، كانت متباعدة، إلَّا أنَّه – سيدأحمد – ظلَّ، عقب نهايةِ كلِّ لقاء، يترُكُ في خاطري ما تَفعلُهُ قصيدةُ نثرٍ حميمةٌ وعطرٌ خفيفٌ لوردةٍ ليس من بين آثارِها تزكيةُ النِّسيان.
كنتُ سألتُ نفسي، مرَّةً، ما الَّذي جعل لسيدأحمد هذه المكانة، المجبولة على جُذُورِ الشَّجرِ، في وجداني وخاطري، رغم قدومِه المتباعد لصالون بَشَّار، كما أنَّ حُضُورَه، بالكلام، كان – خلال جلساتٍ صالونيَّةٍ غيرِ قليلة – بعيداً عن أن يكون فاقِعاً، لا سِيَّما إنْ كان عددُ رُوَّادِ الصَّالونِ كبيراً، حيث غالباً ما ينبثِقُ عن ذلك جدلٌ حارٌّ (وقد كان ذلك وقتَ حَشرَجَةِ نظام مايو).
من الملامح، الدَّاخليَّة والخارجيَّة، الجِذوريَّة، لسيدأحمد هدوءٌ عريقٌ، يتبدَّى، مثلاً، فى تقاطيعِ وجهِه، في حديثِه، في مِشيتِه، في نصوصِه، حيثُ جميعُها ملامِحُ لا علاقةَ لها بالتَّخثُّرِ أوِ التَّصمُّتِ أوِ الثَّرثرةِ أو الضَّجيج؛ إنَّما هي سليلةُ حِكمةٍ ولَّادةٍ، اطمئنانٍ وصمتٍ خصيبَيْن- بالذَّات عند الضَّرورة، الدَّاخليَّة، للاستكانةِ للحالةِ الأخيرة – كما تتمظهرُ – هذه الملامح – في ذوقٍ، مُركَّبٍ، رفيعٍ و/أو حضورٍ ، حضاريٍّ له من مَنابتِه – منابتِ سيدأحمدَ – في “حزيمة”، قريةٍ في الشِّمالِ النِّيلي، في مدينةٍ رئيسةٍ على البحرِ الأحمر (بورتسودان)، وفي الخرطوم.
في الخرطوم – خارج سياقِ صالونِ بَشَّار – تمكَّنت مِنِّي بعضُ جذورِ سيدأحمد، بعضُ ملامحِه، الأساس، لاسيَّما بعد أن عمِلتُ في “المكتبةِ المركزيَّة لجامعة الخرطوم”، وقد كان هو وقتها – ربَّما قبل ذلك (ذلك أنَّني علِمتُ بذلك من بِرِجِت) أنَّ سيدأحمدَ كان يعملُ وقتها أستاذاً للُّغةِ الإنجليزيَّة في ما عُرِفَت بـ”البُلِتِكْنِكْ كُلِجْ”.
كان سيدأحمد يحضُرُ، على نحوٍ شبهِ منتظِم، لمطعم أساتذةِ جامعةِ الخرطوم، على الأرجح أنَّ ذلك المطعم كان جرءاً من حيِّزٍ مكاني، لقُدُوماتِ سيدأحمد إلى أصدقاءَ، من ذوي الصِّلةِ، بوجدانِه بالغِ العَمَار.
من هؤلاء الأساتذة، محمَّد أحمد محمود وبُشرى الفاضل – وهما من دَعَياني لتناولِ الطَّعام، فطوراً كان أم غداءً، معهم، على منضدةٍ تتميَّز بفاطمة بابكر وبمحمَّد عوض كبلُّو كذلك. كان ذلك كسراً للتَّقليدِ الطَّبقي، (ربَّما “البيروقراطيِّ” أيضاً).
في مثل ذلك المناخ، الَّذي كان عامراً بتقديرٍ أحسستُه، دون تشوُّشٍ، وإن خالطَه ارتباك: هل أنا أستأهلُ ذلك؟
أوَّلُ نصٍّ قصصي لي، يُنشَرُ خارج البلد، “صورٌ زنكوكرافيَّة ليومٍ عادي”، كان وراءها سيدأحمد. فهو مَن أرسلَها لأصدقاءَ، ماركسيِّينَ عرب، من الإمارات، كانت مجلَّتُهم، “الأزمنة العربيَّة”، تصدُرُ من نيقوسيا.
سيدأحمد، مواصلةً، يتميَّزُ، بنظرةِ عينَيْن، بحديثٍ، بلغةِ جسدٍ، تتميَّزُ بورافةٍ موروثةٍ من الشَّجر.
لقد لاحظ – غالباً سيكونُ أحَسَّ- حين تحدَّث عنِّي، كقاصٍّ، كساردٍ بازِغٍ، وقتها، مع محمَّد محمود وبُشرى – الَّلذَيْنِ كانا من المتابعين لتطوُّري، بأنَّني قمينٌ باكتسابِ مزيدٍ من “آليَّاتِ التَّطوُّرِ الذَّاتي”، لا سيَّما وأنَّ محمَّد محمود كان يسعى -بدأبٍ- أن ألتحِقَ بكلِّيَّة الآداب بالجامعة. وقد ازدادت ورافةُ سيدأحمدَ عَلَيَّ، لي عقب عودةِ عبد الله بولا ونجاة محمَّد علي، في إحدى إجازاتِهما للسُّودان، حيثُ كانا يعملانِ في ليبيا؛ وهُما من بين الَّذين ظلُّوا متحمِّسينَ لحساسيَّتي الإبداعيَّةِ والثَّقافيَّة.
لذلك، ومثلما يفعلُ نهرٌ، غيرُ منزعِجٍ بالصَّخر، اقترحَ عَلَيَّ، في صياغةٍ من رَجاءٍ له طعمُ الماء، أن يسمِحَ لي بأن أدعوَ اثنَيْن من زملائه، ليُحَسِّنا لُغَتيَ الإنجليزيَّة.
سيدأحمد عند لسانِه الوريف.
فكان أن أحضرَ، لأجلي، أُستاذَيْن، من جهةِ روحِه وأُفُقِه. الأوَّلُ متخصِّصٌ في اللُّغةِ الإنجليزيَّة والثَّاني في الإنجليزيَّة والألمانيَّة.
لم أكن قد تعرَّفتُ على بِرِجِتْ، ذاتِ الأصلِ البريطاني، الَّتي كانت قد زاملت سيدأحمدَ في التَّدريسِ في البُلِتِكْنِكْ كُلِجْ في الخرطوم، كما لم أكن قد سمعتُ عنها، قبل لقائي بها – مُصادفةً – في أسمرا.
كانت بِرِجِتْ، بعد أن تركتِ السُّودان، كمعلِّمةٍ، بنتيجةِ انقلابِ نظام الموتمر الوطني، قد غدت مديرةً لمنظَّمة “إنقاذ الطُّفولة” الدِّنماركيَّة. التقيتُها حين ذهبتُ لزيارةِ صديقي “حمدان جمعة” في مكتبِه المتخصِّص في الاستشاراتِ الاقتصاديَّة في أسمرا. قدَّمني حمدانُ لبِرِجِتْ باعتباري صديقاً وكاتبَ قصَّةٍ سودانيَّاً. عقب تبادُلِ التَّحايا مع بِرِجِتْ، سألتني:
هل لديك صديقٌ سودانيٌّ، مقيمٌ بلندنَ، اسمُه سيدأحمد بلال؟
أجَبتُها، بفَمٍ يقول القلبَ بأن نعم.
قالت لي:
“حين أخبرتُ سيدأحمدَ أنَّني ذاهبةٌ لأسمرا، في مَهَمَّةِ عمل، أوصاني أن أبحثَ عنكَ لأنقُلَ إليه أخبارَك. وكنتُ سأسألُ حمدانَ، بعد نهايةِ لقائيَ الرَّسميِّ به اليوم، إن كان يعرِفُ كاتباً سودانيَّاً، يُقيمُ بأسمرا، اسمه عادل القصَّاص”.
بِرِجِتْ، وزوجُها، رُسْ، قدَّما لي خدماتٍ جليلةً، أثناء إقامتي في أسمرا.
عبر بِرِجِتْ، ظللتُ على تواصُلٍ، شبهِ مُنتَظِمٍ، بسيدأحمدَ كما بمحمَّد محمود.
بعد أن أضَفتُه، لقروب (الممر) في “الواتسآب”، هاتفني، بهدوئِه الوارِفِ، العريق:
“ياخي، معليش، داير أطلع من (الممر). هو نابِضٌ بالحياةِ، لكنَّ ايقاعَه سريع؛ ما بَقدَر أجاريه. لكن بدِّيكم، بَدَلي، بِتِّي، ضُحَى”.





