ميثاق القاهرة: محاولة مدنية أخيرة في لحظة الانهيار

لحظة فاصلة

في لحظة تاريخية مشحونة بالخراب والدمار، صدر في العاصمة المصرية القاهرة، يوم الأحد، وبجهد من القيادة المركزية العليا لضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين (تضامن) ميثاق القاهرة لوقف الحرب وتحقيق مقاصد ثورة ديسمبر واستعادة المسار الدستوري المدني الديمقراطي، كمحاولة جديدة لإعادة تجميع الصوت المدني السوداني في مواجهة حرب تهدد وجود الدولة نفسها. الميثاق لم يصدر عن فصيل بعينه، بل شاركت في إعداده وإجازته قوى سياسية متعددة المشارب، ونقابات مهنية، ومنظمات مجتمع مدني، وتنظيمات شبابية ونسوية، إلى جانب شخصيات قومية، في تعبير واضح عن إدراك جماعي لخطورة اللحظة وضرورة كسر حالة التشتت المدني.

مرجعية الثورة

انطلقت ديباجة الميثاق من استلهام صريح لأهداف ومبادئ ثورة ديسمبر المجيدة، باعتبارها المرجعية الأخلاقية والسياسية التي لا تزال تشكل الوعاء الجامع لأي مشروع وطني بديل. وأكد الموقعون أن الشرعية لا تُستمد من فوهات البنادق ولا من صفقات الأمر الواقع، بل من إرادة الشعب السوداني الحرة والشفافة، وهو تأكيد يعيد الصراع إلى جوهره الحقيقي: صراع على من يملك حق تمثيل السودانيين وتحديد مستقبلهم.

حافة الانهيار

يعترف الميثاق بوضوح أن السودان يقف على حافة التفكك والتمزق والانهيار المؤسسي الشامل، وأن البلاد تواجه أخطر تهديد لوحدتها منذ الاستقلال. هذا التشخيص لا يتعامل مع الحرب بوصفها أزمة أمنية عابرة، بل كأزمة بنيوية كشفت هشاشة الدولة، وعمق الخراب الذي راكمته عقود من الاستبداد والفساد وسوء إدارة التنوع، ما يجعل العودة إلى الحكم الدستوري المدني الديمقراطي ضرورة وجودية لا خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل.

حرب مدمرة

يضع الميثاق إيقاف الحرب في صدارة الأولويات، باعتبارها المدخل الإجباري لأي مسار وطني جاد. فالحرب، وفق ما يقره النص، كشفت حجم الدمار الذي طال مؤسسات الدولة، وأظهرت إلى أي مدى قادت منظومات الاستبداد والفساد البلاد نحو التفكك. ومن هنا، يصبح وقف الحرب ليس فقط مطلباً إنسانياً، بل شرطاً سياسياً وأخلاقياً لمنع سيناريوهات التشظي والتقسيم، ولبناء دولة مدنية ديمقراطية تعبّر عن جميع السودانيين والسودانيات دون إقصاء.

عدالة غائبة

في مواجهة محاولات طمس الجرائم أو القفز فوقها، يشدد الميثاق على الإصرار الكامل على محاسبة كل من تسبب في اندلاع الحرب والانتهاكات المصاحبة لها، ويؤكد الالتزام بمبدأ العدالة وعدم الإفلات من العقاب وجبر الضرر. هذا الالتزام يقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية تقوم على العفو المجاني أو إعادة إنتاج منظومات العنف تحت مسميات جديدة.

جهد دولي

لا يغفل الميثاق البعد الإقليمي والدولي للأزمة السودانية، لكنه يضعه في إطاره الصحيح، باعتباره جهداً مكملاً للدور الوطني لا بديلاً عنه. ويعترف بأهمية تكامل المبادرات الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الآلية الرباعية، سواء في الدعوة لوقف الحرب، أو إيصال المساعدات الإنسانية، أو دعم بناء سلطة مدنية، أو إصلاح المنظومتين العسكرية والأمنية، مع التأكيد على أن توجيه هذه الجهود يجب أن يتم وفق مصلحة السودانيين وإرادتهم الوطنية الخالصة.

وحدة مدنية

أحد المحاور المركزية في الميثاق هو التأكيد على وحدة القوى المدنية، ليس كشعار إنشائي، بل كالتزام عملي لا يقبل التأجيل. فالميثاق يقر بأن تشرذم القوى المدنية كان أحد عوامل إضعافها، ويطرح وحدة الصوت المدني بوصفها شرطاً لبناء مركز مدني قادر على إيقاف الحرب وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس جديدة.

دور النساء

يلتزم الميثاق بضمان مشاركة عادلة وفاعلة للنساء والشباب في جميع عمليات صنع السلام، والعملية السياسية، والحكم الانتقالي، في اعتراف صريح بأن إقصاء هذه الفئات كان أحد أوجه الخلل البنيوي في التجارب السياسية السابقة، وأن أي مسار انتقالي لا يضع النساء والشباب في قلبه محكوم عليه بإعادة إنتاج الأزمة.

ويرسم الميثاق معالم عملية حوار وطني مستمرة وشفافة بين مختلف مكونات القوى المدنية، الحزبية والنقابية والشبابية والنسوية، إضافة إلى المجتمع التقليدي ومنظمات المجتمع المدني. ويشدد على أن هذا الحوار يجب أن يقوم على نقد التجارب السابقة، وترسيخ القواسم المشتركة، وإدارة التباينات بروح وطنية خالصة، تتجنب الاستقطاب والانقسامات الحادة، وتعزز الثقة وثقافة التسامح والتعاون، بوصفها شروطاً لبناء رؤية سياسية موحدة وبرنامج عمل مشترك.

خطاب مسؤول

في سياق مواجهة الاستقطاب الحاد، يدعو الميثاق إلى الامتناع عن استخدام أي لغة تحريضية أو إقصائية، ونبذ خطاب الكراهية والعنصرية، وتبني خطاب سياسي وإعلامي مسؤول يحافظ على وحدة البلاد. كما يؤكد على الاستخدام الرشيد لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والعمل وفق رسالة إعلامية موحدة ضد الحرب ومشعليها، ووقف التراشق الإعلامي الذي يبدد طاقة القوى المدنية ويخدم دعاة العنف.ويشدد الميثاق على أهمية توحيد الرسالة السياسية والدبلوماسية للقوى المدنية تجاه الإقليم والعالم، بما يعزز الجهود الرامية إلى وقف الحرب واستعادة الحكم الدستوري المدني الديمقراطي، ويمنع استغلال الانقسام المدني في فرض حلول لا تعبّر عن الإرادة الوطنية.

 

إعلان نيروبي

وفي إطار البناء التراكمي، يدعو الميثاق إلى تطوير إعلان المبادئ السوداني الموقع في نيروبي، باعتباره خطوة مهمة في مسار توحيد الصوت المدني، لا وثيقة نهائية مغلقة، بل أساساً قابلاً للتطوير بما يستجيب لتعقيدات الواقع المتغير.ويؤكد الميثاق في خاتمته على التنسيق المشترك بين القوى الموقعة، كل من موقعه داخل التحالفات السياسية الراهنة، على مستوى الأهداف والأنشطة، وفق ما ورد في نص الميثاق، بما يعزز بناء مركز مدني موحد يعيد الحياة المدنية، ويحقق الأمان والاستقرار، ويُسكت صوت الرصاص الذي ظل أعلى من صوت السياسة.

المشاركون

شارك في صياغة وإجازة ميثاق القاهرة طيف واسع من القوى السياسية، من بينها حزب الأمة القومي، حزب البعث القومي، المؤتمر السوداني، المؤتمر الشعبي، الحزب القومي السوداني، التجمع الاتحادي، الوطني الاتحادي الموحد، حزب التواصل، الحزب الناصري تيار العدالة الاجتماعية، الحزب الوحدوي الناصري، تيار الوسط للتغيير، الجبهة الشعبية المتحدة، حزب الأمة، حزب التحالف السوداني، ، والاتحادي الديمقراطي الأصل. كما شاركت كيانات حقوقية ونقابية ومجتمعية من بينها مركز ساس الحقوقي، شركاء التنمية، القيادة المركزية للضباط وضباط الصف والجنود المتقاعدين تضامن، تنسيقية المهنيين والنقابات، اللجنة التسييرية لنقابة المحامين، الشبكة الشبابية السودانية، التنسيقية النسوية، مبادرة نساء السلام المستدام، تشاركية السلام، نقابة الصحفيين، مؤسسة نداء السودان للاجئين والنازحين، المجموعة السودانية لضحايا التعذيب، اتحاد الفنانين بالقاهرة ، منظمة إيوا، وسعة للإنتاج الثقافي وصناعة التعايش، إلى جانب شخصيات قومية من بينها الرشيد سعيد، شوقي عبد العظيم، الشيخ خضر، أحمد أبو سن، الناظر محمد سرور رملي، تماضر عبد اللطيف، عوض الكريم محمد أحمد، الطيب العباسي، مصطفى عوض الكريم، سارة نقد الله، فيصل بشير، عثمان فضل الله، وطارق فرح.

ورغم ما يحمله ميثاق القاهرة من لغة جامعة وتشخيص دقيق لجوهر الأزمة السودانية، فإن فرص نجاحه لا تُقاس بجمال النص ولا باتساع قائمة الموقعين عليه، بل بقدرته على التحول من وثيقة توافقية إلى أداة فعل سياسي منظم. فالتجربة السودانية القريبة تُظهر أن أزمة القوى المدنية لم تكن يوماً في نقص المواثيق أو الإعلانات، بل في العجز عن بناء مركز قرار موحد، يمتلك الشجاعة على الانتقال من مربع التوافق اللفظي إلى مربع الاشتباك السياسي الحقيقي مع أسباب الحرب ومن يقفون خلفها.

نقاط قوة

الميثاق يملك نقطة قوة أساسية تتمثل في إعادة الاعتبار لوحدة الصوت المدني، ورفضه الواضح لإعادة إنتاج التسويات المائعة أو العفو السياسي غير المشروط. كما أن انفتاحه على النساء والشباب، وتشديده على العدالة وعدم الإفلات من العقاب، يمنحه رصيداً أخلاقياً لا يُستهان به، خاصة في مواجهة سرديات الأمر الواقع التي تحاول تطبيع الحرب أو تسويقها كقدر لا فكاك منه. غير أن هذا الرصيد يظل هشاً إذا لم يُترجم إلى آليات تنظيمية واضحة، وهياكل قيادة محددة، وخطاب سياسي أكثر حدة في تسمية المسؤولين عن الحرب دون مواربة أو مساواة مضللة بين الضحية والجلاد.

التحدي الأكبر الذي يواجه الميثاق هو خطر أن يتحول إلى منصة حدٍّ أدنى، تُرضي الجميع لكنها لا تُغضب أحداً، وهو فخ سقطت فيه مبادرات مدنية سابقة. فالدعوة لوحدة القوى المدنية، رغم عدالتها، تظل فارغة ما لم تُحسم الأسئلة المؤجلة حول طبيعة هذه الوحدة، وحدودها، وأثمانها السياسية، خصوصاً في ما يتعلق بالموقف من العسكر، ومن شبكات المصالح التي راكمت نفوذها عبر الحرب. من دون هذا الحسم، قد تصبح الوحدة هدفاً بحد ذاته، لا وسيلة لإعادة بناء الدولة.

فرصة ومخاطرة

كما أن رهان الميثاق على تكامل الجهد الوطني مع المبادرات الإقليمية والدولية يحمل في طياته فرصة ومخاطرة في آن واحد. الفرصة تكمن في توظيف الضغط الدولي لوقف الحرب وتخفيف الكارثة الإنسانية، أما المخاطرة فتتمثل في أن تُختزل الإرادة المدنية في دور المُلحق أو المترجم لإرادات خارجية متغيرة، ما لم تُصَن استقلالية القرار المدني ويُعاد تعريف العلاقة مع الخارج على أساس المصالح الوطنية لا الضرورات الآنية.

في المحصلة، يمكن القول إن ميثاق القاهرة يفتح نافذة سياسية مهمة في جدار الانسداد، لكنه لا يكسر الجدار بعد. نجاحه مرهون بمدى استعداد القوى الموقعة عليه لمغادرة مناطق الراحة السياسية، والتخلي عن الحسابات الصغيرة، والقبول بتكاليف الوحدة الحقيقية، لا وحدتها الخطابية. فإما أن يتحول الميثاق إلى نواة مركز مدني فاعل، قادر على فرض نفسه لاعباً أساسياً في معادلة الحرب والسلام، أو يُضاف إلى أرشيف طويل من الوثائق التي قرأت الواقع جيداً، لكنها عجزت عن تغييره.

Exit mobile version