التعليم تحت النار: كيف صنعت الحرب جيلًا مهددًا بالضياع في السودان؟
وئام كمال الدين
خلفت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 دمارًا هائلاً في قطاع التعليم السوداني، الذي كان يومًا ما من أقوى الأنظمة التعليمية في المنطقة. نحو 19 مليون طفل حُرموا من مقاعد الدراسة مع بداية الحرب ، مهددين بظهور “جيل ضائع” يعاني من الأمية والتخلف. هذا الرقم يعادل نسبه كبيرة من الأطفال في سن التعلم، مما يجعل الأزمة التعليمية في السودان من الأسوأ عالميًا بحسب الأمم المتحدة.
ولعل من نافلة القول أن التعليم في السودان كان يومًا ما منارة للعلم والتميز، حيث أسس الاستعمار نظامًا تعليميًا متقدمًا، وأنشأ جامعة الخرطوم التي كانت من أقوى الجامعات في أفريقيا. لكن التغييرات غير المدروسة في المناهج التعليمية، والسياسات التعليمية المتعاقبة، أدت إلى تدهور الوضع التعليمي بشكل تدريجي. والآن، الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 دمرت ما تبقى من هذا النظام، مما زاد من حدة الأزمة التعليمية.
ومما يزيد الطين بلة، الهجوم على المدارس والجامعات كان شديدًا. 88 حادثة عنف موثقة استهدفت التعليم، شملت غارات جوية على مدارس أدت لمقتل وإصابة طلاب ومعلمين. 104 جامعات ومعاهد عُليا تعرضت لأضرار جسيمة، بما في ذلك الحرق والتخريب. في دارفور، دُمرت ثلاث جامعات رئيسية – جامعة الجنينة وجامعة زالنجي وجامعة نيالا – مما أدى إلى توقف التعليم تمامًا في الإقليم، فأصبحت البيئة التعليمية غير آمنة.
وبالتالي، أصبحت الولايات التي شهدت قتالاً مباشرًا مثل الخرطوم ودارفور تعاني من انهيار تعليمي كامل، بينما حافظت الولايات الآمنة مثل نهر النيل والشمالية على استمرارية نسبية للتعليم.
ففي بلاد تعد من أقدم أزماتها التعليم التفاوت في مستوياته تأتي الحرب لتزيد من الفوارق التنموية بين مناطق السودان، وتهدد وحدة البلاد. في الخرطوم، نزح حوالي 2.5 مليون طفل من مدارسهم، وفي إقليم دارفور قُدّر عدد الأطفال النازحين بحوالي 3 مليون طفل، مما زاد من معاناتهم وتحدياتهم.
ومع توقف الدراسة، أصبح التجنيد في الجماعات المسلحة بديلاً للعملية التعليمية بالنسبة للكثير من الشباب، مما يساهم في إطالة أمد الحرب ويزيد من العنف. كما أدى انعدام الروتين الدراسي اليومي إلى آثار نفسية وسلوكية سلبية على الأطفال، بما في ذلك شعورهم بـ«الفراغ» وانخراط بعضهم في سلوكيات عدوانية أو خطرة بتأثير أجواء الحرب.
ومن الطبيعي أن يؤدي الانقطاع الواسع عن التعليم إلى زيادة كبيرة في نسبة الأمية، مما يؤثر سلبًا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السودان. تشير التقديرات إلى أن الحرب أضافت حوالى ملايين الأطفال إلى قائمة المحرومين من التعليم، مما يزيد من حجم الأزمة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصاب الإحباط الشباب الذي كان يملك أحلامًا لخدمة البلاد، ودافعًا بعد ثورة ديسمبر. أصبحت الطاقة الشبابية مهددة بالانحراف وراء ظلمات خلقها أعداء السلام والديمقراطية.
. هذا الوضع يهدد مستقبل البلاد بأكمله، ويجعل من الضروري إيجاد حلول عاجلة لإعادة الأمل للشباب، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة لهم لمواصلة مسيرتهم نحو تحقيق أحلامهم وخدمة بلادهم.
وفي هذا السياق، تبذل المنظمات الدولية والمجموعات القاعدية جهودًا لتوفير تعليم بديل، لكنها غير كافية لمواجهة حجم الأزمة. الفصول المؤقتة والتعليم عن بُعد لا يغطيان حاجة الملايين من الأطفال المحرومين. اليونيسف ومنظمات أخرى عملت على توفير نحو 1,000 فصل تعليمي مؤقت في مناطق النزوح واللجوء، ما أتاح لما يقارب 941 ألف طفل فرصة للحصول على التعلم الأساسي والدعم النفسي والاجتماعي رغم ظروفهم.
ومن المؤسف أن الفصل في العملية التعليمية بين مناطق السيطرة العسكرية أدى إلى تفاقم الانقسامات الإقليمية. الأطفال في مناطق مختلفة يتلقون تعليمًا مختلفًا، مما يهدد وحدة السودان وفقدان الإحساس الوطني. هذا الوضع قد يؤدي إلى زيادة التمايز الإقليمي وتعزيز الشعور بالانفصال.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اضطر الملايين من الأطفال إلى النزوح مع أسرهم، سواء داخل السودان أو إلى دول الجوار، حيث يواجهون تحديات جسيمة في مواصلة تعليمهم. كما انتشرت ظاهرة عمالة الأطفال بشكل كبير، حيث اضطر الكثيرون إلى العمل لسد احتياجاتهم الأساسية، مما يعرضهم لمخاطر جسيمة ويحرمهم من حقهم في التعليم. إلى جانب ذلك، تزايدت حوادث العنف الجنسي ضد الأطفال، مما يزيد من معاناتهم ويعرض مستقبلهم للخطر.
عودة الاستقرار وإنهاء الحرب هما المفتاح لإعادة بناء التعليم في السودان. التعاون بين الحكومة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني ضروري لإنقاذ مستقبل البلاد. يجب توفير الدعم المالي واللوجيستي لإعادة فتح المدارس، وتدريب المعلمين، وتوفير المناهج الدراسية. كما يجب العمل على توحيد المناهج التعليمية لتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التعليم والسلام والعدالة. إن إرادة المجتمع المدني والتوعية هي الأساس لتحقيق الحرية والسلام والعدالة، وهي أهداف ثورة ديسمبر المجيدة. من خلال العمل المشترك، يمكننا بناء مستقبل أفضل للسودان، يقوم على حق المواطنة والمساواة للجميع.
وان أمل البلاد في جيل متعلم وواعي وشعب منتج وقيادات ذات رؤىة وفكر واستخدام مورد ذكي يستثمر جهود الشباب ويمكنهم ويستفيد من افكارهم خارج الصندوق يساعدهم على الابتكار وعلى الاستفادة من المصادر والثروات لبناء بنية تحتية حديثة وصديقة للبيئة وطاقة نظيفة.
إن البلاد تنهض بأبنائها، والتغيير والبناء يبدأ بالمجتمع. الأطفال هم أمل المستقبل، وهم من سيبنون غدًا أفضل للسودان. فلنعمل جميعًا من أجل توفير التعليم الجيد والآمن لهم، ولنبني معًا مجتمعًا متعلمًا ومزدهرًا.





