نصف قرن على الرحيل والخلود

(عَظَمة يا سِت) .. أم كلثوم التي ملأت الدنيا وشغلت الناس

علاء الدين بشير

دَينُ ووفاء

◼️حكى التلميذ الأكبر للأستاذ محمود محمد طه، وحفيد الشيخ مدني السُّني، مؤسس مدينة ود مدني، الأستاذ سعيد الطيب شايب، قدّس الله سرّه، لبعض الإخوان الجمهوريين، أنه في ستينيات القرن الماضي جاءهم الأستاذ محمود في حاضرة الجزيرة الخضراء بدعوة لإلقاء محاضرات فيها، وبعد برهة قليلة من وصوله سمع أن الفنان الكبير إبراهيم الكاشف، عليه رحمة الله، مريضًا وطريح الفراش الأبيض بمستشفى المدينة، فقام من فوره ولفّ عمامته ووجّه حديثه لأستاذ سعيد ومجالسيه من الإخوان: (الكاشف عنده حق على كل سوداني وسودانية)، ثم طلب منهم اللحاق به في المستشفى. قال أستاذ سعيد: (طوالي لفّينا عممنا وخرجنا وراءه).

◼️من قيمة الوفاء هذه، وقد جاء في بعض أشعار السادة الصوفية: الوفاء للحُرِّ دِين (بكسر الدال) ودَين (بفتح الدال)، أجدني رهين الواجب بكتابة هذه السطور في محبة (الست) التي أسهمت بقدر وافر من عذوبتها ورقيّ فنها وسخاء نفسها وطليعيتها وروحانيتها وأصالتها في تشكيل ذائقتي الفنية الموسيقية، كأحد ملايين السودانيين الذين فعلت بهم الشيء نفسه، والإلقاء بها في حلبة الجدل الواسع والمهم الذي لم ينقطع منذ ما قبل إطلاق فيلم (الست) الشهر الماضي في دور العرض المصرية، والذي تناول جانبًا من حياة (كوكب الشرق)، وانتاش بعض هذا الجدل سيدةَ الغناء العربي بسهام صدئة، من زاوية نظره للفيلم ومن حيث أراد الذود عن حياضها.

فيلم (الست) الذي أشعل ليس فقط الساحة الفنية، وإنما المجتمع المصري بكل طبقاته، وتجاوزه إلى خارج الحدود المصرية، من بطولة النجمة منى زكي، وسيناريو للكاتب أحمد مراد، وإخراج مروان حامد، بمشاركة مجموعة من كبار نجوم السينما والدراما في مصر حاليًا: نيللي كريم، وأمينة خليل، وعمرو يوسف، وأحمد حلمي، ومحمد فراج، والنجم عمرو سعد الذي يقوم بدور الرئيس جمال عبد الناصر.

◼️شببت على صوت أم كلثوم، وانطبعت صورتها في مخيالي وأنا في يفاعتي الأولى أتلمس وعيي بالأشياء من حولي دون تمييزها، وكانت هي قد غادرت إلى الرحاب العلية ولم تكمل خمس سنوات بعد؛ فقد داعبت أنغامها وطرق رنين صوتها الشجي آذاني من أشرطة الكاسيت التي كان يمتلكها لها أبي، عليه الرضوان، جنبًا إلى جنب مع نجوم زمانهم محمد عبد الوهاب، وعفاف راضي، ووردة الجزائرية، والعمالقة من الفنانين السودانيين الأثيرين عنده: العميد أحمد المصطفى، والتاج مصطفى، والعاقب محمد الحسن، عليهم جميعًا رحمة الله ورضوانه. وعلِق (بورتريه) الست في ذاكرتي من أغلفة المجلات المصرية والعربية التي كانت تتكدس في أضابير بيتنا قبل معرفتي فكّ الخط، ولكني كنت أجد متعة في التجوال بين الصور الملوّنة المختلفة والأغلفة المصقولة، وتميّزت صورة أم كلثوم دونًا عن البقية عندي بالمنديل أو الوشاح الذي لا يفارق يدها أبدًا وهي تعتلي خشبات المسارح، والذي لم أفهم سرّه مطلقًا؛ هل هو صيحة موضة ومكمّل لهندام الست وأناقتها، أم هو أداة تستخدمها لدوزنة إيقاعها الذاتي مع تنغيم الأوركسترا؟ حتى فاجأتني الصديقة والكاتبة أماني أبو سليم في مقالها المميز قبل أيام عن الفيلم، والمنشور في صحيفة (ديسمبر)، بعد مشاهدتها له بدور العرض المصرية، بتفسير سايكولوجي مختلف، وهو أنه أداة لامتصاص خوف مزمن ظل يسكنها طوال حياتها التي اتسمت بقسوة الواقع عليها.

وفي أطوار شبيبي اللاحقة حكى لي والدي عن علاقته الباكرة بفن أم كلثوم وشغفه، هو وأصدقاؤه، رحمة الله تغشاهم جميعًا، بتتبع حفلاتها في مسرح سينما (ريفولي) وسط البلد بالقاهرة، حينما كانوا مبعوثين للدراسة في معهد إمبابة للطيران في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي.

وخلال سنيّ تفتحي وتذوقي للفن، كان حينما تُبث أغنية لأم كلثوم يحاول دائمًا لفت نظري إلى مظهرها المحتشم ووقارها وسطوتها وهي تعتلي المسرح، ثم إلى حالة الانسجام من خلال المقدمات الموسيقية الطويلة والبديعة، ومقدرتها الفائقة على قيادة وتوجيه الأوركسترا التي تصاحبها في العزف، وطريقتها المبدعة المُسلطِنة في التركيز مع بعض المقاطع في الأغنية واسترجاعها وتكرارها بتركيز. وأستطيع القول إني أدين في تعلقي بفنانينا الكبار محمد وردي ومحمد الأمين، وخاصة في أعمالهم الخالدة ذات المقدمات الموسيقية الطويلة: (الود، لو بهمسة، وإلياذة الغناء السوداني “الطير المهاجر”… إلخ) عند محمد وردي، و(بتتعلم من الأيام، زاد الشجون، مراكب الشوق، طائر الأحلام… إلخ) عند محمد الأمين، إلى أعمال أم كلثوم الخالدة: (هذه ليلتي، الأطلال، فات الميعاد، إنت عمري، غدًا ألقاك… إلخ).

 

موعدٌ في الخرطوم

◼️ لأم كلثوم في وجدان السودانيين مكانٌ ثابتٌ لا يتزحزح، وهي عندهم ليست محضَ مغنية، وإنما كيانٌ رمزيٌّ كبير. كان آلافٌ من عشّاق فنّها الأصيل ينتظرون حفلها الأسبوعي في القاهرة مساء كل خميس، ويهرعون إلى أجهزة الراديو حيث كانت إذاعة «صوت العرب» تنقله على الهواء مباشرة. لذلك لم يكن غريبًا الاستقبالُ المهيبُ الذي حظيت به خلال زيارتها السودان في ديسمبر 1968، في إطار نشاطها الذي عُرف بدعم المجهود الحربي بعد الهزيمة التي تعرّض لها الجيش المصري في يونيو 1967 أمام إسرائيل، والإحباط العام الذي تسببت فيه.

وغطّت صحيفة (الأهرام) المصرية تفاصيل تلك الزيارة التاريخية، وذكرت أن المسؤولين السودانيين وقتها صمّموا على إقامة استقبال يليق بمقام السيدة أم كلثوم، لذلك تم إبلاغها عبر برقية من وزير المواصلات السوداني، يحيى الفضلي، بتأجيل سفرها من يوم 24 ديسمبر إلى يوم 25، وهي بمطار القاهرة تستعد لركوب طائرة «سودان إير ويز» المرسلة خصيصًا لها ولفرقتها الموسيقية المكوّنة من 25 عازفًا، والبعثة الإعلامية الكبيرة من الإذاعات المختلفة والتلفزيون والصحافة المصرية المرافقة لها. وسبب التأجيل، حسب البرقية، أن الحكومة السودانية لا تريد استقبالها في جوٍّ مليءٍ بالأحزان ومظاهر الحداد، حيث كانت ترتّب لاستقبال جثمان زوجة السفير السوداني في اليابان، والذي يتزامن وصوله إلى الخرطوم مع وصول أم كلثوم ورهطها.

وفي اليوم التالي اكتملت الترتيبات، وكان في استقبالها بمطار القاهرة سفير السودان بمصر وقتها، عبد الكريم ميرغني، وأعضاء السفارة وزوجاتهم. وأثناء انتظارها بصالة كبار الزوار بثّت الإذاعة الداخلية للمطار أغنيتها (هذه ليلتي)، ثم عندما صعدت إلى الطائرة رافقها ثلاثٌ من زوجات أعضاء السفارة حتى أجلسنها على مقعدها، وقد وجدت حين صعودها الورود مفروشةً على أرضية الطائرة، وباقاتٍ أخرى منها على مقاعدها.

في الخرطوم تم لها استقبالٌ رسميٌّ وشعبيٌّ يتقدّمه وزير الإعلام، عبد الماجد أبو حسبو، وسط باقات الزهور وزغاريد النساء. ثم تحرّكت رفقة الوزير في موكبٍ رسمي إلى بيت الضيافة الرسمي الذي نزلت فيه، إذ لم تُرِد الحكومة استضافتها في فندق السودان أو «الغراند هوتيل» المملوكين لها. وفور وصولها توافدت عليها سيدات ورموز المجتمع السوداني لتحيتها، وفي مقدمتهن زوجة رئيس الوزراء، إسماعيل الأزهري.

تراتيل «هذه ليلتي»

◼️ نُظّمت لأم كلثوم حفلتان بالمسرح القومي في أم درمان خلال زيارتها تلك. ويحكي البروفيسور علي شمو، في تسجيل للزميل والصديق خالد فتحي، عن كواليس تلك الزيارة، وكان وقتها مديرًا لتلفزيون السودان، أنهم كمسؤولين كانوا قلقين جدًا من عدم نجاح الحفلات، بسبب أن الجمهور السوداني غير معتاد على سماع والتجاوب مع المقدمات الموسيقية الطويلة والأغاني الأطول، وهي السِّمة التي عُرفت بها أم كلثوم.

وذكر شمو أن الحفلة الأولى حضرها رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري وكبار المسؤولين والشخصيات العامة في البلد، ووُضعت أسعارٌ عاليةٌ لتذاكرها. أما الحفلة الثانية فكانت مفتوحة للجمهور من عامة الناس بأسعارٍ عادية لتذاكرها، وأصابتها نجاحًا منقطع النظير. أضاف شمو أنهم تفاجأوا بمستوى التجاوب والتذوق والطرب الكبير من السودانيين مع أغاني أم كلثوم، خصوصًا أغنية (هذه ليلتي) للشاعر اللبناني جورج جرداق، والتي كانت قد أُنتجت حديثًا، وغنّتها لأول مرة في حفلٍ مُذاع من على خشبة المسرح القومي، وعبر أثير إذاعة أم درمان وتلفزيون السودان.

وذكر شمو أن ذاك التسجيل كان الأفضل للأغنية من بين جميع التسجيلات التي تمّت لها، بحسب أم كلثوم نفسها، لذا لا يزال يُبثّ ويُذاع عبر المحطات والفضائيات العربية حتى الآن.

ويقول الصحافي والكاتب المصري الكبير يوسف الشريف، الذي كان ضمن الوفد الإعلامي المرافق لأم كلثوم، في كتابه «السودان وأهل السودان»، إنه وهو في الطائرة نبّه الستّ إلى أن «أهل السودان لا يحبون أغاني الهجر والصدّ والفراق، ولا يطيقون الاستسلام طويلًا للأحزان والنكد والخصام، لأنهم يعشقون المرح والغناء والرقص وأفراح الحب ونشوة اللقاء»، ويضيف: «حين وقفت على المسرح اعتمدت أسلوبًا جديدًا وغير مسبوق في غنائها، واستطاعت السيطرة على مشاعر المستمعين».

ويورد الكاتب والباحث المصري كريم جمال، في كتابه «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي»، أن كوكب الشرق غنّت (هذه ليلتي) في الحفل الأول وكذلك في الحفل الثاني استجابةً لطلب الجمهور، وأنها عملت على إخضاع الأغنية للمزاج والذوق السوداني بتكرارها بعض المقاطع، خاصة افتتاحية الأغنية، لمراتٍ عديدة، مع إعطاء مساحاتٍ أطول لوصلات الموسيقى، مضيفًا أن أم كلثوم غنّت (هذه ليلتي) في تلك الحفلة لأكثر من سبعين دقيقة بسبب الطلب المستمر من الجمهور السوداني لها بتكرار مقاطع معينة في الأغنية، واستجابتها السخية لهم.

ويضيف جمال أن أم كلثوم بلغت ذروة تجليها الغنائي وهي تؤدي «هذه ليلتي»، ويذكر أنها بدت وهي تغني المقطع الأخير وكأنها في حالة ترتيل ديني، لدرجة أن وزير الإعلام السوداني عبد الماجد أبو حسبو شوهد وهو يبكي حينما ردّدت المقطع الافتتاحي من الأغنية: «سهر الشوق في العيون الجميلة/ حلمٌ آثر الهوى أن يطيله/ وحديثٌ في الحب/ إن لم نقله/ أوشك الصمت حولنا أن يقوله»، إذ وصف «أبو حسبو» حالته عند سماع هذا المقطع للكاتب الناقد رجاء النقاش، الذي كان ضمن الوفد الإعلامي لهذه الرحلة: «كنت أحس وكأنني في حالة عبادة وأنا أسمع أم كلثوم وهي تغني هذا البيت، ونقلت إليها هذا المعنى، فقالت إنها تعتبر أداءها لهذا البيت نوعًا من الترتيل».

ويذكر النقاش في كتابه «لغز أم كلثوم» أنه عندما نظر إلى الآلاف التي حضرت الحفلتين، وعندما رأى ترحيب الجمهور الكبير وحرارته نحو أم كلثوم وفنها، تساءل عمّا يفسر كل هذا الإعجاب والحب، ويضيف: «الإعجاب بأم كلثوم ظاهرة شاملة في العالم العربي كله، بمختلف بيئاته وظروفه الاجتماعية والتاريخية، وامتد هذا الإعجاب بفنها إلى عشرات السنين دون أن يتغير أو ينقضي، بل زاد».

◼️يتذكر الأستاذ علي شمو أن رهطًا من قيادات الاتحاد النسائي السوداني، الذي كان في ذلك الوقت مفخرة ومشرفًا للسودان ومتقدّمًا على نظرائه في العالم الثالث، أدهش الست جدًا. كانوا في استقبال السيدة أم كلثوم منذ وصولها إلى المطار ورافقوها طوال أيامها التسعة في السودان، والتي خلقت زخمًا كبيرًا وغطّت على كل الأنشطة الثقافية والاجتماعية في البلاد. ويقول إنه في أحد الأيام، وبعد عودتها مساءً من جولاتها إلى مقر إقامتها ببيت الضيافة، تفاجأت بمائدة ضخمة جدًا معدة لها بحضور عدد من السيدات، وكان ذلك احتفالًا بعيد ميلادها يوم 31 ديسمبر. فاضت مشاعرها وأجهشت ببكاء حار إذ لم تكن تتوقع أن أحدًا في السودان يعرف تاريخ ميلادها.

وتحدث شمو عن كواليس اللقاء التلفزيوني الشهير الذي أجراه معها، ذاكرًا أنه كمدير للتلفزيون كان يريد إعطاء شرف الحوار لأحد الإعلاميين العاملين معه، وكان في ذهنه تحديدًا حمدي بدر الدين، ولكنه تلقى توجيهًا مباشرًا عبر اتصال من وزير الإعلام عبد الماجد أبو حسبو يطلب فيه منه إجراء الحوار مع الست بنفسه وعدم إيكاله لأحد الإعلاميين معه. قال: جاءت أم كلثوم ومعها رهط كبير من الوفد الإعلامي المرافق لها، وكانوا يتابعون اللقاء عبر الزجاج خارج الاستوديو، يقتلهم الشغف ليروا كيف سيحاور هذا السوداني كوكب الشرق، التي كانت لقاءاتها في العادة لا تتجاوز بضعة دقائق. ويتابع: أعددت أربعة أسئلة فقط، ولكن اللقاء الذي استمر لأكثر من خمس وأربعين دقيقة تولدت أسئلته من داخله، وجاء مميزًا جدًا، وصار يُبث دائمًا في المحطات الإذاعية وقنوات التلفزة العربية في المناسبات التي تتعلق بأم كلثوم.

خلال أيامها في الخرطوم، احتفل بها اتحاد الفنانين السودانيين بقيادة العميد أحمد المصطفى، ونظم لها عدد من اللقاءات والبرامج المختلفة. كما تمت دعوتها لحفل زواج سوداني تقليدي في حي حلة خوجلي بالخرطوم بحري، كان زواج الوجيه أبوزيد الحاج أحمد من كريمة خليفة خلفاء السيد علي الميرغني، الشيخ النور، علوية (الشقيقة الصغرى لنايلة زوجة نائب رئيس مجلس قيادة انقلاب 19 يوليو 1971، الموؤد الرائد فاروق عثمان حمد الله). وقد حظي ذلك الزواج بتغطية واسعة في الصحافة ووسائل الإعلام المصرية المختلفة المرافقة لأم كلثوم، وتظهر فيه بإحدى الصور وهي سعيدة جدًا ويدها مخضبة بالحناء السودانية وحولها عدد من السيدات السودانيات.

تركت زيارة كوكب الشرق إلى السودان، والتي وثقت بدقة كبيرة في كل وسائل الإعلام المصرية والسودانية، أثرًا عميقًا في نفسها، وهو ما جعلها تطلب من الوزير أبو حسبو بحسب الرواية المتداولة، انتخاب عدد من دواوين الشعر لأنها تريد الغناء لشاعر سوداني، فجاء اختيارها لأغنية (غدًا ألقاك) للشاعر السوداني الكبير الهادي آدم، التي لحنها العملاق محمد عبد الوهاب، وشدت بها الست لأول مرة على المسرح المصري عام 1971. كما خلقت حرارة الاستقبال وحضور التفاعل الكبير من الجمهور السوداني في الحفلين اللذين أحيتهما بالسودان انطباعًا رفيعًا عندها عن عظمة الشعب السوداني، وعبرت عنه بوضوح وكثيرًا في اللقاءات اللاحقة التي أجريت معها عن رأيها في المستمعين لفنها من الشعوب العربية. ويورد الصحافي المصري الكبير محمود عوض في كتابه المرجعي عن الحياة الخاصة لسيدة الغناء العربي والموسوم: (أم كلثوم التي لا يعرفها أحد)، حينما سألها عن رأيها في النساء العربيات، وصفت المرأة السودانية بأنها أنيقة ومحتشمة في الوقت نفسه ومستحقة للاحترام.

الست بين شخصيتين

◼️قلت إن الجدل عن فيلم (الست) بدأ قبل إطلاقه بفترة، منذ إعلان اختيار النجمة منى زكي للعب دور أم كلثوم، حيث رأى كثيرون أنه لا يوجد تشابه بين الشخصيتين. وحينما قالوا ذلك، كان في ذهنهم النجمة صابرين في مسلسل (أم كلثوم)، التي كانت وجهًا مثاليًا مع المكياج ليعكس صورة بصرية في خيال المشاهدين تتطابق إلى حد كبير مع الصورة المحفورة في ذاكرتهم والمحفوظة لها في الأرشيفات المختلفة. ورغم أن ذلك العمل مر عليه ربع قرن، إلا أنه ظل يُبث في بعض القنوات بين الحين والآخر، ما جعل شخصية صابرين تتطابق مع أم كلثوم في المخيال الجمعي للمشاهدين.

وفي ذلك العمل الدرامي، تجنب المؤلف محفوظ عبد الرحمن والمخرجة إنعام محمد علي الزج بأي تفاصيل تقترب من حياة أم كلثوم الخاصة في جدلها مع الواقع من حولها، ولعبا في الهامش الآمن.

ومع أن المختصين وأهل الفن قطعوا بأن التشابه في الشكل ليس شرطًا لنجاح أي عمل فني يجسد شخصية تاريخية، فإن الارتباط العاطفي والمكانة الكبيرة وحالة الأسطرة التي ارتبطت بأم كلثوم في الواقع جعلت مثل هذه الآراء الفنية بلا قيمة لدى الجمهور المتحفز. مع أن الفنانة منى زكي ذكرت في حديث لموقع العربية نت الشهر الماضي أن التدريب على الشخصية وحده، كما في سيناريو الفيلم، استغرق منها أكثر من عام، وقالت إن هذا أصعب دور تؤديه طوال مسيرتها الفنية. ولكن، كما قلنا، إن أم كلثوم لم تكن مغنية فقط داخل الإطار المصري المحدود، وإنما رمز كبير هيمن على الوجدان العام في مصر والعالم العربي منذ بروزها وحتى اليوم.

اتهامات وغضب

تصاعد الجدل على السوشيال ميديا بعد إطلاق المقطع الدعائي (البرومو)، الذي كشف عن بعض أفكار فريق العمل، وارتفعت حدته، ورأى كثيرون أنه مُنفّر عن دخول السينما ومشاهدة الفيلم وليس وسيلة جذب له. ومع ذلك، بدا الجميع في حالة ترقب ليوم العرض في التاسع من ديسمبر الماضي، ومنذ ذلك التاريخ لم يقف الجدل والسجال عن الفيلم في كل وسائل الإعلام المصرية والعربية وحتى الأجنبية، إلى جانب السوشيال ميديا، وظل مستمرًا حتى كتابة هذا المقال.

لم أحظ بمشاهدة الفيلم حتى الآن لأنه لم يُعرض بعد حيث أقيم، ولكني تابعت ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، كثير من المداد الذي سكبت عنه واللقاءات التي أجريت حوله.

◼️انقسم الناس في جدلهم إلى ثلاث مجموعات رئيسية. الأولى رفضت الفيلم، واعتبرته إساءة متعمدة لـ”سيدة الغناء العربي”، وذهب بعضهم إلى اعتباره (مؤامرة) على مصر ورموزها، ومحاولة متعمدة لتشويه سيرة أحد أهم الرموز الفنية في مصر والعالم العربي، وطالب بعضهم السلطات بالتدخل وإيقاف عرض الفيلم، بينما دعا البعض إلى إنتاج فيلم موازٍ ليكون ردًا على التشويه الذي أحدثه “الست”. أصحاب هذا الرأي هم الأكثر عددًا، أو يمكن القول الأعلى حضورًا وتأثيرًا على المنصات. الفئة الثانية مدحت الفيلم وصنّاعه، لكن هذا الصوت انحصر في دائرة المقرّبين من فريق العمل، وبقي أقل عددًا وتأثيرًا. أما الفئة الثالثة، فآثرت الوسطية في موقفها، فقد اعتبرت “الست” عملاً ضخمًا واستثنائيًا من حيث الإنتاج، لكن به مآخذ وثغرات كان يمكن تفاديها، ليجيئ أقرب إلى الواقعية وقادرًا على إقناع الجمهور الواسع والمتنوع.

انسنة وخيال

حسب ما قرأت، فإن صنّاع الفيلم حرصوا على التأكيد في «التتر» أن الفيلم مستوحى من حياة أم كلثوم، وليس تسجيلاً لحياتها، الأمر الذي يترك الباب مواربًا للخيال في تناول السيرة. بينما ذكر المؤلف أحمد مراد في أحد اللقاءات، أن الفيلم هو محاولة لتقديم أم كلثوم الإنسانة. ومع أن إنسراح الخيال من الأسس التي يقوم عليها الفن، لكنه ليس فضاءً مطلقًا، وإنما يتحرك في هامش تفاصيل العمل وليس المتن، ما يكبح الجموح، ويظل مقيدًا بالحقائق المثبتة، خاصة في الأعمال التي تتناول رموزًا وأحداثًا معروفة وموثقة بين الناس. لذلك، لم تعصم تلك التوضيحات صنّاع الفيلم من وابل القصف النقدي العنيف.

تحدث الرافضون عن أن جرعة الخيال طغت على الوقائع، في اتهام صريح بالدس وتجاوز الوثائق التاريخية والحياة الموثقة والمرصودة جيدًا التي عاشتها كوكب وسط الشعب المصري. واتهم البعض صنّاع الفيلم بالهروب من الحياة الفنية العريضة التي عاشتها الست وملكت كل أقطارها، في تجاهل شبه كامل لأم كلثوم المغنية، والاستعاضة عن ذلك بتفاصيل خاصة وضيقة من حياتها بمبرر التناول الإنساني، مؤكدين استحالة هذا الفصل التعسفي.

وذكر آخرون أن الفيلم لم يأتِ بجديد، وإنما عمل على تدوير شائعات قديمة ومعزولة كانت تروج عنها، مثل اتهامات البخل والحرص على المال، والقسوة في تعاملها مع أعضاء فرقتها الموسيقية، أو انتهازيتها من أجل الوصول، وذلك بخضوعها وطأطتها لصلف الملكة نازلي زوجة الملك فاروق، ثم تحولها الكبير إلى جانب الضباط الأحرار بعد ثورة يوليو 1953 ونهاية العهد الملكي في مصر.

لكن في المقابل، جاءت العديد من الكتابات والآراء الرصينة والموضوعية التي تفند هذه المزاعم، وترى أن الذين تبنوها شاهدوا الفيلم بعين السخط التي تبدي المساوئ فقط، نافين أن يكون الفيلم احتوى على أي من تلك الافتراءات، وأنه لم يتضمن أبدًا ما يسيء أو يشين سيرة الست، وأن القائلين بذلك انتزعوا هذه التفاصيل الصغيرة من سياقها الكلي في حبكة الفيلم، وأنها لم ترد بهذا الإخراج المتعسف، وإنما جاءت كملامسة شفافة ورقيقة في سياق التعامل والانفعال الإنساني مع الوقائع والأحداث اليومية من الحياة التي عاشتها وتعاملت معها أم كلثوم.

هجوم متوقع

◼️الهجوم والرفض للفيلم أمر متوقع دائمًا في الأعمال الفنية والأدبية التي تتناول بجرأة السير وتلامس الحيوات الخاصة للرموز الكبيرة التي خُلّدت في وجدان الأمم، من زوايا نظر مختلفة عن التصور العام. وعند بعض مدارس النقد، فإن هذه هي المهمة الحصرية للفن بالأصالة: أن يزعج الناس ويصدمهم، لا أن يتحرك في الهامش الآمن من المجتمع.

خلال السنوات الأخيرة، أشعلت أعمال سينمائية ودرامية وأدبية تناولت شخصيات بارزة في التأريخ الإنساني والإسلامي جدلًا واسعًا بين الناس. فقد أثار مسلسل تناول سيرة الصحابي معاوية بن أبي سفيان، الذي أنتجته مؤسسة MBC خلال دورة رمضان الماضية، جدلًا واسعًا، وذلك استنادًا إلى الخلاف التاريخي والانقسام المذهبي داخل فضاء الإسلام ما بين السنة والشيعة.

وأغضب فيلم Mary، الذي بثته نتفليكس في ديسمبر 2024 ويتناول جانبًا من حياة السيدة مريم العذراء، العالم الكاثوليكي، خاصة مع زعم صناع الفيلم بأن (هذه مريم كما لم تعرفها من قبل). ورغم إقرار الكاثوليك أن الفيلم لم يتصادم مع العقائد الأساسية حول الأم المباركة، إلا أنهم رأوا أنه استند إلى مفاهيم غريبة، وقامت بأداء شخصية العذراء فيه ممثلة إسرائيلية هي (نواه كوهين). ومع أن صناع الفيلم أكدوا أنهم استشاروا مراجع دينية يهودية ومسيحية وإسلامية قبل إنتاج الفيلم، رأت مؤسسات كاثوليكية أن الفيلم بُني على نصوص غريبة عن السيدة مريم لم ترد في الكتب المقدسة.

وخلال رمضان، الذي اندلعت فيه الحرب عندنا في السودان، كانت القنوات السودانية تعرض المسلسل السوداني (ود المك) الذي يتناول شخصية رجل دين فاسد. تعرض المسلسل لهجوم شديد من على منابر المساجد في خطب الجمعة، وأوقفت بعض حلقاته، ونُظر إليه وفقًا للسياق السياسي في ذلك الوقت، وتأثر النقاش حوله بحالة الاستقطاب الحادة في المجتمع عقب ثورة ديسمبر بين تيار الإسلام السياسي وخصومه الآخرين، ولم يتم تقييم العمل الدرامي في إطاره الموضوعي كعمل فني يناقش ظاهرة اجتماعية قبل أن تندلع الحرب وتصرف السودانيين عنه.

وقبل سنوات، رأى بعض النقاد أن الكاتبة التركية البريطانية الجنسية، إليف شافاق، في روايتها الصادرة في العام 2010، والتي أحدثت ضجة عالمية وأصابت نجاحًا واسعًا ووزعت ملايين النسخ منها والموسومة (قواعد العشق الأربعون)، تناولت فيها سيرة الشاعر العرفاني جلال الدين الرومي، الذي عاش في القرن السابع الهجري، وأرسل بين سطور روايتها، وفق هؤلاء النقاد، إيماءات إلى علاقة مثلية جمعت بين جلال الدين الرومي وشيخه الدرويش الهائم في ملكوت الله، شمس التبريزي، وأن ذلك كان إسقاطًا يعبر عن ميول الكاتبة، التي أعلنت عنها صراحة في إحدى المنصات على الإنترنت.

لكن بالرجوع إلى الرواية وإلى كتابات عميقة ونافذة ومستبصرة عنها، لم أجد ما يسند القراءة المتعسفة لهؤلاء النقاد للرواية العظيمة، حيث لم يتمكنوا من النفاذ إلى فهم النقلة الكبيرة التي أحدثها شمس التبريزي في تلميذه الرومي، من خطيب وفقيه يقف مع ظواهر النصوص كما يفعل الفقهاء اليوم، إلى عارف بالله نفذ ببصيرته الثاقبة إلى المعاني المركوزة وراء النصوص ومكنونة داخلها، وإلى دقائق المعرفة بالله التي تعطي اليقين بوحدة الفاعل في الوجود، وهو الله، وإلى جوهر الدين وروحه، وهي المحبة المستمدة من هذا التوحيد. وعلى إثر ذلك اتسعت رؤية جلال الدين الرومي ووسعت محبته للضالين من أهل المعاصي مع كراهية ضلالهم، وقاده شيخه شمس التبريزي إلى شرب جرعة كبيرة من الخمر الإلهية: لا إله إلا الله، هو المعنى الذي لخصه بيت العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي:

خمرة كأسها (اَلَسْتُ) قديمًا

وحديثًا عقلي وكل حواسي

شرب الكون فهو سكران منها

وتراه معربدًا بالناس

لم تدع فضلة بهم لسواها

طهرتهم من سائر الأنجاس

فليهيَموا بل فلتهم هي عنهم

واحرسوها يا جملة الحراس

وبالرجوع إلى سيرة الكاتبة وعدد من اللقاءات معها، لم أجد ما يشير إلى تلك الميول الشاذة. وجدت أنها عاشت داخل أسرة مثقفة، وبين والدين منفصلين منذ الخامسة من عمرها، وأنها نشأت في كنف أمها الأستاذة الجامعية. ذكرت في أحد اللقاءات أنها نشأت بعيدًا عن المفاهيم التقليدية للثقافة الذكورية.

إنفاق الست المنسي

حكى صديق للجمهوريين إبان حركتهم الدعوية في ثمانينيات القرن الماضي أنه رأى رؤية منامية أزعجته جدًا، رأى خلالها يوم القيامة والناس في ذعر شديد، ورأى الأستاذ محمود يطمئن الناس، وعلى يمينه يجلس الفائزون في ذلك اليوم، وتعجب أن الجالسين يمينًا بينهم الفنانة الشهيرة عائشة موسى أحمد إدريس، الشهيرة بـ(الفلاتية)، وهاهاله أكثر أنه أُجلس إلى اليسار. حينما استيقظ، ركب المواصلات العامة وذهب مهرولًا إلى الأستاذ محمود ناسٍ سيارته الخاصة من فرط قلقه، وحكى له الرؤيا المنامية، فطمأنه الأستاذ بتأويل رؤياه في الاتجاه الخيّر. ثم حدثه الأستاذ بعدها عن عائشة الفلاتية وعن صبرها، كونها كانت امرأة مستضعفة فاشتقت طريقًا بكراً، فصعدت على كتفيها مبدعات سودانيات كثيرات. ثم قال له الأستاذ: “عائشة الفلاتية صبرت، مو كدي؟” فرد عليه بالإيجاب، فقال الأستاذ في اتجاه تأويل وجود عائشة في الرؤيا ما معناه: “مادامت كانت صابرة، فإن الله قد وفاها أجرها بغير حساب، لأنه تعالى قطع على نفسه عهدًا لا بد أن يوفيه حين قال:

(إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

دحضت مقالات عديدة المزاعم المثارة حول بخل أم كلثوم وحرصها على المال بذكرهم وقائع كثيرة من كتب وثقت لحياتها، تبين سخائها الكبير ومواقفها الإنسانية النبيلة وعاطفتها وقلبها الكبير. ومع ذلك، في موازين العمل عند المتصوفة، إنفاق المال ليس شيئًا بالمرة، وعندهم أن أكبر إنفاق هو من ذات الإنسان، استنادًا إلى الآية الكريمة: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا من ما تحبون)، ويقولون إن أحب شيء عند الإنسان هو نفسه. وقياسًا على ذلك، فإن الإنفاق الأعظم والمنسي لأم كلثوم هو ريادتها وشقها طريقًا بكراً وصعبًا للنساء في مجتمعها في ذلك الزمان الصعب، وحفرها على الصخر حتى تصل للقمة الشماء التي صعدتها بالعمل الشاق والدؤوب، وعبر الصبر واحتمال الأذى من الجميع بالخوض في سيرتها، لأنه معلوم أن الفن، والفن النسائي تحديدًا، نهض في مصر في إطار الجاليات الأجنبية التي تمصّرت، وكان أمرًا شاقًا أن تقتحم تلك الحياة فتاة فلاحة محافظة قادمة من قرية في قلب الريف المصري، وتشق طريقها دون أن تنتاشها سهام الإفك الصدئة وكمائن الكيد والحسد والتثبيط وتهكم الناس منها منذ طفولتها وحتى صباها لارتدائها جلابية الأولاد والشال والعقال على رأسها في مرافقتها والدها، الذي أراد بذلك حفظها به وهي تسعى معه بين القرى لإحياء الموالد وليالي الذكر والمديح، واستمرارها بذلك اللبس حتى وصولها القاهرة ودخولها به إلى سراي الملك.. إلخ من المتاعب.

لذا، فإن احتمالها أذى الناس خلال مسيرتها القاصدة تلك إنفاق من ذاتها، وفوق ذلك، توصيلها الخير بأسعاد الملايين في مصر والعالم العربي وخارجه بصوتها وأعمالها الفنية الخالدة، هو إنفاق مضاعف من ذاتها.

صعدت أم كلثوم من قاع الريف إلى قمة نجومية المجتمع في مصر والعالم، وظلت طوال صعودها في خضم هذا البحر اللُجّي متمسكة بأصالتها وقيم بنت البلد الأصيلة. يشير كثير من الذين أُتيح لهم إجراء لقاءات معها في فيلتها بالقاهرة إلى التمثال النحاسي للسيدة مريم العذراء، واللوحة المرسومة بألوان الزيت للفلاحة المصرية، في رمزية تجمع ما بين الطهر والأصالة.

خادمة الجناب النبوي

نشأت أم كلثوم أصلًا وتعتق صوتها من خلال حفظها الباكر للقرآن مع والدها الشيخ، ثم صقلت ذلك الصوت العذب بإنشادها المدائح النبوية في الموالد المختلفة. حتى أنها وكأنما دُبِغ صوتها ولسانها بذلك، فحينما دخلت السراي وسألها أحد الموظفين هناك: “بتمدحي الملك يا بت؟” أجابت بكل تلقائية: “لا، النبي”. وظلت الست، رغم صعودها الكبير إلى ذروة المجد، وفيةً لإرثها ذاك واستصحبته معها بالتطوير، حيث أدت أعمالًا خالدة لكبار الشعراء في مدح النبي عليه الصلاة والسلام. فمن منا لم تفضّ عيناه حين ينصت إليها وهي تصدح: (يا رسول الله خذ بيدي) و(طلع البدر علينا من ثنيات الوداع). ومن منا لم يذب طربًا ويقشعر جسده حينما يسمعها تؤدي (نهج البردة) و(سلوا قلبي) لأمير الشعراء أحمد شوقي، والتي اشتهرت بتكرار أم كلثوم لأشهر أبياتها:

“أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك.. بيد أن لي فيك انتسابًا”.

وغير ذلك من الأعمال الكثيرة والكبيرة التي ترفع الهمة وتشحذ الروح وتذيب القلوب، وتحبب في النبي عليه الصلاة والسلام وآل بيته الأطهار الكرام. وعند السادة الصوفية، مُدّاح النبي هم خُدّام للجناب النبوي، ويقولون إن النبي عليه الصلاة والسلام غيور عليهم ولا يقبل الإساءة لهم، لأنهم من أصفيائه وأهل محبته، ومحبته ليست بالأمر الهين ولا تؤتي ولا تلقى في القلوب إلا لأولى العزم من الناس. ومن أجل ذلك نجد أن عادة إكرام مُدّاح النبي عليه الصلاة والسلام متجذرة ومنتشرة في جميع أنحاء السودان، لأن إكرامهم من محبته عليه الصلاة والسلام.

حكى الأستاذ الفاضل شايب، أحد تلاميذ الأستاذ محمود، أنه في العام 1975 تقرر ابتعاثه من إدارة مشروع الجزيرة، الذي يعمل به، في مهمة تدريبية إلى القاهرة لفترة أربعة أشهر رفقة عدد من زملائه. وحينما قدم للخرطوم من مدني في نفس يوم سفره، ذهب للأستاذ محمود لوداعه. قال له الأستاذ: “توفيت الفنانة أم كلثوم ويتم تشييعها غدًا، ونريدك أن تمثل الجمهوريين في تشييعها”، فقد كانت امرأة صالحة، وأعطاه وصية شفاهية ليلقيها عليها قرب نعشها في تقليد معروف عند المتصوفة يخاطبون فيه الصالحين داخل أضرحتهم. كما أوصاه أيضًا بزيارة السيد الحسين.

يقول الفاضل: حين نزلت القاهرة استقبلتنا جهة التدريب ونقلتنا إلى فندق ريثما نتمكن من إيجاد شقة مناسبة. كان همي كله منصبًا في تنفيذ وصية الأستاذ بالمشاركة في التشييع وإبلاغ أم كلثوم الرسالة. في صباح اليوم المشهود ونحن في طريقنا لترتيب أمورنا السكنية، وبالقرب من مجلس الشعب المجاور لميدان التحرير، وبالقرب من مجمع الجوازات، فوجئت بحشود ضخمة ومجموعات سوارى، وبالاستفسار علمت أنه موكب تشييع الفنانة الراحلة أم كلثوم. قلت: (علامة الإذن التيسير).. وكنت مهندمًا ببدلة كاملة، فدخلت بهدوء بعد الصف الثاني في الموكب، وكان خلفي مباشرة جثمان الراحلة في طريقه إلى مسجد عمر مكرم بميدان التحرير للصلاة عليه.

فبدأت مبكرًا في توجيه الرسالة التي حُمّلت للراحلة:

“السلام عليكِ يا أم كلثوم، أنا ممثل للدعوة الإسلامية الجديدة التي يرعاها الأستاذ محمود محمد طه في السودان، للمشاركة في تشييعك إلى مثواك الأخير. باسم هذه الدعوة، أريد أن أحييك لمساهمتك المقدرة للسمو بالفن ورفعه إلى درجة عالية. ولقد كنت خير سفيرة لبلدك ومثلّتها خير تمثيل. ونحن في السودان فخورون بك لحملك الفن الأصيل وتمثيله خير تمثيل في العالم العربي والعالم، حيث كنتِ مثلًا للأخلاق الحميدة الدينية والأخلاقية، ومثلت الفن خير تمثيل. ونسأل الله أن يتقبلك القبول الحسن الذي يليق بك.”

وكان شاعر الشعب، محجوب شريف، قد أجرى لقاءً عام 1965 مع الأستاذ محمود لصالح مجلة (الحياة)، سأله فيه عن أم كلثوم، فأجابه الأستاذ: “حيثما سمعتها، فإن صوتها يلذّني”.

العمل الصالح

صدقت مقولة الست للشاعر أحمد رامي أن ما قدماه سويًا سيعيش أجيالًا وأجيالًا، وسيحكي الناس عنه حتى بعد وفاتهما، وعندي أن الجدل الكبير والصحّي الحالي بسبب الفيلم هو امتداد لاستقرائها ذاك. فقد حرّكت الغيرة على الست التلفزيون المصري، وبدأ منذ أيام إعادة بث مسلسل (أم كلثوم) بطولة صابرين وإخراج إنعام محمد علي على قناته الرئيسية، وأخذ عدد من دور النشر في مصر العمل على إعادة طباعة عدد من الكتب المرجعية التي تناولت حياة أم كلثوم ومسيرتها الفنية.

وزار محافظ الدقهلية، إحدى محافظات الدلتا والتي تقع فيها قرية أم كلثوم (طمايّ الزهايرة)، المنزل الذي نشأت فيه، وتقرر البدء في تحويله إلى متحف يخلّد المكان الذي وُلدت فيه سيدة الغناء العربي وترعرعت وبدأت فيه مسيرتها الأولى في الغناء الديني. وبدأ أحد المسارح في القاهرة عرض مسرحية بعنوان: (دايبين في صوت الست). وقدمت دار الأوبرا المصرية الأسبوع الماضي أمسية بعنوان “أم كلثوم بنت مصر.. شمس لا تغيب” للكاتب الصحفي محمود التميمي، وغير ذلك من الفعاليات والأعمال والإصدارات والمؤسسات التي تحمل اسمها وتتحدث عنها.

وفوق ذلك كله، عملها الصالح الذي يُنتفع به على مر الأجيال: أعمالها الغنائية الراقية والخالدة على مر الأجيال. عظمة يا ست!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى