الاقتصاد السوداني عام 2026

بين اقتصاد الحرب وشروط التسوية التعجيزية

 

عمر سيد احمد     O.sidahmed09@gmail.com                                

يناير2026

مقدمة

يدخل السودان عام 2026 وهو يواجه أزمة اقتصادية مركبة لم تعد تُفسَّر فقط باختلال السياسات أو ضعف الموارد، بل باتت انعكاسًا مباشرًا لحرب طويلة الأمد وانسداد سياسي عميق عطّل مسار التحول الديمقراطي. فالاقتصاد السوداني اليوم يعمل داخل بيئة صراع مفتوح، تُدار فيه الموارد خارج المؤسسات، وتغيب عنه الدولة بوصفها إطارًا ناظمًا للاقتصاد والمجتمع.

في هذا السياق، يصبح تحليل المشهد الاقتصادي غير ممكن دون ربطه ببنية الصراع، وبطبيعة السلطة القائمة، وبحدود تفاعل المجتمع الدولي مع دولة منقسمة وتفتقر إلى الشرعية، ومع أزمة إنسانية تُصنَّف اليوم ضمن الأكبر عالميًا.

الحرب كإطار حاكم للاقتصاد

لم تعد الحرب عاملًا طارئًا يؤثر في الاقتصاد، بل تحوّلت إلى الإطار الذي يُدار داخله الاقتصاد نفسه. فقد انقسمت السوق الوطنية فعليًا إلى مساحات اقتصادية محلية تحكمها موازين القوة العسكرية أكثر مما تحكمها القوانين الاقتصادية. وتراجعت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات أو إدارة السياسة النقدية، ما جعل مؤشرات مثل التضخم وسعر الصرف تعكس في المقام الأول الفوضى الأمنية وتعطل سلاسل الإمداد، لا سياسات اقتصادية قابلة للضبط.

مقاومة التسوية السياسية وكلفتها الاقتصادية

تُعد مقاومة الوصول إلى تسوية سياسية شاملة أحد العوامل البنيوية التي تُبقي الاقتصاد السوداني في حالة شلل مزمن. ففي أكثر من مناسبة، ربطت القيادة العسكرية القائمة أي تسوية سياسية بشروط أمنية وسياسية صارمة أُعلن عنها مرارًا في تصريحات قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان. وقد شملت هذه الشروط، في مقدمتها، اشتراط تسليم قوات الطرف الآخر سلاحها وإنهاء وجودها العسكري قبل الدخول في أي مسار سياسي أو تفاوضي، وهو ما يعني عمليًا ربط إنهاء الحرب بتحقيق حسم عسكري مسبق.

ولا يقتصر هذا الربط على هذا الشرط وحده، بل يمتد إلى اشتراط بقاء القيادة العسكرية الحالية ممسكة بالسلطة خلال فترة انتقالية غير محددة المعالم، مع رفض أي ترتيبات تُفضي إلى سلطة مدنية كاملة الصلاحيات في المدى القريب. كما شملت هذه الشروط رفض التعامل مع قوى مدنية بعينها وربط العملية السياسية بإعادة تشكيل الحقل السياسي وفق معايير تحددها القيادة العسكرية نفسها.

وقد وُصفت هذه الاشتراطات، في قراءات سياسية وتحليلية واسعة، بأنها تعجيزية في سياق نزاع مفتوح، لأنها لا تتعامل مع التسوية بوصفها أداة لإنهاء الحرب، بل كترتيب لاحق لانتصار عسكري مفترض. وأسهم هذا المنطق في تعثّر مساعي الوساطة الإقليمية والدولية، وإطالة أمد الصراع، مع ما يترتب على ذلك من كلفة اقتصادية متصاعدة وتوسّع اقتصاد الحرب على حساب أي نشاط إنتاجي مستقر.

ملامح الاقتصاد الكلي في عام 2026

في ظل السيناريو المرجّح لاستمرار الحرب أو الاكتفاء بتهدئات محدودة، يُتوقع أن يظل التضخم مرتفعًا ومتقلبًا، مع ضعف انعكاس أي تحسن رقمي محتمل على مستوى معيشة المواطنين. ويظل سعر الصرف هشًا، يتأثر بتدفقات قصيرة الأجل مثل الذهب والتحويلات، لا بقاعدة إنتاجية مستقرة. وفي هذا الإطار، يغيب التخطيط الاقتصادي متوسط وطويل الأجل، لتحل محله إدارة يومية للأزمات.

القطاعات الإنتاجية: الزراعة المنهارة والصناعة المدمّرة

شكّل تدمير القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الزراعة والصناعة، أحد أخطر مخرجات الحرب المستمرة، إذ أصاب جوهر الاقتصاد السوداني لا أطرافه. ففي الجانب الزراعي، تراجعت القدرة الإنتاجية بصورة حادة نتيجة النزوح الواسع، وانعدام الأمن، وتفكك مؤسسات الدولة المعنية بالإدارة والخدمات الزراعية، إلى جانب التدمير المباشر للبنية التحتية الريفية وشبكات الري والنقل.

ويُعد ما تعرّض له مشروع الجزيرة مثالًا صارخًا على هذا الانهيار. فالمشروع، الذي ظل لعقود العمود الفقري للإنتاج الزراعي المنظّم في السودان، تعرّض لنهب واسع لمعداته وأصوله، وتوقف شبه كامل لدوراته الإنتاجية، في ظل غياب سلطة إدارية فاعلة، وانقسام فعلي في السيطرة، ما أفقده قدرته على المساهمة في الأمن الغذائي أو توليد الدخل والعمالة.

أما القطاع الصناعي، الذي كان يتركز الجزء الأكبر من نشاطه في ولاية الخرطوم وولاية الجزيرة، فقد تعرّض لدمار واسع شمل المصانع، والمخازن، ومناطق الإنتاج، إضافة إلى نهب المعدات وخروج عدد كبير من المنشآت الصناعية عن الخدمة. وأسهم انهيار البنيات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه وشبكات النقل، في شلّ ما تبقى من طاقة إنتاجية، حتى في المناطق التي لم تتعرض لتدمير مباشر.

كما أدى تفكك سلاسل الإنتاج والتوريد، نتيجة الحرب والانقسام الجغرافي، إلى تعطيل العلاقة بين المصانع ومصادر المواد الخام والأسواق، ما جعل إعادة التشغيل الجزئي غير مجدية اقتصاديًا في كثير من الحالات. وبذلك، لم يقتصر أثر الحرب على توقف الإنتاج الصناعي، بل امتد ليشمل فقدان الوظائف، وتآكل الخبرات الفنية، وانهيار القاعدة الصناعية التي كانت تمثل عنصرًا مكملًا للقطاع الزراعي في خلق القيمة المضافة.

وفي الوقت نفسه، لا تزال أقاليم إنتاجية واسعة في دارفور وكردفان، وهي من أهم مناطق إنتاج الحبوب والثروة الحيوانية، خارج سيطرة سلطة الأمر الواقع، وتعمل في ظروف أمنية شديدة الهشاشة. وقد حال هذا الواقع دون انتظام المواسم الزراعية، وأعاق حركة المنتجين، وقطع سلاسل الإمداد بين مناطق الإنتاج والأسواق، ما عمّق أزمة المعروض الغذائي ورفع تكاليفه.

إن هذا التفكك المتزامن في الزراعة والصناعة لا يعبّر عن خسارة ظرفية، بل عن تآكل هيكلي طويل الأمد لقدرة الاقتصاد السوداني على الإنتاج والتشغيل. وبدون إعادة بناء شاملة للقطاعات الإنتاجية، تبدأ بوقف الحرب واستعادة وحدة الإدارة والبنية التحتية، سيظل الاقتصاد عالقًا في حلقة الاعتماد على الإغاثة، وانكماش الإنتاج، واتساع الفجوة بين مناطق الإنتاج ومراكز القرار.

الموارد الطبيعية والتحويلات

يلعب الذهب دورًا محوريًا كمصدر للعملة الصعبة، لكنه يُدار في الغالب خارج الأطر المؤسسية، ما يجعله جزءًا من اقتصاد الحرب أكثر من كونه رافعة للتنمية. وفي المقابل، أصبحت تحويلات السودانيين في الخارج شبكة أمان اجتماعي رئيسية لملايين الأسر، لكنها تُستهلك في تلبية الاحتياجات الأساسية ولا يمكن أن تعوّض غياب سياسات اقتصادية فاعلة أو مؤسسات دولة قادرة.

الدعم الدولي وحدوده في ظل غياب الشرعية السياسية

رغم زيارة وفد من البنك الدولي إلى السودان في ديسمبر 2025، فإن هذه الزيارة لا يمكن قراءتها باعتبارها عودة للسودان إلى منظومة التمويل الدولي، ولا تمثل اعترافًا سياسيًا أو اقتصاديًا بسلطة الأمر الواقع. فقد جاءت الزيارة في إطار فني وإنساني محدود، ووفق سياسة البنك الدولي OP 7.30 التي تمنع التعامل المباشر مع حكومات غير معترف بها دوليًا.

وبموجب هذا الإطار، اقتصر دور البنك الدولي على متابعة وتقييم المشروعات التي قُدِّم تمويلها قبل انقلاب أكتوبر 2021، والتي جُمِّدت لاحقًا مع اندلاع الحرب، بهدف تحديد ما نُفّذ منها، وما تعرّض للتلف، وما يمكن الإبقاء عليه في حدّه الأدنى لأغراض إنسانية وخدمية. ولم تتضمن الزيارة أي نقاشات تتعلق ببرامج إصلاح اقتصادي، أو دعم مباشر للموازنة، أو إطلاق تمويل سيادي جديد.

 

الوضع الإنساني: اقتصاد منهك فوق كارثة بشرية

يتقاطع المشهد الاقتصادي في السودان مع واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم اليوم. فوفق تقارير حديثة صادرة عن اليونيسف ووكالات أممية أخرى، تشير التقديرات إلى أن إجمالي عدد المشردين بسبب الحرب، داخليًا وخارجيًا، قد تراوح بين 12.5 و14 مليون شخص، ما يجعل أزمة السودان من بين أسرع أزمات النزوح نموًا على مستوى العالم.

وفي الوقت نفسه، تواجه البلاد أزمة غذائية حادة، إذ تُقدّر وكالات الأمم المتحدة أن أكثر من 21 مليون شخص داخل السودان يعانون من مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويعتمدون بدرجات متفاوتة على المساعدات الإنسانية للبقاء.

وفي إقليم دارفور، ولا سيما مدينة الفاشر، أكدت زيارات ميدانية لوكالات تابعة للأمم المتحدة حجم الانهيار في الخدمات الأساسية، ونقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، مع أوضاع بالغة القسوة داخل المعسكرات والمناطق المستقبِلة للنازحين.

هذه الأزمة الإنسانية لا تُعد نتيجة جانبية للحرب فحسب، بل أصبحت عاملًا اقتصاديًا مركزيًا، إذ تُخرج ملايين الأفراد من دائرة الإنتاج، وتُضعف رأس المال البشري، وتحوّل الخسائر الاقتصادية إلى خسائر هيكلية يصعب تعويضها حتى في حال توقف القتال

خاتمة

يعكس الاقتصاد السوداني في عام 2026 مأزق الدولة السودانية نفسها: حرب ممتدة، تسوية سياسية مشروطة بشروط تعجيزية، اقتصاد حرب آخذ في الترسخ، وكارثة إنسانية تقوّض أي أفق لتعافٍ مستدام. وأي مسار جاد للخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يبدأ من المؤشرات الكلية أو الزيارات الفنية، بل من إنهاء الحرب دون اشتراطات حسم عسكري، وبناء سلطة مدنية ذات شرعية، قادرة على تفكيك اقتصاد الحرب وإعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج والتنمية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى