حين تتكلم القوة وتصمت الشرعية
(الرمح الجنوبي) ونهاية عالم الشرعية الدولية
عبده الحاج – 3 يناير 2026
حين تتكلم القوة وتصمت الشرعية، نكون أمام لحظة فاصلة في تاريخ العلاقات الدولية. ويُقصد بـ(عالم الشرعية الدولية) ذلك النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تُدار فيه العلاقات بين الدول عبر القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الأمم المتحدة، بدلًا من منطق القوة العسكرية المباشرة. في هذا العالم، تُعد السيادة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، واحترام الحدود، قيودًا حاكمة يُفترض أن تنطبق على جميع الدول، بما فيها القوى الكبرى، وأن تشكّل الحد الأدنى من الضبط الجماعي للسلوك الدولي.
مع فجر الثالث من يناير 2026، دخل العالم مرحلة جديدة وخطيرة في العلاقات الدولية. فما جرى في كاراكاس لم يكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل زلزالًا سياسيًا وقانونيًا أنهى عمليًا أحد أهم محرمات النظام الدولي: حصانة سيادة الدول ورؤسائها. عملية الرمح الجنوبي (Operation Southern Spear)، التي أعلنتها الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وأسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد، تمثل أخطر سابقة من نوعها في القرن الحادي والعشرين، ليس بسبب نتائجها المباشرة فحسب، بل لما تؤسسه من تحول جذري في مفهوم الشرعية الدولية ذاته.
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن جهات أمريكية رفيعة، نفذت وحدات نخبة من القوات الخاصة الأمريكية إنزالًا عسكريًا واسع النطاق في العاصمة الفنزويلية، رافقه قصف مكثف، وانتهى بوضع رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة (في العهدة الأمريكية)، تمهيدًا لمحاكمته داخل الولايات المتحدة بتهم تتعلق بما تصفه واشنطن بـ(إرهاب المخدرات). لم يكن ما جرى مجرد اعتقال، بل اقتلاعًا مباشرًا لرمز السيادة الوطنية بالقوة العسكرية، في سابقة تتجاوز حتى نماذج التدخل الكلاسيكية أو الحروب بالوكالة، وتعيد تعريف العلاقة بين القوة والسيادة من جذورها.
غير أن التحول الأخطر لا يكمن في استخدام القوة وحده، بل في الإطار المفاهيمي الذي قُدِّمت من خلاله العملية. فقد أعادت الولايات المتحدة توصيف ما جرى لا كعمل حربي أو عدوان على دولة ذات سيادة، بل كـ(إنفاذ قانون) و(ملاحقة جنائية عابرة للحدود). هنا تتهاوى ركائز الشرعية الدولية؛ فحين تُحوَّل الحرب إلى إجراء قضائي، وتُسقط الحصانة الرئاسية بقرار أحادي، تصبح السيادة مفهومًا انتقائيًا لا مبدأً جامعًا، وتتحول العدالة إلى أداة سياسية لا مرجعية محايدة.
هذا المنطق ليس جديدًا على التاريخ الحديث. فقد شهده العالم في غزو بنما عام 1989 واعتقال مانويل نورييغا، كما شهده في غزو العراق عام 2003. في كل هذه الحالات، تكررت القاعدة نفسها: القوة تسبق القانون، ثم يُستدعى القانون لاحقًا لتبرير ما فُرض بالقوة أو لتجميل نتائجه. الجديد اليوم أن هذا المنطق يُطبَّق بصورة أكثر فجاجة، وفي سياق دولي أكثر هشاشة.
وقد أحدثت العملية انقسامًا دوليًا حادًا كشف عمق التصدع في النظام العالمي. فقد وصفت روسيا ما جرى بأنه عدوان مسلح وانتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة، بينما أدانت الصين السلوك الأمريكي بوصفه نموذجًا أحاديًا خطيرًا. هذا الموقف لا يعكس دفاعًا عن نظام مادورو بقدر ما يعكس إدراكًا عميقًا بأن تحويل اختطاف رؤساء الدول إلى أداة سياسية يفتح الباب أمام فوضى لا تستثني أحدًا. وفي أمريكا اللاتينية، استُحضرت الذاكرة الجماعية لتاريخ طويل من الانقلابات والتدخلات، واعتُبرت العملية إهانة لسيادة القارة بأكملها، بينما وقفت أوروبا في المنطقة الرمادية، مكتفية بالدعوة إلى ضبط النفس دون إدانة صريحة، في تجلٍّ واضح لازدواجية المعايير حين يتعلق الأمر بحليف استراتيجي.
في قلب هذا المشهد، بدت الأمم المتحدة عاجزة أكثر من أي وقت مضى. فبيانات القلق والتحذير من (سابقة خطيرة) لم تغيّر شيئًا من الواقع الذي فرضته القوة على الأرض. المنظمة الأممية لم تستطع منع العملية، ولا إيقاف تداعياتها، ولا محاسبة منفذيها، بسبب اختلال بنيوي معروف، على رأسه حق النقض وهيمنة الدول الكبرى. وهكذا انتقلت من كونها إطارًا لضبط القوة إلى مسرح تُدار فيه البيانات بعد أن يُحسم الفعل خارجها.
هذا العجز دفع العديد من الدول إلى البحث عن مظلات بديلة خارج الإطار الأممي. فبرزت منظمة شنغهاي للتعاون كمنصة أمنية وسياسية ترفض تغيير الأنظمة بالقوة وتوفر غطاءً متبادلًا لأعضائها، فيما تطورت مجموعة البريكس إلى مشروع استراتيجي يسعى إلى تقليص الاعتماد على النظام المالي الغربي الذي بات يُستخدم أداة ضغط وعقاب سياسي. هذه التكتلات لا تمثل بدائل أخلاقية للنظام الدولي، لكنها تعكس استجابات واقعية لانهيار المرجعية الجامعة وتشظي الشرعية.
وفي عالم تتآكل فيه الشرعية الدولية بهذا الشكل، يتسارع سباق التسلح بوتيرة غير مسبوقة. تُنفق الدول تريليونات الدولارات على أدوات الدمار، بينما تتراجع الاستثمارات في التنمية والصحة والتعليم. كل سابقة لا تُردع، وكل خرق لا يُحاسَب، يدفع العالم خطوة إضافية نحو حافة يصبح فيها الخطأ الواحد كافيًا لإشعال مواجهة واسعة لا يمكن احتواؤها. في هذا السياق، لم يعد السلام والتعايش السلمي شعارًا أخلاقيًا أو خطابًا مثاليًا، بل ضرورة وجودية في عالم بلغ من التسلح حدًّا يجعل غياب القواعد خطرًا شاملًا.
إن ما جرى في كاراكاس ليس حادثة معزولة، بل إعلان صريح عن نهاية مرحلة كانت فيها الشرعية الدولية قيدًا، ولو نسبيًا، على سلوك القوة. نحن أمام نظام دولي يتفكك، تتحول فيه القوة إلى مصدر الحق، وتغدو فيه المؤسسات عاجزة عن الضبط والردع. وفي عالم كهذا، لم يعد السؤال المطروح عند اندلاع الأزمات: هل هذا العمل قانوني؟ بل أصبح السؤال الوحيد: من يملك القوة لتنفيذه؟ ومن يملك الغطاء لتبريره؟ وهنا تكمن أخطر نتائج (الرمح الجنوبي): ليس مصير فنزويلا وحدها، بل مستقبل نظام دولي كامل دخل مرحلة ما بعد الشرعية.





