مفهوم الأمن القومي السوداني: بين الجغرافيا والدولة والمجتمع
محمد عمر شمينا
لا يمكن مقاربة مفهوم الأمن القومي السوداني بمعزل عن طبيعة الدولة نفسها. فالسودان ليس دولة عادية من حيث التكوين أو الموقع أو التاريخ، بل كيان تشكّل عند تقاطع جغرافيات وثقافات ومصالح، وظل منذ الاستقلال يعيش حالة توتر مزمن بين إمكاناته الكبيرة وقدرته المحدودة على إدارتها. من هنا، يصبح الأمن القومي في الحالة السودانية مفهومًا مركبًا، يتجاوز التعريفات العسكرية الضيقة، ليشمل الدولة والمجتمع والموارد والعلاقات الإقليمية في آن واحد.
الأمن القومي، في جوهره، هو قدرة الدولة على حماية بقائها، وصون وحدتها، والدفاع عن مصالحها الحيوية، وضمان حدٍّ معقول من الاستقرار يسمح للمجتمع بالحياة والإنتاج. غير أن هذه القدرة، في السياق السوداني، لا تُقاس فقط بامتلاك القوة الصلبة، بل بمدى تماسك الداخل، ووضوح الرؤية، وقدرة الدولة على تحويل الجغرافيا والتنوع من مصادر تهديد إلى مصادر قوة.
يبدأ الأمن القومي السوداني من الجغرافيا. فالسودان يمتلك حدودًا برية طويلة مع عدد كبير من الدول، وساحلًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، وارتباطًا مباشرًا بحوض النيل. هذه الجغرافيا منحت البلاد وزنًا إقليميًا محتملًا، لكنها في الوقت ذاته جعلتها عرضة لتقاطعات المصالح والصراعات. فالدولة التي لا تملك تصورًا واضحًا لكيفية إدارة موقعها، تتحول جغرافيتها إلى عبء أمني بدل أن تكون رافعة استراتيجية.
في هذا الإطار، يحتل البحر الأحمر مكانة مركزية في معادلة الأمن القومي السوداني. فهو ليس مجرد منفذ بحري، بل ممر استراتيجي عالمي، تتقاطع فيه مصالح قوى إقليمية ودولية. أمن هذا الساحل لا يرتبط فقط بحماية الموانئ أو حركة التجارة، بل بقدرة الدولة على أن تكون طرفًا فاعلًا في ترتيبات الإقليم، لا مجرد مساحة مفتوحة لنفوذ الآخرين. حين تضعف الدولة، يصبح البحر مسرحًا للتنافس، وتتحول الموانئ من أوراق سيادية إلى نقاط ضغط.
ولا يقل نهر النيل أهمية في منظومة الأمن القومي. فالنيل ليس مجرد مورد مائي، بل شريان حياة اقتصادي واجتماعي وسياسي. الزراعة، والطاقة، والاستقرار السكاني، كلها تعتمد عليه بشكل مباشر. أي تهديد لتدفقه أو لإدارته العادلة ينعكس فورًا على الأمن الغذائي، وعلى التوازن الداخلي، وعلى علاقة السودان بجواره الإقليمي. لذلك فإن الأمن المائي ليس ملفًا فنيًا أو تفاوضيًا فحسب، بل جزء أصيل من مفهوم الأمن القومي الشامل.
غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع أمنًا قوميًا. فالتحدي الحقيقي في السودان يكمن في الداخل، في العلاقة بين الدولة والمجتمع. السودان دولة متعددة الهويات، والقبيلة فيه ليست مجرد انتماء اجتماعي، بل فاعل سياسي واقتصادي وأمني في كثير من الأحيان. من هنا، يصبح الأمن القومي مرتبطًا مباشرة بكيفية إدارة هذا التنوع، لا بمحاولة إنكاره أو تجاوزه.
الإدارة الأهلية، تاريخيًا، لعبت دورًا محوريًا في ضبط المجتمعات المحلية، وحل النزاعات، وتنظيم العلاقة مع الأرض والموارد. تجاهل هذا الدور، أو التعامل معه كعائق أمام الدولة الحديثة، أسهم في خلق فراغات أمنية استغلتها الصراعات المسلحة والتدخلات الخارجية. في المقابل، فإن دمج الإدارة الأهلية ضمن إطار دولة حكم القانون، وتحويلها من سلطة موازية إلى شريك مؤسسي، يمكن أن يشكل أحد أعمدة الأمن القومي الداخلي.
الأمن الاجتماعي، في هذا السياق، لا يقل أهمية عن الأمن العسكري. فالدولة التي تعجز عن حماية السلم الأهلي، أو عن معالجة جذور النزاعات المحلية، تجد نفسها عاجزة عن حماية حدودها أو مواردها. النزاعات القبلية، والصراعات حول الأرض والمياه، ليست أحداثًا معزولة، بل مؤشرات على خلل أعمق في بنية الدولة، ينعكس مباشرة على أمنها القومي.
إلى جانب ذلك، يرتبط الأمن القومي السوداني ارتباطًا وثيقًا بالأمن السياسي. الدولة التي تفتقر إلى الشرعية، أو تعاني من انقسام القرار، تصبح قدرتها على اتخاذ خيارات استراتيجية محدودة. في مثل هذه الحالات، يتحول الأمن القومي إلى رد فعل، لا إلى سياسة مدروسة. وتدار الملفات الكبرى، كالعلاقات الإقليمية أو الموارد الحيوية، بعقلية مؤقتة، لا برؤية طويلة المدى.
ولا يمكن فصل الأمن القومي عن البعد الاقتصادي. فالفقر، والتهميش، وغياب التنمية المتوازنة، ليست مجرد أزمات معيشية، بل تهديدات أمنية كامنة. الاقتصاد الهش يضعف الدولة، ويغذي النزاعات، ويفتح الباب أمام اقتصاد الحرب، ويجعل المجتمع أكثر قابلية للاختراق. حماية الموارد، وضمان توزيع عادل للثروة، وبناء اقتصاد منتج، كلها عناصر أساسية في أي تصور جاد للأمن القومي السوداني.
إقليميًا، يتحرك السودان في محيط شديد السيولة. القرن الإفريقي، البحر الأحمر، حوض النيل، كلها مساحات تشهد إعادة ترتيب مستمرة. في مثل هذا السياق، لا يكفي الحياد السلبي، ولا تنجح سياسات الانتظار. الأمن القومي يتطلب سياسة خارجية متوازنة، تدرك المصالح، وتبني التحالفات، وتمنع تحوّل السودان إلى ساحة تنافس بالوكالة.
في المحصلة، يمكن القول إن مفهوم الأمن القومي السوداني هو مفهوم شامل، يتأسس على ثلاث ركائز مترابطة: دولة قادرة، مجتمع متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة. دون هذه الركائز، يصبح الحديث عن الأمن مجرد شعارات، وتظل البلاد عرضة لإعادة التشكيل من الخارج، أو للانهيار من الداخل.
الأمن القومي، في النهاية، ليس مشروع أجهزة، بل مشروع دولة. وهو ليس فعلًا لحظيًا، بل مسار طويل، يبدأ من بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويمر بإدارة واعية للجغرافيا والتنوع، وينتهي بقدرة السودان على أن يكون فاعلًا في إقليمه، لا موضوعًا في خرائط الآخرين.





