من فنزويلا الى السودان .. حين يختفي الحليف

إبراهيم هباني

في السياسة ليست الكلمات بريئة، و«الحليف» قد يكون أخطر من الخصم. فالحليف لا يجرّك إلى المعركة دفعة واحدة، بل يربّت على كتفك، وهو يدفعك خطوة بعد خطوة الى حافة الهاوية، ثم يختفي عند أول اختبار حقيقي. ما جرى في فنزويلا يقدّم المثال الأوضح، لا بوصفه خبراً بعيداً، بل نموذجاً سياسياً مكتمل الأركان.

حين ورث نيكولاس مادورو السلطة، ورث معها خطاب «الرفاق»، وطمأنينة التحالفات الصاخبة. بدا المشهد كجبهة صلبة في مواجهة العالم، لكن مع ارتفاع الكلفة تبيّن أن الرفقة ليست سوى دوائر مصالح، تتسع في الخطب، وتضيق عند الحقيقة.

دائرة داخلية تحرس السلطة لا الدولة. ودائرة اقليمية تجيد الإصطفاف الكلامي، وتغيب عند الدفع. ودائرة دولية تدار بالميزان لا بالعاطفة، دعم محدود حين يكون الثمن منخفضاً، وصمت محسوب حين ترتفع المخاطرة.

وعند الذروة، جاء الاعتقال المهين رسالة سياسية اكثر منه اجراء قانونيا. في تلك اللحظة لا تُستشار حصانات، ولا تُقلّب فصول الفقه الدولي. تُقرأ فقط خرائط القوة. لم تهرع العواصم، ولم تُكسر التوازنات. اختفى الحليف، وبقي الرجل وحيداً.

هذه الحكاية ليست بعيدة عن منطقتنا. المشهد السوداني يُدار، مع اختلاف الجغرافيا، بذهنية مشابهة. إطالة الحرب، اللعب على التناقضات الاقليمية، والارتهان لتحالفات وتنظيمات عابرة للحدود، باعتبارها شبكة امان.

هنا ايضا يعمل الحليف بالآلية ذاتها. يزرع وهم السيطرة، يقدّم العناد بوصفه قوة، ويؤجل مواجهة الواقع، حتى يصبح الثمن افدح.

لعبة «ببقى ليك بمبي» واحدة في الحالتين. في فنزويلا كانت مراوحة بين الشرق والغرب، وخطاب مقاومة لا يسنده اقتصاد ولا شرعية. وفي السودان مراوحة بين الاقليم والمجتمع الدولي، وخطاب تعبئة لا يسنده مشروع دولة.

الفارق أن فنزويلا دفعت الثمن سياسياً واقتصادياً، بينما يدفع السودان الثمن دماً وخراباً يومياً.

الفقه الدولي الذي يُستدعى دفاعاً عن السيادة والحصانات، اثبت مرة بعد أخرى انه ليس مظلة أمان، بل أداة ظرفية تتحرك مع موازين القوة. من يراهن عليه وحده، دون شرعية داخلية وسلام، يكتشف هشاشته متأخراً.

بهذا المعنى تصبح اغنية بقى ليك بمبي أكثر من لحن راقص، تتحول إلى استعارة سياسية دقيقة. إهتمام يأتي متاخراً، صاخباً، ومشحوناً بالوعود، لكنه بلا ثبات.

هكذا يعمل الحليف. يتقن الايقاع، يرفع المعنويات، يملأ الفراغ بالضجيج، ثم ينسحب عند أول إختبار ثقيل.

في فنزويلا كما في السودان، تغيّر المزاج، تصاعد الخطاب، ثم صمت. وعندما تنتهي الموسيقى، لا يبقى من «ببقى ليك بمبي» سوى الحقيقة العارية. الدول لا تُبنى على الايقاع، ولا تُحمى بالرقص، بل بشرعية وسلام لا يختفيان مع آخر لحن. 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى