كيف نبني وطناً لا يشتعل من جديد؟ ..ميثاق اللاعودة لما قبل الحرب

بقلم: أحمد عثمان محمد المبارك المحامي-
في حلقته الأخيرة من بوتكاست للحقيقة والتاريخ، قدم المهندس خالد عمر يوسف نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني مرافعة تاريخية حول أسباب الفشل المتراكم للدولة السودانية، مشدداً على أن الحرب الحالية ليست مجرد صراع عسكري، بل هي انفجار لانسداد الأفق السياسي الذي دام لعقود.
*1. ما وراء حديث خالد عمر (نقد دولة الامتياز):*
أشار الباشمهنس خالد عمر إلى أن الدولة السودانية تشكلت تاريخياً كدولة امتياز لفئات محددة، مما جعل المركز متضخماً ليس فقط بالثروة، بل بالقرار السياسي والهوية الثقافية. هذا التشخيص يفرض علينا ألا نكتفي بالمطالبة بوقف الحرب فقط، بل بتفكيك العقلية المركزية التي يرى خالد أنها المحرك الأساسي للشعور بالظلم لدى الأطراف. ومن هنا فإن العقد الاجتماعي المنشود يجب أن يحول الدولة من غنيمة تتصارع عليها النخب، إلى خدمة تقدم للمواطن في كل بقعة من بقاع السودان الواسع..
*2. الاستقلال الداخلي:*
أكد خالد عمر في حديثه المفصل، أن استقرار السودان مرتبط بالاعتراف بتنوعه ورأى بناءاً على ذلك أن الفيدرالية الحقيقية هي الترجمة العملية لهذا الاعتراف. لإن منح الأقاليم استقلالاً ذاتياً في إدارة مواردها وهويتها الثقافية هو الاستقطاب الإيجابي الذي سيقطع الطريق على دعاة التقسيم. فعندما يشعر المواطن في دارفور، وكردفان، وفي الشرق، أو في الشمال بأنه سيد في إقليمه وشريك في مركزه، ستسقط مبررات الانفصال وتنتفي الحاجة لحمل السلاح.
*3. المؤسسة العسكرية والتحول الديمقراطي:*
أحد أهم النقاط في حديث الباشمهندس خالد عمر كانت حول ضرورة وجود جيش مهني واحد يبتعد عن السياسة. وهنا اود ان اضيف ان العقد الاجتماعي الجديد في سودان ما بعد الحرب يجب أن يتضمن نصاً دستورياً ينهي ظاهرة تعدد الجيوش وتسييس العسكر. لأن هذا التحييد هو الضامن الوحيد لمنع تجدد الحروب. ولكي يتم استقطاب كل السودانيين نحو هذه الرؤية؟
وتحويل هذه الأفكار إلى تيار شعبي يواجه دعاة استمرار الحرب، يجب التركيز على المحاور التالية:
*اولاَ:* التأكيد على أن خيار استمرار الحرب يعني تلاشي الدولة السودانية من الخارطة، بينما العقد الاجتماعي الجديد يعني ميلاد سودان أقوى وأكثر عدلاً.
*ثانياً:* إقناع سكان المركز بأن الفيدرالية ليست انتقاصاً من حقوقهم، بل هي تخفيف للضغط السكاني والخدمي عن العاصمة وتنمية للوطن ككل، وفي نفس الوقت إقناع سكان الأقاليم بأن الوحدة هي المظلة التي تحمي مواردهم من الأطماع الخارجية.

*ثالثاً:* أن الرؤية المستقبلية يجب أن تتبنى مساراً واضحاً للمحاسبة وجبر الضرر، كما أشار خالد عمر في سياقات مختلفة حول استحقاقات السلام.
لقد إستطاع الباشمهندس خالد عمر يوسف في حديثه الأخير أن يضع كل السودانيين أمام مرآة واقعية مفادها، إما أن نختار مواجهة الحقائق المرة وتأسيس دولة المواطنة والفيدرالية، أو نستمر في إنكار الأزمة حتى ينهار السقف على الجميع. فسودان ما بعد الحرب هو مشروع البناء الحقيقي الذي يتطلب من كل السودانيين التخلي عن الانتماءات الضيقة والاصطفاف خلف دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية من أجل سودان افضل..
ورسالتي الاخيرة لدعاة استمرار الحرب وتقسيم السودان هي، أن هذا السودان أكبر من طموحاتكم الشخصية وأيديولوجياتكم الضيقة. فنحن نختار الوحدة التطوعية العادلة، ونرفض أن يكون التقسيم هو الحل، بل نرى ان الحل يتمثل في العدالة في توزيع السلطة والثروة تحت مظلة سودان واحد يسع الجميع..





