دوقة إدنبرة تكتب: بعد ألف يوم من الحرب ..العالم يغضّ الطرف عن حرب السودان

بقلم: صوفي ,دوقة إدنبرة التلغراف

قبل عام، وجدتُ نفسي على الحدود السودانية أتابع مشهدًا لا يمكن أن يُمحى من الذاكرة. جموع من الرجال والنساء والأطفال يشقّون طريقهم سيرًا على الأقدام أو على عربات تجرّها الحمير باتجاه تشاد. بعضهم كان برفقة عائلته، وآخرون كانوا وحدهم تمامًا. في صمت تلك اللحظة، تسلّل إليّ شعور بالارتجاف وأنا أتخيل ما مرّ به هؤلاء المنهكون من فظائع، وما شهدوه من عنف ووحشية الميليشيات قبل أن يُجبروا على الفرار من مدنهم.

كان هؤلاء من القلّة التي حالفها الحظ، إذ وصلوا إلى أدري، البلدة الحدودية التشادية التي وفّرت لهم قدرًا من الأمان النسبي، حيث فتح السكان المحليون أبوابهم بدعم من منظمات إنسانية قدّمت الغذاء والماء والمأوى.

في مخيم العبور بأدري، استمعتُ إلى روايات موجعة عن خسارة وصمود في آن واحد. أطفال فقدوا أسرهم بالكامل بطرق تفوق الوصف، وأمهات شهدن مقتل أزواجهن وأبنائهن أمام أعينهن، ونساء أُجبرن على الخضوع للاستغلال الجنسي مقابل أبسط مقومات الحياة.

كانت عيون الناجين تنطق بما تعجز الكلمات عن شرحه: جثث مكدسة، عائلات تُقتل تحت تهديد السلاح، أطفال يُمزقون بلا رحمة، ونساء يتعرضن للاغتصاب والضرب. أما من نجا، فيحيا محاصرًا بخوف دائم من موت مؤجل.

ومع دخول العالم عامًا جديدًا، يمر السودان بمحطة مأساوية أخرى: ألف يوم من الحرب. خلال هذه الفترة، تحولت البلاد إلى مسرح لأكبر أزمة إنسانية في العالم، أزمة تفاقمت بعيدًا عن دائرة الاهتمام الدولي، رغم حجم الكارثة واتساع رقعتها.

المساعدات الطارئة وحدها لم تعد كافية لمواجهة هذا الواقع القاسي، فالمنظمات العاملة على الأرض تعاني من ضغط يفوق قدراتها. في المقابل، تواصل المبادرات المحلية والمنظمات الإنسانية، إلى جانب التجمعات النسوية السودانية، بذل أقصى ما لديها لدعم ملايين فقدوا أحباءهم ومنازلهم وسبل عيشهم، وهم بحاجة إلى المساندة اليوم وغدًا ولسنوات طويلة قادمة.

يجب أن تحصل الفتيات اللواتي انقطع تعليمهن على فرصة للعودة إلى مقاعد الدراسة، كما يحتاج النساء والرجال والأطفال الذين تعرضوا لعنف جنسي مروّع إلى رعاية صحية، ومساحات آمنة، ودعم نفسي يعيد إليهم كرامتهم. هذه ليست مطالب كمالية، بل حقوق إنسانية أساسية.

ورغم قسوة المشهد، فإن ما بقي راسخًا في ذاكرتي هو القوة المذهلة التي أظهرتها النساء. في إحدى الوحدات المتنقلة التابعة لمنظمة بلان إنترناشونال، التقيت بنساء فررن من الحرب وأصبحن اليوم يعتنين بأطفال فُصلوا عن عائلاتهم. مرونتهن وقيادتهن الهادئة أكّدتا لي مجددًا أن النساء لسن فقط عنصرًا للنجاة، بل ركيزة أساسية لإعادة البناء وصناعة السلام. فعندما يتم تمكينهن، تصبح المجتمعات أكثر قدرة على التعافي.

وبوصفي مناصرة لأجندة المرأة والسلام والأمن، شهدت التزامًا وتعاطفًا دوليًا، لكنه لا يزال دون المستوى المطلوب. ثمة حاجة ملحّة لتحرك فعّال يُسهم في إنهاء هذا الصراع المدمر، وإنقاذ الأرواح، وفتح الطريق أمام العائلات السودانية لإعادة بناء مستقبلها بأمان.

لا يمكننا محو فظائع الألف يوم الماضية، لكن هذه الذكرى المؤلمة تذكّرنا بأن المستقبل لم يُحسم بعد. عبر دعم المنظمات العاملة على الأرض، وصانعات السلام، والمبادرات النسوية، يمكن ضمان إيصال أصوات المتضررين وتلبية احتياجاتهم. شجاعتهم تؤكد أن الأمل لا يزال ممكنًا، حتى في أحلك اللحظات.

يستحق شعب السودان تضامن العالم واهتمامه، وقبل كل شيء، يستحق أن يعلم أن معاناته لم تُنسَ، وأن السلام ما زال هدفًا يمكن تحقيقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى