1000 يوم من العار والدم والدمار
ألفُ يومٍ مرّت على الحرب في السودان، ولا شيء تغيّر سوى عدّاد الموت الذي لم يتوقف، وسجلّ الخراب الذي يتّسع كل صباح، وذاكرة البلاد التي تُستنزف حتى العظم. ألف يوم ليست رقماً في مفكرة، ولا فاصلاً زمنياً عابراً؛ إنها عمرٌ كامل من الفقد، وجغرافيا من الألم، وتاريخ مكتوب بالحريق والرماد. ألف يوم والسودان يُقتل على مرأى من العالم، ويُذبح على سمعه، بينما الضمير الدولي يمارس هوايته المفضلة: التفرّج البارد.
في اليوم الألف، لا معنى للكلمات الملساء ولا قيمة للبيانات المنمّقة. ما يجري ليس “نزاعاً” ولا “صراعاً معقّداً”، بل حربٌ مكتملة الأركان ضد شعبٍ أعزل، ضد المدن والقرى، ضد الحياة نفسها. حربٌ أطلقت أسوأ ما في البنادق، وأقبح ما في النفوس، وأرذل ما في السياسة. حربٌ لم تترك بيتاً إلا وطرقته، ولا أماً إلا وكسرت قلبها، ولا طفلاً إلا وعلّمتْه معنى الخوف قبل أن يتعلّم معنى اللعب.
ألف يوم والسودانيون يُهجَّرون كأنهم فائض بشري، تُحرق بيوتهم، تُنهب ذاكرتهم، تُغتصب نساؤهم، ويُدفن أبناؤهم بلا أسماء. ألف يوم من التشريد الجماعي، من الطوابير على الخبز والماء والدواء، من الموت المؤجل في المخيمات، ومن الحياة المعلّقة على حافة النجاة. لم تعد الحرب خبراً عاجلاً، بل صارت واقعاً مزمناً، وصار القتل روتيناً يومياً، وصارت المأساة بلا سقف.
في اليوم الألف، يجب أن يُقال بوضوح لا لبس فيه: هذه الحرب ليست قدراً. ليست لعنة سماوية، ولا امتحاناً إلهياً، ولا مصادفة تاريخية. إنها نتيجة مباشرة لجشع السلطة، وفساد النخب، وتواطؤ السلاح، وخيانة السياسة. إنها حرب صُنعت بأيدٍ سودانية، ورُعيت بأموال إقليمية، وغُطيت بصمت دولي فاضح. وكل من يبررها، أو يصمت عنها، أو يربح منها، شريكٌ في الدم، مهما ادّعى الحياد.
ألف يوم والبلاد تُدار بمنطق “الغنيمة”، لا بمنطق الدولة. تُقسّم المدن كما تُقسّم الكعكة، وتُنهب الموارد باسم الوطنية، ويُستباح الإنسان باسم الأمن. سقطت كل الأقنعة، وبانت الحقيقة عارية: لا أحد من المتحاربين يقاتل من أجل السودان، بل يقاتلون فوق جثته. لا أحد يحمل مشروعاً للحياة، بل مشاريع متنافسة للموت، يتسابق أصحابها على من يحصد أكثر، ومن يدمّر أسرع، ومن يحكم على أنقاض أوسع.
وفي المقابل، ألف يوم من خذلان العالم. بيانات قلق لا توقف رصاصة، ومؤتمرات مانحين لا تعيد طفلاً إلى أمه، ووساطات بلا أنياب تُدار كأنها تمارين دبلوماسية لا مأساة إنسانية. تُترك دارفور تُستنزف مرة أخرى، وتُترك الخرطوم تُمحى، وتُترك الجزيرة تُنهب، ويُترك السودان ليكون مثالاً جديداً على فشل النظام الدولي في حماية البشر عندما لا تكون دماؤهم ذات قيمة استراتيجية.
لكن، وسط هذا الليل الكثيف، هناك حقيقة لا يمكن قتلها: الشعب السوداني لم يُهزم. نعم، هو مُنهك، جريح، مكسور الخاطر، لكنه لم يستسلم. في الأحياء المحاصرة، وفي القرى المنسية، وفي المنافي البعيدة، يواصل السودانيون اختراع الحياة من العدم. أطباء بلا مستشفيات، معلمون بلا مدارس، متطوعون بلا موارد، وأمهات بلا ضمانات سوى الأمل العنيد. هذا الشعب، الذي خُذل ألف مرة، لا يزال واقفاً، لأن البديل هو الفناء الكامل.
اليوم الألف ليس مناسبة للبكاء وحده، بل للمحاسبة. محاسبة من أشعلوا الحرب، ومن موّلوها، ومن سوّقوا لها، ومن صمتوا عنها. محاسبة الخطاب الذي زيّن العنف، والسياسة التي شرعنته، والإعلام الذي برّره، والمجتمع الدولي الذي تواطأ بالصمت. لا سلام بلا عدالة، ولا مستقبل بلا مساءلة، ولا وطن يُبنى فوق مقابر مفتوحة.
ألف يوم من الحرب تعني شيئاً واحداً: أن الاستمرار جريمة، وأن التطبيع مع القتل خيانة، وأن الصمت لم يعد خياراً أخلاقياً. إما أن يتوقف هذا الجنون، وإما أن يبتلع ما تبقّى من السودان. في اليوم الألف، نكتب لا لأننا نملك الأمل كاملاً، بل لأننا نرفض أن نموت صامتين. نكتب غضباً، وحداداً، واحتجاجاً على عالمٍ قبل أن يرى السودان يحترق، وقرّر أن يشيح بوجهه.
هذا ليس نداء شفقة، بل صرخة حق. السودان يستحق الحياة، ويستحق السلام، ويستحق دولة لا تُدار بالبندقية. ألف يوم تكفي وأكثر ليدرك الجميع أن هذه الحرب لا منتصر فيها، وأن الخاسر الوحيد ـ كل مرة ـ هو الإنسان السوداني.