أحمد الأمين بخيت
للوهلة الأولى، يخال الناظر أن الصورة التُقطت في تخوم محمية سرنغيتي، تلك الرقعة الأسطورية من جسد إفريقيا التي تحتضن أكبر تجمع للحيوانات المفترسة في العالم. مشهد برّي مكتمل العناصر: أعشاب متوحشة ارتفعت بلا كوابح، مسارات غير مرئية لكائنات زاحفة، وصمت ثقيل لا يخلو من رهبة. صمت تعرفه البراري حين تستعد لالتهام ضحاياها. غير أن الحقيقة، على قسوتها، تقول إن هذه اللقطة ليست من قلب إفريقيا البرية، بل من قلب مدينة بحري نفسها، من الشارع الفاصل بين أحياء الدناقلة و ديوم بحري، حيث تمددت الفوضى البيئية حتى صارت المدينة محمية مفتوحة… لكن بلا حراسة، وبلا قانون، وبلا رحمة.
هنا، لا تحتاج إلى عدسة مصور محترف ولا إلى خيال جامح كي ترى المشهد: أرض مهملة، حشائش تجاوزت حدودها، مستنقعات صغيرة تتكوّن بصبر قاتل، ومخلوقات خرجت من مخابئها الليلية لتشارك البشر نهارهم القلق. المدينة التي كانت يومًا ما مرآة للنظام والهدوء النسبي، صارت مسرحًا مفتوحًا لـ«سفاري» يومية، لا يخرج فيها المواطن بحثًا عن المتعة، بل بحثًا عن النجاة.
إهمال متراكم
ما الرابط بين أدغال سرنغيتي، حيث السيادة لمن يملك الأنياب والمخالب، وأدغال ديوم بحري التي صارت لا تقل وحشية؟ الرابط ليس مجازيًا فقط، بل واقعي إلى حد الفزع. ففي الحالتين، تُترك الكائنات لتصارع وفق قانون الغاب. غير أن الفرق الجوهري أن سرنغيتي محمية طبيعية مقصودة، بينما ديوم بحري نتاج إهمال متراكم، وسياسات عمياء، وسلطة أدارت ظهرها للمدينة وأهلها.
لقد تُركت بحري لتتجاوز طور الإهمال إلى مرحلة التوحش. إهمال بيئي مركّب، لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لحكومة عاجزة، ومحلية مدينة بحري أكثر عجزًا، تخلّت عن أبسط واجباتها: نظافة، تصريف مياه، مكافحة نواقل الأمراض. تُركت الأرض بلا رعاية، والناس بلا حماية، فبدأت الطبيعة انتقامها الصامت، ذلك الانتقام الذي لا يرفع شعارات، ولا يصدر بيانات، لكنه يصيب بدقة.
شيئًا فشيئًا، بدأت البراري الزاحفة في رفد المدينة بما لا تحتمله مدينة مأهولة بالبشر: ثعابين سامة تتسلل إلى البيوت، تختبئ تحت الأسرة، وتطل من الشقوق؛ أسراب بعوض ناقل للملاريا لا يفرّق بين طفل وشيخ؛ والزاعجة المصرية، رسول حمى الضنك الفتاكة، تحوم فوق الأجساد المنهكة كأنها تعرف أن فريستها عاجزة عن المقاومة.
غرائب المأساة
ومن غرائب المأساة وطرائفها السوداء، ذلك الظهور المفاجئ لحيوان أبو القنفذ وسط هذه الفسيفساء البرية. مشهد يكاد يكون فانتازيًا، أو مادة لفيلم وثائقي عن التغيّر البيئي، لولا أنه يحدث في وضح النهار، وفي مدينة يُفترض أنها عاصمة أو جزء من عاصمة، أو على الأقل مدينة تعرف معنى التنظيم، والحد الأدنى من الحياة الآمنة.
هذا المشهد، بكل عناصره العبثية، ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر صارخ على مدى التردي البيئي الذي بلغ مرحلة الخطر الداهم. الخطر هنا لا يكمن فقط في وجود كائنات سامة، بل في تزامن ذلك مع انهيار شبه كامل لمنظومة الرعاية الصحية. فمستشفى بحري التعليمي، الذي كان يومًا ما ملاذًا لآلاف المرضى، مغلق منذ زمن، كأن المدينة فقدت قلبها النابض. المصل المضاد لسموم الثعابين مفقود، وأدوية حمى الضنك شحيحة، وإن وُجدت، تُباع بأسعار خرافية لا يصل إليها إلا من امتلك ما يُسمّى مجازًا «مهارات فردية» في البحث والوساطة والنجاة.
في هذا الواقع، لا يعود المرض حدثًا طارئًا، بل حكمًا بالإعدام المؤجل. مدينة أنهكها الفقر، وسحقها العجز، وأفقد أهلها القدرة على الاحتمال، تُترك لتواجه الأوبئة بلا درع، وبلا خطة، وبلا اعتراف رسمي بحجم الكارثة.
وفي هذا المشهد القاسي، يُجلد المواطن مرتين، وربما أكثر: مرة بالمرض، ومرة بالنظام الصحي الذي يفترض به إنقاذه. مؤسسات صحية تُسمى «عامة»، لكنها تمارس دور الجباية بصرامة لا تقل عن صرامة الأجهزة الأمنية. تفرض الإتاوات على من أنهكته الحميات، وتساومه على مقابلة طبيب أو الحصول على جرعة دواء، كأن المرض رفاهية، وكأن النجاة امتياز طبقي، لا حقًا إنسانيًا أصيلًا.
برود مدهش
لقد أسهم هذا الإهمال البيئي المتعمد في تفشي الحشرات الضارة والزواحف السامة، ثم وقفت السلطة، ببرود مدهش، تتفرج على نتائج أفعالها، تمارس دورها العبثي وفق منطق «يفلق ويداوي». فهي المتسببة في انتشار الأوبئة، وهي العاجزة عن مواجهتها، لتنتج معادلة قاتلة أودت بحياة عدد من المواطنين، بينما ينتظر آخرون مصيرهم على حافة الزمن، في عالم اختفت فيه المعجزات، ولم يعد للأمل سوى اسم يُتداول في الخطب.
مدينة بحري… تلك الأيقونة التي كنا نتباهى بحقوقها، ورياحينها، وزهورها التي كانت تكسو الجزيرة الصغيرة الفاصلة بين مساري شارع المعونة ذهابًا وإيابًا. تلك الجزيرة التي كانت بمثابة رئة للمدينة، واستراحة للعين، ومساحة صغيرة للجمال وسط الإسفلت. اليوم، تحولت إلى صحراء جرداء، مثقلة بالأوساخ والنفايات، مشهد مؤذٍ للبصر، جارح للنفس، ومهين لذاكرة المكان.
هذا التدهور البيئي الخطير، المتزامن مع قيام الحكومة الحالية، يعيد إلى الذاكرة مصير عطبرة، مدينة الحديد والنار، وأم المدائن، تلك الأيقونة التي شكّلت وجدان الشعب السوداني، قبل أن تُحوَّل عمدًا إلى عجوز شمطاء، بفعل نظام رأى فيها معقلًا للوعي واليسار، فقرر الانتقام منها. لم يكن تدمير عطبرة عرضيًا، بل سياسة، ثم جاءت حكومة الإنقاذ لتقضي على ما تبقى من روحها، بلا مواربة، وبلا اعتذار.
روح عدوانية
واليوم، تسير بحري على الدرب ذاته. لا لذنب ارتكبته، ولا لجريمة اقترفها أهلها، بل لتهمٍ جائرة وملفقة، لا سند لها سوى روح عدوانية تسكن بعض من أسيئت إليهم السلطة، فمارسوا الطغيان والانتقام ضد شعب أعزل: جائع، مضطهد، مهان، ومسلوب الكرامة بأمر السلطة.
بحري اليوم لا تموت فجأة، ولا تسقط بضربة واحدة.
إنها تموت ببطء.
تموت خنقًا.
تموت بـ أسفكسيا الإهمال.
وحبل الإعدام ما يزال يلتف ببطء، وبثبات مخيف، حول عنقها.
وحده السؤال يبقى معلقًا في هواء المدينة الثقيل:
كم من الوقت يحتاج هذا الحبل ليُحكم عقدته الأخيرة؟
مدينة لاتنام
في المساء، حين تخفّ ضوضاء النهار، وتنسحب الشمس ببطء من فوق أسطح بحري المتعبة، لا يحلّ السكون كما ينبغي. المدينة لا تنام، بل تظل متيقظة مثل مريض يرفضه النوم خوفًا من أن لا يستيقظ. في الأزقة، تتحرك الظلال أكثر مما يتحرك البشر، وفي الفراغات المهملة، يعلو همس غير مرئي: صفير بعوض، احتكاك زواحف، وارتطام خفيف لخطوات لا تُرى.
يمرّ المواطن بحذر، كأنه يعبر حقل ألغام غير معلن، يرفع بصره نحو السماء ثم يعيده إلى الأرض، مدركًا أن الخطر يأتي من كل الجهات. هنا، لم يعد الخوف طارئًا، بل صار جزءًا من العادة اليومية، مثل التنفس… لكنه تنفس مثقل، مشوب بالقلق.
بحري، في هذه اللحظة، لا تصرخ. المدن التي تموت حقًا لا تصرخ. هي تكتفي بأن تتآكل بصمت، وأن تترك أبناءها شهودًا على أفولها البطيء. تُطفئ أنوارها واحدة تلو الأخرى، لا بسبب انقطاع الكهرباء فقط، بل لأن الأمل نفسه صار شحيحًا، يُوزَّع بالقطارة، إن وُجد.
وحين يلتف حبل الإهمال حول عنق المدينة، لا يفعله بعجلة. يشدّه قليلًا… ثم ينتظر.
ينتظر أن يعتاد الناس الخنق.
ينتظر أن يصبح الاختناق أمرًا طبيعيًا.
وعندها فقط، تسقط المدن… لا بضربة واحدة،
بل حين يتوقف أهلها عن السؤال.