المتعاونون .. من الافراد الى المؤسسات وتصفية الخصومات 

 

الخرطوم – ابتسام حسن

عادت إلى الواجهة، وبحدة غير مسبوقة، ظاهرة معاقبة من يُشتبه في تعاونهم مع أحد طرفي الحرب، الجيش أو قوات الدعم السريع، لكن اللافت والخطير هذه المرة أن دائرة العقاب لم تعد تقف عند حدود الأفراد، بل تمددت لتطال المؤسسات نفسها، في سابقة تفتح أبوابا واسعة للجدل القانوني والأخلاقي والسياسي.

فلم تمض أيام على قرار سحب تراخيص عدد من المحامين بدعوى تعاونهم مع قوات الدعم السريع، حتى أصدرت إدارة التعليم الخاص بوزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم قراراً جديداً يقضي بإلغاء تراخيص عشر مدارس خاصة في مناطق شرق النيل وأمبدة وجبل أولياء، بذات الذريعة: “التعاون مع الدعم السريع”.

القرار، الذي حمل توقيع الدكتور عمار زكريا مدير الإدارة العامة للتعليم الخاص، فجّر موجة من ردود الفعل المتباينة؛ فبينما رأى فيه مراقبون خطوة تمثل عداءً صريحاً للوطن والمواطن، واعتداءً على حق التعليم، ذهب آخرون إلى اعتباره إجراءً مستحقاً ضد ما وصفوه بـ”خيانة مؤسسات الدولة العسكرية”، بل وخيانة عظمى تستوجب المحاسبة الصارمة.

وبحسب حيثيات القرار، فإن أصحاب ومُلّاك تلك المدارس ثبت تعاونهم مع قوات الدعم السريع ضد الجيش، الأمر الذي دفع الإدارة إلى الشروع في إيقاف المدارس وسحب تراخيصها. غير أن هذا التبرير، على وجاهته الظاهرية لدى البعض، يفتح سؤالا جوهريا: هل يُعاقَب الفعل الفردي بإعدام مؤسسة كاملة؟ وهل يُجازى المواطن، مرة أخرى، بجريرة لم يرتكبها؟

سردية العقاب الجماعي

سردية “معاقبة المتعاونين” باتت مألوفة منذ اندلاع الحرب، لكنها تحولت إلى سيفٍ مسلط على رقاب المدنيين. ففي كل منطقة تدخلها قوات الدعم السريع، يُستهدف المواطنون باعتبارهم متعاونين مع الجيش، وبذات المنطق الانتقامي، تستهدف القوات المسلحة المواطنين في المناطق التي كانت تحت سيطرة الدعم السريع، باعتبارهم متعاونين معه.

هكذا يجد المواطن نفسه، وهو الضحية الوحيدة المؤكدة في هذه الحرب، محاصراً بسردية جاهزة تبرر التنكيل به من أي طرف يملك السلاح والسلطة. إنها معادلة مختلة: صاحب القوة يحارب المواطن، ويحمّله وزر حرب لم يخترها ولم يكن طرفا فيها.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا يُتوقع من مواطن أعزل، مدني، لا علاقة له بالسلاح ولا بالعنف؟ المواطن الذي يعيش تحت سلطة الأمر الواقع، ويُجبر في كثير من الأحيان على تنفيذ أوامر لا يؤمن بها، تحت تهديد السلاح والموت؟

الواقع يقول إن كثيرين فقدوا حياتهم فقط لأنهم رفضوا أو ترددوا أو تمسكوا بثوابتهم، بينما اختار آخرون الانصياع حفاظا على أرواحهم وأسرهم. وفي الحالتين، المواطن هو الخاسر. فالرفض قد يعني الموت، والقبول قد يُفسر لاحقا باعتباره “تعاونا” يستوجب العقاب.

وتتفاقم الصورة قتامة حين نرى مشاهد مخزية لانتهاكات تطال حتى الأطفال، حيث تُجبرهم قوات الدعم السريع على القول والفعل تحت تهديد السلاح، وهو نمط متكرر مع الأسر والمجتمعات الواقعة تحت سيطرتها.

الدولة أم المليشيا؟

ويرى مراقبون أن تحميل المواطن مسؤولية أفعال قسرية تحت سلطة المليشيا أمر لا يستقيم مع منطق الدولة. فالدعم السريع، في نظر كثيرين، مليشيا خارجة عن القانون، غير منضبطة، وقوة غير نظامية، والتفلتات المنسوبة إليها معروفة ومثبتة.

أما الجيش، بوصفه مؤسسة دولة، فلا يجوز له – أخلاقيا ولا قانونيا – أن ينحدر إلى ذات الأساليب. فالدولة، إن كانت دولة بحق، يفترض أن تحكم بالقانون لا بالانتقام، وأن تحاسب الأفراد لا أن تعاقب المجتمع، وأن تميز بين الفعل القسري والفعل الطوعي.

وإذا صُنّفت جهة أو شخص على أنه متعاون مع الدعم السريع، فإن المسار الطبيعي هو المحاسبة القانونية عبر القضاء، لا إصدار قرارات إدارية تعاقب مؤسسات كاملة، وتضرب حقوق مواطنين لا ذنب لهم.

معاقبة المؤسسة… معاقبة المواطن

في هذا السياق، تقول الخبيرة التربوية قمرية عمر في تصريح لـ(أفق جديد):

“لي رأي واضح ومعلن في التعليم الخاص، وأنا ضده ولم أؤيده يوما، ولم أكن جزءا منه لا تعليما ولا إدارة. لكن، وبغض النظر عن موقفي الشخصي، فإن التعليم الخاص أصبح واقعا يخضع للقانون، ولا يمكن إنكار وجوده”.

وتضيف: “إذا افترضنا أن هناك معلما أو فردا تعامل مع الدعم السريع، فلا يوجد أي مبرر قانوني أو أخلاقي لمعاقبة المؤسسة بأكملها. لا يمكن تصور مدرسة ككيان مجرد تتعاون، بل أفراد داخلها. وفي هذه الحالة، معاقبة المؤسسة تعني معاقبة الطلاب وأسرهم، أي معاقبة المواطنين”.

وتشير قمرية إلى ازدواجية فاضحة في المعايير، قائلة إن للحكومة والجيش سوابق في هذا الملف، حيث عاد أشخاص معروفون بتعاونهم مع الدعم السريع إلى “حضن الوطن” دون محاكمات أو مساءلات، وتضرب أمثلة برئيس “درع السودان” كيكل، وبقال، وآخرين ذوي نفوذ اجتماعي وسياسي.

وتضيف: “المفارقة أن من لا سند له ولا سلطة، يمكن أن يتعرض لحكم ميداني، دون تحقيق أو محاكمة عادلة، وقد يُعدم ميدانيا. هذا سلوك لا يليق بدولة ذات سيادة، ولا بحكومة تدّعي احترام القانون المحلي والدولي”.

وتختم قمرية بقولها: “ربما يمكن فهم هذه التصرفات من مليشيا متفلتة، لكن لا يمكن قبولها من دولة. للأسف، المواطن يظل الحلقة الأضعف دائما في هذه الحرب”.

قرار إداري أم قضية قانونية؟

من جانبه، يقول الإمام عبد الباقي الإمام، مدير مكتب تعليم سابق، في تصريح لـ(أفق جديد)، إن القرار استند – بحسب ما ورد في ذيله – إلى حيثيات تتعلق بتعاون تلك المؤسسات مع الدعم السريع، وممهور بختم وتوقيع مدير الإدارة العامة للتعليم الخاص.

ويضيف: “اطلعت على القرار عبر الوسائط، وأرى أنه – من حيث الشكل – يستند إلى صلاحيات تمنح لإدارة التعليم الحق في سحب تراخيص مؤسسات التعليم الخاص عند مخالفتها للوائح والقوانين والانحراف عن رسالتها”.

غير أنه يستدرك قائلا: “تعليقي الحقيقي ليس على القرار ذاته، بل على طبيعة هذا التعاون. هل هو تعاون يرقى لسحب التراخيص؟ ما حدوده؟ وهل صدر حكم قضائي يثبت الإدانة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه قرارا إداريا تجاوز القضاء، الجهة الوحيدة المخولة بإنصاف الخصوم والفصل في الاتهامات؟”.

أسئلة تظل مفتوحة، في وقت تتكاثر فيه القرارات، ويغيب فيه ميزان العدالة، ويظل المواطن، مرة أخرى، هو من يدفع الثمن كاملا.

Exit mobile version