التدخل في فنزويلا في ميزان القانون الدولي
الهادي الشواف
عملية الاختطاف الكارثية التي حدثت للرئيس الفنزويلي مادورو تعكس شكل من أشكال البلطجة التي اعتادت عليها امريكا باستخدام القوة المفرضة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية، فعلتها من قبل مع رئيس بنما السابق مانويل نوريغا عام 1989م، وفي العراق وايران وعلى الدوام تستبيح عبر حليفها الكيان الصهيوني، حدود الدول وتنتهك سيادتها، وهى عملية دوس صريحة على القانون الدولي والشرعية الدولية باقدام حافية من الاخلاق والقيم، وبهذه العملية تعتبر امريكا قوانينها الداخلية اعلى قدما من المواثيق الدولية، وعلى رأسها ميثاق الامم المتحدة.
فالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على فنزويلا كانت مثيرة للجدل قانونياً، وكانت خارج الشرعية الدولية ومؤسسات الامم المتحدة، في حين تعتبرها واشنطن مشروعة استناداً إلى قوانينها الداخلية وسياساتها الخارجية، بينما تصفها فنزويلا بأنها غير قانونية وتمثل انتهاكاً للسيادة والحقوق الاقتصادية، وهو ما يجعل المسألة محل خلاف دولي كبير.
*خلفية العقوبات الأمريكية على فنزويلا:*
بالنظر إلى خلفية العقوبات نجد أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات اقتصادية ومالية متكررة على فنزويلا، استهدفت شركات النفط، ومسؤولين حكوميين، وأصول مثل شركة CITGO المملوكة للدولة الفنزويلية، هذه العقوبات توسعت لتشمل شخصيات مقربة من الرئيس نيكولاس مادورو، وشركات وسفن مرتبطة بتصدير النفط الفنزويلي، ويبقى الهدف المعلن من واشنطن هو الضغط على حكومة مادورو بسبب اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان والفساد وتقويض الديمقراطية، وتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة.
وفي المقابل وحسب القانون الدولي ووفق ميثاق الأمم المتحدة، فأن العقوبات الاقتصادية يجب أن تفرض عبر مجلس الأمن الدولي، وليس بشكل أحادي من دولة ضد أخرى، لذلك، يرى كثير من الخبراء أن العقوبات الأمريكية أحادية الجانب وتفتقر إلى الشرعية الدولية، لأنها لم تقر عبر مجلس الأمن، بينما واشنطن تدافع بأنها إجراءات سيادية ضمن حقها في تنظيم تعاملاتها الاقتصادية وحماية امنها القومي، ومن ناحية سياسية وإنسانية هذه العقوبات اثارت جدلاً واسعاً بين من يراها وسيلة ضغط مشروعة ومن يصفها بأنها عقاب جماعي يضر بالشعب أكثر من النظام.
*موقف القانون الدولي من تدخل عسكري لاعتقال رئيس دولة:*
أي تدخل عسكري في أراضي دولة ذات سيادة يعتبر خرقاً مباشرًا لسيادة تلك الدولة، وهو مخالف لمبدأ عدم التدخل المنصوص عليه في المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة، فانتهاك السيادة وسلامة الأراضي، مبدأ منصوص عليه في المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، يعد حجر الزاوية في النظام الدولي، وكذلك حظر استخدام القوة، وميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، إلا في حالتين، في حالة الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح (المادة 51)، أو بتفويض من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع، واعتقال رئيس دولة بالقوة لا يندرج تحت أي من هذين الاستثناءين.
وبالاضاة إلى ذلك فأن القانون الدولي يحمي رؤساء الدول ويمنح الرؤساء ورؤساء الحكومات حصانة خاصة، ويعتبر أي اعتقال أو إطاحة بهم بالقوة عملاً غير قانوني، بل قد يصنف كـانقلاب خارجي، وكذلك حسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويعتبر استخدام القوة العسكرية ضد دولة أخرى دون مبرر مشروع جريمة عدوان، وهي من أخطر الجرائم الدولية، وبالتالي ما حدث من قبل حكومة ترمب غير قانوني دولياً حسب القانون الدولي ويعد انتهاكاً صارخاً لسيادة فنزويلا، واعتقال رئيس دولة يعتبر تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية، وقد يصنف كـجريمة عدوان تستوجب المساءلة أمام المجتمع الدولي، ذلك أن كان للمجتمع الدولي قدرة في تحريك آلياته ضد دولة مثل الولايات المتحدة الامريكيا.
*مبررات الولايات المتحدة:*
اما بالنسبة لمبررات الولايات المتحدة، فان هذه العملية تأتي تحت زريعة مكافحة المخدرات والإرهاب، وتحاول تصوير العملية على أنها عملية “قبض على هاربين من العدالة” متهمين “بتمويل الإرهاب” عبر المخدرات، ومع أن الولايات المتحدة لديها تاريخ في ملاحقة مسؤولين أجانب بتهم تتعلق بالمخدرات (كما في حالة رئيس بنما السابق مانويل نوريغا عام 1989م)، إلا أن تنفيذ ذلك عبر غزو عسكري يظل عملاً غير مشروع دون موافقة الدولة المضيفة.
وكذلك تأتي الزريعة الثانية بأن شرعية الرئيس الفنزويلي منقوصة، حيث ترفض الولايات المتحدة والعديد من الحكومات الغربية الاعتراف بشرعية الفترة الرئاسية الثانية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعد انتخابات 2024م المتنازع عليها، وقد تحاول واشنطن استخدام ذلك لتبرير عدم اعتباره رئيساً دولة يتمتع بالحصانة، لكن المجتمع الدولي وميثلق الامم المتحدة يرى في الغزو بحد ذاته انتهاكاً أكبر للقانون.
وايضا تتمثل الزريعة الثالثة في حماية الأمن القومي الاميركي، قد تستند إلى فكرة “الدفاع عن النفس الاستباقي”، مدعية أن تدفق المخدرات يمثل تهديداً مسلحاً، لكن هذا التفسير المتطرف لا يتوافق مع المعايير المقبولة دولياً للدفاع عن النفس ولا يحظى باعتراف مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة.
*ردود الفعل والتداعيات الدولية المتوقعة:*
من المتوقع أن يكون الرد الدولي على هذا السيناريو سلبياً بشدة، مع تباين في درجات الإدانة، ومن المتوقع أن تدين دول مثل روسيا، والصين، وكوبا، ونيكاراغوا، وبشدة، العمل وتصفه “باعتداء مسلح” و”إرهاب دولة”، ودول أخرى مثل الاتحاد الأوروبي وبعض دول أمريكا اللاتينية (مثل كولومبيا أو البرازيل) التي انتقدت حكم مادورو، ستدين الغزو لكنها ستؤكد على ضرورة احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وستدعو إلى التهدية و”ضبط النفس” و”الحلول السلمية”، ومجلس الأمن الدولي، سوف يعقد جلسة طارئة بناءً على طلب فنزويلا أو حلفائها، من المرجح أن تعترض الولايات المتحدة (الفيتو) على أي قرار يدينها، لكن الجلسة ستكون منصة لإذلالها دبلوماسياً، والجمعية العامة للأمم المتحدة، يمكن أن تصدر قراراً غير ملزم يدين العدوان بأغلبية كبيرة، مما يعكس العزلة السياسية للولايات المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، قد تشهد زيادة في الدعوات للتحقيق مع المسؤولين الأمريكيين عن جرائم محتملة، رغم المعوقات السياسية والقانونية، قد يؤدي هذا إلى عدم استقرار إقليمي واسع، وموجة جديدة من اللاجئين، وتصعيد التوترات في أمريكا اللاتينية كمنطقة محايدة تقليدياً من النزاعات.
*محاكمة رئيس دولة اجنبية في القانون الدولي والامريكي:*
مثل هذا الاجراء لأنه يلامس نقطة حساسة بين القانون الأمريكي والقانون الدولي فانه مثير للجدل، ففي القانون الأمريكي، المحاكم الأمريكية تملك صلاحية نظر قضايا جنائية ضد أي شخص إذا كان هناك ارتباط مباشر بالولايات المتحدة (مثل ارتكاب جريمة على أراضيها أو ضد مواطنيها، أو تهريب المخدرات إليها)، لكن عندما يتعلق الأمر برئيس دولة أجنبية أثناء وجوده في منصبه، فهناك عائق كبير، وهو الحصانة السيادية (Sovereign Immunity)، والقانون الأمريكي يعترف بأن رؤساء الدول الأجانب يتمتعون بحصانة من الملاحقة القضائية أثناء توليهم المنصب، هذه الحصانة مستمدة من القانون الدولي العرفي ومن مبدأ احترام سيادة الدول، وبمجرد أن يغادر الرئيس منصبه، يمكن نظريًا أن يحاكم في المحاكم الأمريكية إذا كان هناك أساس قانوني (مثل اتهامات بتهريب المخدرات أو غسل الأموال)، ولكن حتى في هذه الحالة، عادة ما تكون الملاحقة القضائية معقدة جدًا، لأنها قد تعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية لدولة أخرى.
هذا من ناحية نظرية اما من ناحية واقعية، فهناك أمثلة واقعية، فرئيس بنما (مانويل نورييغا)، حوكم في محاكم امريكية بتهم تهريب المخدرات وغسيل الاموال، بعد أن تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا عام 1989م واعتقلته، هذه القضية كانت مثيرة للجدل، إذ اعتبرها كثيرون انتهاكًا للقانون الدولي، لكنها مضت قانونيًا داخل النظام القضائي الأمريكي، لكن الأمر يظل سياسيًا وقانونيًا معقدًا جدًا.
الخلاصة:
من منظور القانون الدولي، يمثل التدخل العسكري لاعتقال رئيس دولة أخرى انتهاكاً فادحاً لمبادئ السيادة وعدم استخدام القوة وعدم التدخل، وانتهاكا للحصانة القضائية، وهي الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحتى لو وجدت اتهامات جنائية جدية، فإن الطرق القانونية المقبولة تمر عبر التعاون القضائي الدولي (التسليم) أو آليات المحاسبة الدولية (بموافقة الدولة أو بقرار من مجلس الأمن)، مثل هذا الفعل لن ينظر إليه على أنه “إنفاذ للقانون” بل كعمل عدواني يهدد النظام العالمي القائم على القواعد، ويجب أن يواجه بإدانة شاملة وعواقب سياسية ودبلوماسية بعيدة المدى للولايات المتحدة، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هل سبب التدخل والاختطاف هو زريعة تهريب المخدرات ونقصان الشرعية؟ أم هناك اسباب أخرى؟ وهل هذا سوف يكون التدخل والاختطاف الاخير؟ أم اننا سوف نشهد نماذج أخرى فاضحة لتجاوز القانون الدولي والشرعية الدولية وانتهاكات جديدة لمواثيق الامم المتحدة.