تداعيات حرب السودان.. إنذار بفشل الموسم الشتوي للقمح
أفق جديد
يواجه الموسم الزراعي الشتوي في السودان أزمةً مركبة في ظل غياب الإدارة والري، والنقص الحاد في المياه بسبب تدمير قنوات الري وتراكم الطمي والحشائش، ما أدى إلى زعزعة العروة الشتوية لمحصول القمح وتراكم مديونيات آلاف المزارعين المكتوين بنيران الحرب.
ويُعاني مشروع الجزيرة، الذي تبلغ مساحته نحو 2.2 مليون فدان ويُعد شريانًا حيويًا للإنتاج الزراعي، من إهمال واضح جراء تدمير قنوات الري وضعف انسياب المياه إلى الأراضي الزراعية بسبب الحرب التي اندلعت منتصف أبريل 2023.
وقدّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أن أكثر من 1.8 مليون أسرة سودانية تعمل في الزراعة والرعي، أي نحو 9 ملايين شخص، ما يعني أن الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسيًا لتلك العائلات. ومع ذلك، يستطيع السودانيون إنتاج الغذاء حتى في ظروف الحرب، إلا أن المشكلة تكمن في صعوبة الوصول إلى الأراضي والحصول على المدخلات الزراعية.
ووفق وزير الزراعة السوداني، البروفيسور عصمت قرشي عبد الله، فإن بعض التقديرات تشير إلى أن خسائر القطاع الزراعي تجاوزت 100 مليار دولار، وهي أرقام أولية، مؤكدًا المضي قدمًا في إجراء إحصاءات دقيقة مصحوبة بدراسات متخصصة لتقديمها إلى الجهات الداعمة.
وحسب دراسة أجرتها وزارة الزراعة حتى نهاية سبتمبر 2025، فإن المساحة المبدئية الخارجة عن الإنتاج بسبب الحرب بلغت 21.683 مليون فدان، في عموم السودان وهي أراضٍ ضمن المشاريع المروية بالأمطار.
وطبقًا للدراسة، خرج في القطاع المروي (من المياه الجارية) نحو 1261 فدانًا عن الإنتاج، أي ما يعادل 72% من جملة الأراضي المحددة التي تبلغ 1700 فدان، مع توقعات بتجاوز هذه الأرقام، إضافة إلى فقدان المحاصيل وتراجع نوعيتها.
إنذار بفشل العروة الشتوية
وشكا المزارع الفاتح حسن من الانهيار الكامل لمشروع الجزيرة، وغياب الإدارة والري بشكل تام، وعدم متابعة العملية الزراعية، معتبرًا ذلك إنذارًا بفشل العروة الشتوية لزراعة القمح للموسم الحالي وتراكم المديونيات على المزارعين.
وقال حسن في حديثه لـ”أفق جديد”: “نحن في البدايات، وكان ينبغي أن يرتوي محصول القمح للمرة الثالثة، لكن هناك غيابًا تامًا للإدارة والري، ولا يوجد أي دور أو متابعة للعملية الزراعية، وهو ما ينذر بفشل العروة الشتوية”.
وأضاف: “لا نرى الإدارة والري إلا في أيام الحصاد، وليس لهما أي دور سوى فرض الضرائب والجبايات وتحصيل الأموال الطائلة دون معرفة أوجه صرفها”.
وأوضح أن “المزارعين يعتمدون على الجهد الذاتي دون دعم أو عون من الدولة أو إدارة المشروع، ويقتطعون من قوت أطفالهم من أجل الاكتفاء الذاتي والإنتاج للدولة”.
ونوّه إلى أن “التجار والبنوك الزراعية يتحكمون في المزارع البسيط، لكن الأرض أرضنا ولن نتخلى عن زراعتها رغم التحديات والصعوبات. ونتمنى أن تنعكس الضرائب على المزارعين في تطهير قنوات الري وإنشاء الكباري، فنحن نريد الإنتاج لأنفسنا وللدولة، خاصة وأن قوام إنتاج البلاد يعتمد على الزراعة”.
لافتًا إلى أن “80% من سكان ولاية الجزيرة يعتمدون على الزراعة، لكن الولاية تعاني من استشراء الفساد، ونريد وضع حد له والنهوض بالزراعة”.
خسائر طائلة
من جهته، قال المزارع عباس عبد الجبار إن عدم تطهير قنوات الري وضعف انسياب المياه وغياب مسؤولي الإدارة والري من المفتشين والمديرين تسبب في خسائر طائلة للمزارعين بعد زراعة آلاف الأفدنة من محصول القمح.
وأشار عبد الجبار في حديثه لـ”أفق جديد” إلى أن عدم تطهير قنوات الري تسبب في معاناة يومية لري مساحة تبلغ أربعة أفدنة من القمح، واضطراره إلى تنظيف الحشائش من قنوات الري الداخلية يدويًا، ما أصابه بالإجهاد والتعب.
وأضاف: “من أجل ري تلك المساحة الصغيرة أمضيت 48 ساعة نهارًا وليلًا بسبب شح المياه، بينما كنت أرويها خلال خمس ساعات فقط في السنوات الماضية”.
وتابع: “هناك مشكلة أخرى تتمثل في الأسمدة منتهية الصلاحية والتقاوي المغشوشة التي وزعها البنك الزراعي. أما المزارع الذي موّل زراعته على نفقته الخاصة فيعاني من غلاء أسعار التقاوي والأسمدة لدرجة انعدام التوازن بين التكلفة والإنتاج”.
مشاكل التمويل
بدوره، قال المزارع البخاري عبد الحميد إن قنوات الري تحتاج إلى النظافة والتطهير، وإن شح المياه تسبب في تأخر الزراعة، ما يؤدي إلى ضعف الإنبات في العروة الشتوية التي تعتمد على الالتزام بالمواقيت الزراعية.
وأوضح عبد الحميد في حديثه لـ”أفق جديد” أن الموسم الشتوي الحالي شهد ارتفاعًا كبيرًا في تكلفة المدخلات الزراعية مثل البذور والأسمدة، إضافة إلى مشاكل التمويل من البنوك.
ونبّه إلى أن التقاوي والأسمدة وصلت إلى أيدي المزارعين وهي منتهية الصلاحية، وكان لذلك أثر كارثي على العملية الزراعية، متسببًا في خسائر فادحة للمزارعين المتضررين من الحرب.
امتصاص الصدمة
وكان محافظ مشروع الجزيرة، المهندس إبراهيم مصطفى، قد أقر في تصريحات إعلامية بمواجهة مشكلات في عملية الري، فضلًا عن انتشار الحشائش والطمي وحاجة قنوات الري إلى الصيانة، التي تمثل هاجسًا كبيرًا.
وأكد أن إدارة المشروع تسعى، بالتنسيق مع وزارة الري، إلى تجاوز هذه المشكلات وتوفير الإمكانيات اللازمة لإصلاح عملية الري.
وأوضح المحافظ أن المساحة المزروعة في الموسم الصيفي الماضي بلغت 500 ألف فدان، مشيرًا إلى أن إدارة المشروع تبذل قصارى جهدها لدعم المزارعين والمساهمة في امتصاص الصدمة والعودة إلى العملية الإنتاجية رغم الضربات القوية التي تلقاها المشروع.
ونوّه إلى سريان حالة من الخوف داخل المشروع، إلا أنه أشار إلى أن الأمور مضت بسلام بفضل جهود الإدارة والمزارعين ووجود البنية التحتية والأصول، وصولًا إلى إنجاز العروة الصيفية والدخول في العروة الشتوية.
تعثر المدخلات الزراعية
وقال الرئيس السابق لإدارة مشروع الجزيرة، د. الصديق عبد الهادي: “ليس من المهم التخطيط للمساحة بقدر أهمية توفر المدخلات، لأن المدخلات المتاحة، خاصة في ظل الظروف الحالية، هي التي تحدد المساحة المزروعة وليس العكس. فالأرض موجودة ولا شح فيها، لكن المتعثر هو المدخلات ومستلزمات التحضير، وبقدر مدخلاتك تحدد مساحتك”.
وأضاف في حديثه لـ”أفق جديد”: “في الأوضاع العادية يمكن التخطيط بشكل علمي، أما الآن فالأمر لا يعدو كونه أشبه بـ(المباصرة) كما نعرفها في ثقافتنا الدارجة”.
وتابع: “لا يخفى على أحد قسوة الأوضاع الاستثنائية التي تعمل في ظلها إدارة المشروع، فهي تحتاج إلى مساندة من السلطات الحالية، فحرب الإنتاج لا تقل أهمية عن الحرب الدائرة. لا أعتقد أن الموسم سينجح، ولا ينبغي أن نتوقع ذلك، وإنما علينا أن نعمل بما هو ممكن وفقًا لما هو متاح”.
انهيار الحياة الريفية
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي إن خسائر القطاع الزراعي في السودان جراء الحرب قُدرت بأكثر من 100 مليار دولار، وهي أرقام تقديرية، مشيرًا إلى أن هناك خسائر خاصة بمشروع الجزيرة نتيجة اجتياح مليشيا الدعم السريع لولايتي الجزيرة وسنار.
وأوضح أن هذه الخسائر تشمل فقدان أجيال من المعارف الزراعية نتيجة نزوح الأسر، إذ أُجبر كثير من شباب مشروع الجزيرة على ترك الزراعة والعمل في مناطق الحضر ومخيمات اللاجئين، ما أدى إلى استمرار انهيار الحياة الريفية وبطء التعافي الاقتصادي.
وأضاف أن مشروع الجزيرة وبنيته التحتية من قنوات ري وورش ومحالج ومخازن تعرضت للدمار والتخريب وعمليات نهب واسعة، ما فاقم من حالة التدهور والإهمال التي ظل يعاني منها المشروع منذ سنوات.
وتابع فتحي في حديثه لـ”أفق جديد”: “هناك جملة من التحديات التي تعترض سير الموسم الشتوي، خصوصًا في جانب الري، الذي يهدد مساحات واسعة بالعطش، بسبب انسداد قنوات الري بالحشائش والطمي، وعدم بدء عمليات الحفر والنظافة في عدد من الترع والمصارف، بعد فقدان المشروع أكثر من 70% من آليات الهندسة الزراعية، وما تبقى منها تعرض للسرقة والنهب الجزئي”.
وأشار إلى أن المشروع يعتمد في جانب البذور على شركات توفر البذور المحسّنة والمجازة، إلا أن معظم هذه الشركات فقدت مخزونها، ولم تتمكن من إنتاج كميات كافية تغطي كامل المشروع.
كما لفت إلى النقص الحاد في مدخلات الإنتاج الزراعي من أسمدة ومبيدات حشرية وحشائش، نتيجة قلة الكميات المستوردة، وعدم قيام الشركات الوكيلة بتوفير الاحتياجات المطلوبة، إضافة إلى عقبة التمويل اللازم لزراعة المحاصيل، رغم أن مشروع الجزيرة مؤهل لتوفير 50% من احتياجات السودان من القمح.





