حرب بلا نهاية وسياسة بلا فاعل: هل يولد الأفق السوداني من تحت الركام؟

 

      حاتم أيوب أبو الحسن 

 

أكثر من ثلاث سنوات والسودان عالق في منطقة رمادية لا هي حرب محسومة ولا سلام ممكن، ولا حتى صراع سياسي واضح المعالم. ما يجري ليس مجرد فشل في إدارة أزمة، بل إنهيار عميق لفكرة الفعل السياسي نفسها. الجميع ينتظر: ضغطًا دوليًا لا يأتي إلا بقدر ما يخدم مصالحه، أو حسمًا عسكريًا أثبتت التجربة أنه لا يحسم إلا الخراب، أو حيادًا أخلاقيًا ظاهريًا يخفي في جوهره انسحابًا من المسؤولية. هكذا تتآكل الأرض، ويتفكك المجتمع، وتتحول السياسة إلى خطاب بلا قوة.

المأزق السوداني اليوم لا يكمن فقط في غياب مسار سياسي، بل في غياب الفاعل القادر على فرض هذا المسار. القوى المدنية منقسمة، لا لأنها تختلف حول البرامج، بل لأنها تفتقر إلى مركز ثقل اجتماعي حقيقي. تحالفاتها هشة، تقوم على رد الفعل لا على المشروع، وعلى كراهية الخصم أكثر من بناء البديل. أما الشارع، الذي كان يومًا مصدر الشرعية والضغط، فقد أنهكته الحرب والنزوح والجوع، فانتقل من موقع الفعل الجماعي إلى همّ النجاة الفردية. وفي هذا الفراغ، تمددت بنية الحرب، لا كسلاح فقط، بل كاقتصاد وثقافة ومنطق حكم.

تجارب العنف والانقسام التي مر بها السودان لم تفشل صدفة. السلاح لم يصنع دولة في أي مرحلة، والتحالفات التي بُنيت على أساس أيديولوجي أو جهوي سقطت عند أول اختبار، لأن المجتمع لم يكن جزءًا منها بل مجرد وقود لها. السياسة انفصلت عن الناس، وصارت لغتها لا تشبه معاناتهم، فيما ظل تعريف “العدو” مضطربًا: مرة هو الطرف الآخر في الحرب، ومرة هو المجتمع الدولي، ومرة هو التاريخ نفسه. والحقيقة أن العدو الأوضح هو استمرار الحرب كنظام حياة، يقتات على غياب البديل.

بعد كل هذا الخراب، يصبح السؤال الحقيقي: ما المطلوب الآن؟ ليس المطلوب شعارات جديدة ولا تحالفات أوسع شكليًا، بل إعادة تعريف الصراع من جذوره. الصراع ليس بين جيش ودعم سريع، ولا بين مدنيين وعسكريين، بل بين مشروع حرب مفتوحة بلا أفق، ومشروع بقاء الدولة والمجتمع. أي قوة لا تضع إيقاف الحرب كأولوية مطلقة، لا كشعار بل كبرنامج، هي جزء من إدامتها مهما ادعت الحياد.

المطلوب هو بناء كتلة مصلحة سودانية، لا كتلة أيديولوجيا. كتلة ترى في وقف الحرب مصلحة وجودية عاجلة، لا بندًا تفاوضيًا. هذه الكتلة لا تُبنى في الفنادق ولا في البيانات، بل من داخل المجتمع نفسه: من لجان المقاومة الحقيقية الباقية في الأحياء، من النقابات المهنية والعمالية حيثما أمكن، من شبكات الإغاثة التي صمدت وسط النار، من الإدارات الأهلية التي لم تتورط في القتال، ومن شخصيات عامة تملك مصداقية اجتماعية لا شهرة إعلامية. هذا ليس تحالفًا سياسيًا تقليديًا، بل بنية ضغط اجتماعي–سياسي قادرة على فرض كلفة على استمرار الحرب.

الرهان الدائم على الخارج أثبت فشله. المجتمع الدولي لا يصنع مشروعًا وطنيًا، بل يدير أزمات بما يخدم توازناته. لا ضغط دولي حقيقي دون ضغط داخلي متراكم، ولا مسار سياسي يولد من العواصم ما لم يكن له وزن على الأرض. نقل مركز الفعل من الخارج إلى الداخل ليس شعارًا رومانسيًا، بل شرطًا لأي أفق.

في هذه المرحلة، لا يحتاج السودان إلى برامج قصوى ولا دساتير مثالية، بل إلى برنامج حد أدنى غير قابل للمساومة: وقف الحرب، حماية المدنيين، فتح الممرات الإنسانية، تفكيك اقتصاد الحرب، ومسار عدالة مرحلي واقعي لا انتقامي ولا صوري. ما عدا ذلك ترف سياسي في لحظة بقاء.

هل من أفق جديد؟ 

نعم، لكنه لن يأتي عبر الأدوات القديمة ولا الوجوه المستهلكة. الأفق يبدأ حين تعترف النخب بأن وهم “الشرعية الحصرية” قاد إلى العزلة، وحين يُفهم أن الثورة بلا تنظيم اجتماعي تموت، وأن الحياد في لحظة انهيار الدولة ليس موقفًا أخلاقيًا بل انحيازًا للكارثة. يبدأ حين تتحول المعاناة من مادة خطاب إلى قوة تنظيم، ومن بكاء على الأطلال إلى فعل تراكمي صبور.

السودان لا يحتاج منقذًا، بل إرادة جمعية تُعاد صناعتها من تحت، ببطء، وبوعي، وبثمن أقل بكثير من ثمن الفناء الجاري. إن لم يحدث ذلك، فلن يكون السؤال عن شكل الحل، بل عن مقدار ما تبقى من السودان حين نقرر أخيرًا البحث عنه.

     كاتب سوداني

Exit mobile version