سلاح باكستان

السودان ميدان رماية

أفق جديد

حين تُثار مسألة صفقة سلاح تُقدَّر قيمتها بنحو مليار ونصف المليار دولار  في سياق حربٍ مستعرة، فإن المطلوب ليس الانبهار بالرقم ولا الاكتفاء بالدهشة الأخلاقية، بل تفكيك الحيثيات التي تجعل مثل هذه الصفقة ممكنة، ودراسة الدلالات السياسية والعسكرية التي تترتب عليها.

ويعد هذا موشرا على الرغبة في الاستمرار في حرب تبدو أفق التوصل إلى حل سلمي لها لايزال بعيدا في ظل ارتفاع أصوات ضرورة الحسم العسكري. 

وحرب السودان التي تجاوزت الالف يوما من الاشتعال لازالت تستقبل مزيد من الأسلحة، ولم تعد تُقرأ بوصفها نزاعًا داخليًا على السلطة فحسب، بل باتت مثالًا شبه نموذجي لحرب بالوكالة، تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، ويجري تمويلها وإدارتها من خارج الحدود، بينما تتحول الأطراف المحلية إلى أدوات تنفيذ.

الحديث عن سلاح باكستاني يدخل على خط الحرب لا يكتسب أهميته من هوية الدولة المورِّدة وحدها، بل من التوقيت، والحجم المالي، وسياق الاصطفافات الذي يأتي فيه.

ورغم التدوال الكثيف عن صفقة السلاح الباكستاني والضجة التي اثارتها إلا أن الجيش السوداني التزم الصمت حيال الأمر. 

حجم الصفقة

قيمة الصفقة، كما جرى تداولها في دوائر سياسية وإعلامية، تتضمن 10 طائرات هجومية خفيفة من طراز كاراكورام 8، وأكثر من مائتي طائرة مسيرة للاستطلاع والهجوم وأنظمة دفاع جوي متطورة.

 مثل هذا الحجم لا يُستخدم عادة في حروب قصيرة الأمد أو في نزاعات محلية محدودة، بل في صراعات يُراد لها أن تستمر، وأن تحافظ على مستوى عالٍ من القدرة القتالية.

الا أن الأهم من ذلك بحسب المراقبين يكمن في أن هذا الرقم لا يتناسب بأي حال مع الواقع الاقتصادي للأطراف السودانية المتحاربة. 

وكذلك لا يتسق مع موارد الدولة المهارة التي دمرت قدرتها الاقتصادية خلال حرب 15 أبريل، وذلك يفتح الباب تلقائيًا أمام فرضية التمويل الخارجي، لا بوصفها استنتاجًا سياسيًا، بل كضرورة حسابية بحتة.

كما يؤكد خبراء أن هذه الصفقة العسكرية الضخمة التي أقدم عليها الجيش السوداني سيقابلها الطرف الآخر بزيادة إمكانياته وقدراته العسكرية، وفتح قنوات إمداد بأسلحة إضافية، الأمر الذي من شأنه أن يرفع وتيرة الحرب ويزيد من اشتعالها.

سؤال التمويل

منذ اندلاع الحرب، فقد السودان معظم مصادر دخله الرسمية، وتوقفت عجلة الإنتاج، وتفككت المؤسسات المالية، وتلاشى الاحتياطي النقدي.

و في ظل هذه المعطيات، يصبح من غير المنطقي افتراض أن أي طرف محلي يمتلك القدرة الذاتية على تمويل صفقة بهذا الحجم، حتى لو جرى الحديث عن موارد موازية أو اقتصاد ظل، فإن هذه الموارد، مهما تضخمت، لا تكفي لتغطية كلفة تسليح استراتيجية طويلة الأمد.

 يقود هذا الواقع إلى نتيجة واضحة: المال خارجي. والمال الخارجي، في سياق الحروب، لا يكون بلا شروط. فالممول لا يموّل بدافع الكرم، بل بدافع المصلحة، وغالبًا ما تكون هذه المصلحة مرتبطة بإطالة أمد الصراع، أو توجيه مساراته، أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات أوسع.

وقد دعا مجلس الأمن الدولي أكثر من مرة خلال جلساته بشأن الأزمة السودانية إلى وقف تدفق الأسلحة من أطراف خارجية. 

كما قال الأمين العام للأمم المتحدة، “لا بد من وقف الدعم الخارجي وتدفق الأسلحة، اللذين من شأنهما أن يساعدا على استمرار الحرب والدمار الكبير الذي يلحق بالمدنيين وسفك الدماء في السودان”. 

المورد الباكستاني

باكستان دولة ذات صناعة عسكرية متنامية، وتاريخ طويل في تصدير السلاح، خاصة إلى دول الجنوب العالمي ومناطق النزاعات.

 و تشمل الأسلحة الباكستانية ” مدفعية، وعربات مدرعة، طائرات تدريب، ومنظومات دفاعية”. وهي، بحكم موقعها وعلاقاتها، تتحرك غالبًا في هوامش الصراعات الدولية الكبرى، حيث يُفضَّل أن يتم التوريد عبر أطراف أقل ظهورًا وسياسيًا. 

والمؤكد أن باكستان لا تعمل في حيز غير معروف، فصفقات السلاح الكبيرة تخضع عادة لموافقات سياسية عليا، وتأخذ في الحسبان شبكة العلاقات الدولية والإقليمية، خاصة مع دول الخليج، ومع القوى الدولية المؤثرة في مسار الصراع السوداني. 

لذلك، فإن الحديث عن سلاح باكستاني لا يعني بالضرورة قرارًا باكستانيًا خالصًا، بقدر ما يشير إلى حلقة في سلسلة أوسع من التفاهمات غير المعلنة.

دلالات التوقيت:

تأتي هذه الصفقة في لحظة سياسية وعسكرية دقيقة، فالحرب وصلت إلى حالة من الجمود النسبي من  حيث أن أي طرف ليس بقادر على تحقيق حسم سريع، وفي الوقت نفسه لا تظهر مؤشرات جدية على تسوية سياسية قريبة. 

وبحسب المتابعين فإن في مثل هذه اللحظات، تلجأ الأطراف الداعمة إلى ضخ المزيد من السلاح، ليس لكسر الجمود بالضرورة، بل لمنع انهيار أحد الطرفين، والحفاظ على توازن هش يسمح باستمرار الصراع.

التوقيت هنا ليس تفصيلاً، بل مؤشر على أن القرار لم يكن رد فعل طارئًا، بل جزءًا من إدارة وأراده لاطالة أمد الحرب.

منطق الوكالة

تقوم الحرب بالوكالة على معادلة بسيطة: أطراف محلية تقاتل، وقوى خارجية تموّل وتوجّه. 

وفي الحالة السودانية، تتجلى هذه المعادلة بوضوح متزايد. فالأطراف المحلية ترفع شعارات وطنية، لكنها تعتمد في بقائها العسكري على دعم خارجي. وهذا الاعتماد، مع مرور الوقت، يتحول إلى تبعية، ثم إلى فقدان تدريجي للقدرة على اتخاذ القرار المستقل.

ولعل صفقة بهذا الحجم تعني أن الطرف الذي يستلم السلاح يصبح مرتبطًا، سياسيًا وعسكريًا، بالجهة التي موّلت ومرّرت الصفقة. وهنا تنتقل الحرب من كونها صراعًا داخليًا إلى كونها ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

الاصطفافات الإقليمية

لا يمكن فهم هذه الصفقة بمعزل عن خريطة الاصطفافات في الإقليم. فالسودان يقع في منطقة ذات أهمية استراتيجية عالية، تتقاطع فيها مصالح تتعلق بالبحر الأحمر، والموانئ، وطرق التجارة، والعمق الأفريقي.

 كل محور إقليمي ينظر إلى السودان من زاوية مختلفة، لكن القاسم المشترك هو التعامل معه كمساحة نفوذ محتملة، لا كدولة ذات سيادة مكتملة.

وبذلك يصبح دعم أحد أطراف الحرب وسيلة لضمان موطئ قدم، أو لمنع خصم إقليمي من الانفراد بالساحة، وقد يكون السلاح هنا ليس دعمًا لحليف بقدر ما هو أداة لضبط التوازن.

الأطراف المحلية 

النتيجة المباشرة لهذا الوضع أن الأطراف السودانية تفقد تدريجيًا صفتها كفاعلين مستقلين. فهي لا تحدد سقف الحرب ولا نهايتها، بل تتحرك ضمن حدود مرسومة لها.

 كل طرف يعتقد أنه يستخدم الدعم الخارجي لصالحه، بينما الواقع أن الدعم الخارجي هو الذي يستخدمه.

هذه المفارقة تجعل من الحرب دائرة مغلقة: لا سلام ممكن لأن الممولين لا يريدونه، ولا حسم ممكن لأن الحسم قد يخلّ بالتوازنات.

الاقتصاد الحربي

صفقة السلاح ليست حدثًا معزولًا، بل جزء من اقتصاد حرب متكامل. 

هذا الاقتصاد يشمل شبكات نقل، وسماسرة، وشركات واجهة، وتحويلات مالية معقدة. كلما طال أمد الحرب، تعمّق هذا الاقتصاد، وأصبح إنهاء الصراع تهديدًا مباشرًا لمصالح مستفيدين كُثر، داخل السودان وخارجه.

بهذا المعنى، تتحول الحرب من مأساة إلى مشروع، ومن كارثة إلى مصدر دخل.

الأثر المدني

في مقابل هذه الحسابات الكبرى، يقف المدني السوداني خارج المعادلة. لا مكان له في عقود السلاح، ولا في غرف القرار. لكنه يدفع الثمن كاملًا.

 كل دفعة سلاح جديدة تعني مزيدًا من الدمار، ومزيدًا من النزوح، ومزيدًا من التآكل في ما تبقى من الدولة والمجتمع.

وقد يعتبر البعض  أن المدني لا يهمه مصدر السلاح ولا هوية الممول، لكنه يلمس النتيجة مباشرة في حياته اليومية التي يلازمها عدم الاستقرار والأمان. 

الصمت الدولي

رغم الخطاب الدولي المتكرر حول حماية المدنيين ومنع تدفق السلاح إلى مناطق النزاع، فإن الواقع يكشف عن ازدواجية واضحة. الصفقات تمر، والدعم يستمر، طالما أن الحرب لا تهدد مصالح القوى الكبرى بشكل مباشر. هذا الصمت ليس حيادًا، بل قبول ضمني باستمرار الحرب كأمر واقع.

ادوات صراع

صفقة السلاح المنسوبة إلى باكستان، بقيمتها وتوقيتها وسياقها، ليست تفصيلًا ثانويًا في حرب السودان، بل شاهدًا مركزيًا على تحولها إلى حرب بالوكالة. 

هي دليل آخر على أن القرار لم يعد محليًا، وأن الأطراف المتقاتلة لم تعد سوى أدوات في صراع أوسع، وأن السودان نفسه بات ساحة اختبار وإدارة أزمات للآخرين.

ما لم يُكسر هذا النمط، وما لم يُعاد الاعتبار لفكرة الحرب بوصفها مشكلة وطنية لا مشروعًا إقليميًا، فإن السؤال لن يكون متى تتوقف هذه الحرب، بل إلى أي مدى سيبقى السودان قادرًا على الاحتمال؟.

Exit mobile version